بول أوستر: «رحلات في حجرة الكتابة»

حجم الخط
0

 

في الوسع القول إنّ مجمل أعمال الروائي الأمريكي بول أوستر تتمحور حول هذه الصورة المركزية، لغرفة ما، فارغة أو تكاد؛ حيث تنبسط عناصر الوجود، ومثلها عناصر العدم، في خلاء مجازي لا تؤثثه إلا كائنات صامتة، مثل طاولة، عليها مخطوط، وسرير، وربما مصباح نقال. في هذه الرواية، أيضاً، ثمة شيخ يدعى المستر بلانك، يجلس في غرفة خاوية، لا نعرف إذا كانت في سجن، أم مستشفى، أم فندق رخيص؛ وثمة مخطوط، ثمّ سرد مديد على امتداد 150 صفحة، لا يكاد ينتهي (عند القارئ، على الأقل)، ولا يكاد يُنهي سلسلة الأسئلة التي يثيرها وجود العجوز، إزاء المخطوطة، في خواء الغرفة.
هنا سطور من مستهل الرواية:
«يجلس الشيخ على طرف السرير الضيق، واضعاً راحتَيْ يديه فوق ركبتيه، مطرقاً الرأس، يحملق بالأرض. لا فكرة لديه بأنّ ثمة كاميرا على السقف مصوبة مباشرة نحوه. مصراع الكاميرا يُغلق ويُفتح بصمت مرّة كلّ ثانية، منتجاً ثمانية وستين ألفاً وأربعمائة صورة مع كلّ دوران للأرض. وحتى لو عرف أنه مُراقب، لما شكّل ذلك أي فرق، فعقله سارح في مكان آخر، في مخيلته، بحثاً عن جواب عن السؤال المؤرق.
من هو؟ ما الذي يفعله هنا؟ متى وصل إلى هنا؟ وكم سيبقى؟ نأمل بأن الوقت سيخبرنا بذلك. أما في الوقت الراهن، فإنّ مهمتنا الوحيدة تنحصر في دراسة الصور، بقدر ما أمكننا من التيقظ، والامتناع عن استخلاص اية نتائج متعجلة.
أشياء عدّة تتوزع في أرجاء الغرفة، وفوق كلّ منها شريط أبيض، كُتبت عليه كلمة واحدة، بأحرف منفصلة. على منضدة السرير، مثلاً، كُتبت «منضدة»، وعلى المصباح «مصباح»، وحتى على الجدار، وهو لا يُعدّ «شيئاً» بكلّ معنى الكلمة، كُتب على الشريط اللاصق كلمة «جدار». يرفع الشيخ راسه لبرهة، يرى الجدار، ويرى الشريط الملصق عليه، ويلفظ، همساً، كلمة «جدار». ما لا يستطيع معرفته في هذه المرحلة هو ما إذا كان يقرأ الكلمة على الشريط، أو أنه يشير ببساطة إلى الجدار نفسه».
المتوسط، ميلانو 2017

بول أوستر: «رحلات في حجرة الكتابة»

ترجمة: سامر أبو هواش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية