كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن توتر على الحدود الشمالية لفلسطين، بسبب إعلان إسرائيل نيتها إقامة جدار عازل على طول حدود وقف إطلاق النار مع لبنان، وهو الأمر الذي رفضه لبنان رسمياً من خلال بيان رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الدولة الجنرال ميشيل عون، إضافة إلى موقف حزب الله الرافض.
كذلك يوجد تسخين في الخلاف، على ملكية حقل غاز في البلوك رقم تسعة في البحر المتوسط قبالة السواحل اللبنانية، تدعي إسرائيل أنه في مياهها الإقليمية ومن حقها التنقيب فيه عن الغاز، بينما يدعي لبنان حقه على هذا البلوك، وقد هدد حسن نصر الله من يقترب من هذه المنطقة، بأن يضرب منصاته الغازية في البحر المتوسط. التهديدات المتبادلة والتسخين سبقته شكوى إسرائيلية لمجلس الأمن ضد زيارة الشخصية الإيرانية آية الله إبراهيم رئيسي إلى المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، فهل هذا يعني أن المواجهة باتت وشيكة! علما أن إسرائيل تنتظر الفرصة المناسبة لتقليم أظافر حزب الله وتحجيم قوته.
في حال بادرت إسرائيل إلى المواجهة، فإنها تعيد إلى حزب الله تعاطف الجمهور العربي، بعدما فقد الكثير منه بسبب تورطه في سوريا، ثم إن قتاله هذه المرة لن يكون دفاعاً عن نفسه فقط، بل دفاعا عن كل لبنان وحقه في موارده الطبيعية في مياهه الإقليمية، وهذا سيمنحه حاضنة شعبية أوسع بكثير من الحالية، هذا في حال بادرت إسرائيل إلى العدوان العسكري. أما على الصعيد العسكري فسيرد حزب الله بآلاف الصواريخ، خصوصاً القصيرة المدى، التي تعني تفريغ منطقة شمال فلسطين وترحيل معظم سكانها إلى الجنوب، وسقوط ضحايا من المدنيين، وشلل الحياة الاقتصادية فيها طيلة أيام المواجهة، أما الصواريخ المتوسطة وطويلة المدى فإن منظومة القبة الحديدية وصواريخ حيتس وغيرها ستتكفل بإسقاط معظمها قبل وصولها وسيكون تأثيرها ضئيلا.
لن تتوغل إسرائيل بريَا، لأنه لن يكون بمقدور حكومة بيبي- وليبرمان امتصاص الخسائر العسكرية البشرية التي ستقع في هذه الحالة، فالمهاجم في البر عرضة للكمائن والخسائر أكثر من المدافع، خصوصا أن حزب الله يملك صواريخ متقدمة ضد الدروع والدبابات، ولهم بهذا تجربة عام 2006، ولهذا سيقتصر الأمر على القصف الصاروخي من البر، ومن الطائرات والبوارج البحرية وتدمير أقصى ما يمكن من لبنان في حال وقوع المواجهة.
في النهاية بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من الغارات والصواريخ المتبادلة سيصل الطرفان عبر وساطات دولية إلى وقف لإطلاق النار، من دون أن يحقق أي طرف نصراً حاسماً، وهذا سوف يثير التساؤل في داخل إسرائيل، لماذا أقدمتم على الحرب ما دامت النتيجة ستعيدنا إلى نقطة البداية، ولم تؤد إلى نزع سلاح حزب الله مثلا! لماذا وقع ضحايا من الجيش والمدنيين، ولماذا شُل نصف البلاد ولماذا كل هذه الخسائر إذا كنا سنعود إلى حيث كنا قبل المواجهة إلى التفاوض مع لبنان! ولن يبادر حزب الله من جانبه، لأن هذا يعني خسرانه للمئات من كوادره ولدمار هائل في البنى التحتية والمنشآت المدنية والعسكرية، وإلى زيادة نقمة المدنيين عليه، وتقلّص حاضنته الشعبية، التي ستتضرر في كل أرجاء لبنان، بعدما أعلنت إسرائيل أن كل لبنان بات مسؤولا، وعليه فهي ستعاقب الجميع وبضوء أخضر من ترامب، وسوف يسأل الناس بدورهم لماذا بدأ حزب الله الحرب وتسبب بكل هذه الخسائر لأجل نتيجة معروفة، من دون التوصل إلى نصر عسكري على إسرائيل، بل ستبدأ مفاوضات بوساطة أطراف محايدة، كان ممكنا أن يقوم بها لبنان بدون حرب وخسائر.
إيران من ناحيتها لن تشجع حزب الله على المواجهة، أولا لأنها مشغولة في مشاكلها الداخلية، وتحاول معالجة الأوضاع القابلة للتفجر بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، الذي أسهم الحصار بجزء كبير منه، إلى جانب تكاليف التدخل العسكري في سوريا، والصرف على حزب الله، فحرب وتكاليف وأعباء جديدة من خلال حزب الله تعني استنزافا كبيرا لمواردها المادية، وهذا ما بات يعتبره قسم كبير من الإيرانيين عبئا عليهم، كذلك فإنها تخشى إذا بدأت مواجهة واسعة بين حزب الله وإسرائيل، أن يفقد الطرفان السيطرة وتختلط الأوراق، وأن تسعى إسرائيل لإدخال الملف النووي والصاروخي الإيراني في المعادلة، خصوصا في ظل إدارة ترامب الداعم بشكل أعمى لبيبي نتنياهو، الذي يسعى لإعادة صياغة الاتفاق النووي والصاروخي مع إيران. إضافة إلى ما ذكر، تعمل إسرائيل في الليل والنهار على تطوير وسائل وتقنيات جديدة للتصدي للصواريخ بكل أنواعها، وهذا يعني أنها غير مستعجلة على المواجهة إلى أن تكون أكثر استعدادا للمواجهة مع نتائج أقل ضررا.
حزب الله يصلي بأن لا تبادر إسرائيل إلى المواجهة، وبأن لا تستفزه لإرغامه على المواجهة، وهو يعرف أن أفضل الطرق بالنسبة له للخروج من أزمة حقول الغاز والجدار، إحالتها إلى الحكومة اللبنانية لتتحمل هي المسؤولية وتقرر ما هي فاعلة، وهذه ستحيلها بدورها إلى القنوات الدبلوماسية الدولية ذات الحبال الطويلة جدا.
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان