«بيرسونا» الفيلم الذي أنقذ المخرج السويدي إنغمار بيرغمان

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: الأفلام العظيمة فقط هي الجديرة بوثائقيات مكرّسة لها، وأحد هذه الأفلام هو الفيلم المفصلي في حياة السويدي إنغمار بيرغمان، «بيرسونا»، وهو الفيلم الذي تناوله الوثائقي الذي عرضته قناة ARTE مؤخراً، ذاكراً أنّه مؤسّس للسينما الحديثة، وأنّ السينما الحديثة بدأت مع هذا الفيلم.
ندخل مع هذا العام مئويّة السينمائي السويدي، أحد الأعظم والأكثر تأثيراً في تاريخ السينما (1918 ـ 2007)، ويبدو أن الاحتفاء به بدأ مسبقاً بهذا الوثائقي، الذي أُنتج قبل عامين وعُرض قبل أيام على القناة الثقافية الفرنسية الألمانية، بمشاركات من سينمائيين ونقّاد، وإحدى بطلتَي الفيلم وممثلاته الأثيرات: ليف أولمان.
يتركّز الوثائقي على الظروف التي سبقت ورافقت التصوير، بما فيها العملية الإبداعية لبيرغمان، كما على استثنائية الفيلم في مسيرة بيرغمان السينمائية والعديد من السينمائيين في العالم. في 1956، وفي قمّة مجده، مُحاطاً بأزمات وشكوك دائمة تخصّ عمله، والعمل المتزاحم لديه بإخراجه لمسرحيات وأفلام بشكل سنوي، دخل المستشفى بسبب حالته النفسية آنذاك، لثلاثة أشهر، ظاناً أنّه لن يصنع المزيد من الأفلام، وقد أنجز إلى حينه العديد منها، ما تجاوز معدّل فيلمين في السنة، ليست جميعها عظيمة إنّما كان من بينها ما يكفي ليجعل المخرج السويدي لحظتها أحد أعظم المخرجين، من بينها «وايلد ستراوبريز» و«ذا سيفنث سيل» وكلاهما عام 1957، و«سمر ويذ مونيكا» عام 1953. لكن في إحدى إجازاته من المستشفى، التقى صدفة بليف أولمان وبيبي أندرسون (البطلة الأخرى في الفيلم) وبطلة أفلام سابقة لبيرغمان، ولاحظ التشابه الشديد بين الامرأتين، وقال ذلك لهما، كما روته أولمان في الوثائقي، وخرج بفكرة الفيلم، في المستشفى، الذي يحكي عن الامرأتين المتماثلتين وتداخل نفسيتيهما.
بدأ تصوير الفيلم في ستوكهولم لكنّه كان متوتّراً طوال الوقت مرجّحاً إمكانية التوقف عن التصوري والتخلي عن الفيلم بين لحظة وأخرى، إلى أن قرّر أن يجرّب الذهاب إلى جزيرة فارو، هناك حيث قال للفريق بأنّ هذا هو المكان الذي يريده لفيلمه.
يتجوّل الوثائقي بين الصّور والكواليس ويوميات بيرغمان، ومقابلات معه حكى فيها عن الفيلم وعن السينما كما يراها، إضافة إلى المداخلات التي شملت كذلك المخرج الفرنسي أرنو ديبلوشان، كأحد المعجبين بسينما بيرغمان، مانحاً أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، بعضاً مما يستحقه، وقد أخرجه الفرنسي مانويل بلان.

«بيرسونا»

أُنتج الفيلم عام 1966، وهو الفيلم الذي قال عنه بيرغمان بأنّه أنقذه (عنوان الوثائقي أعلاه مأخوذ عن هذه المقولة). ليس في الفيلم حكاية، فهو يبدأ بممثلة مسرحية معروفة، قرّرت أن تصمت تماماً، تدخل مستشفى بسبب حالتها النفسية، تُنقل مع ممرضة (ألما) إلى منتجع على الشاطئ، هناك، تبقى هي صامتة وتملأ الممرضة الوقتَ بالكلام، كنوع من الاعتناء بها. يدخل كلامها مساحات متنوعة وشاسعة، لتجد نفسها تتماثل مع الأخرى.
في الفيلم تتطابق الامرأتان، تدخل إحداهما في الحالة النفسية للأخرى، ولبيرغمان لقطات وتقطيعات تُظهر ذلك. وهو فيلم يحوي إضافة إلى السيكولوجيا، بعداً روحياً، وهو من ناحية الأسلوب فيلم تجريبي كذلك، هنا المونتاج كان أداة أساسية: دمج الوجهين، تكسير إطارات الصورة، حرق الشريط، وغيرها من الصّور التي أظهرت تداخل النفسيتين، أو تحديداً دخول الممرضة التي لا تكف عن الكلام، فتبدأ بالحكي عن أسرارها، في نفسية المريضة الصامتة المستمعة المحتوية للأخرى.
وعنوان الفيلم أتى من مفردة اجترحها عالم النفس السويسري كارل يونغ، الذي يرى في الكلمة تعبيراً عن «قناع اجتماعي» يقدّم فيه المرء ملامح ومشاعر للآخرين، وهو كذلك مخفٍ للوجه الحقيقي خلفه. وهو ما يمكن أن يفسَّر كتلبّس للممرّضة وجهَ المريضة وتماهيها معها، إنّما بشكل تلقائي غير واعٍ أدّى إليه الكلام والإفصاح المتواصل.
في الفيلم عناصر شكلت هذا الاضطراب النفسي لدى الممرضة، وليس المريضة، المتصاعد مع كلام الأولى وإنصات الأخيرة، عناصر تنقّلت من المثلية بين الاثنتين إلى مصّ الدّماء إلى استحضار لما هو خارجهما من خلال المونتاج، بشكل يذكّرنا بـ«المونتاج الفكري» لدى المخرج السوفييتي أيزنشتاين، لا ليُدخل فكرةً ما في ذهن المُشاهد بل ليحرّض شعوراً من خلال تقاطع هذه الصّور. نسمعه يقول في إحدى مقابلاته إنّ المهم هنا، في هذا الفيلم، ليس الفهم بل الحصول على تجربة عاطفية.

تجريبي

الفيلم تجريبي، مونتاجاً وكذلك سيناريوهاً، حتى الموسيقى فيه كانت خاصة، غريبة، بعيدة عن الاستخدامات التقليدية لبيرغمان في أفلامه، التي كانت الموسيقى الكلاسيكية، الإحالات إلى صورٍ تاريخية في الفيلم، جنسية، كرتونية، منها إحالة إلى تشارلي شابلن، كلّها أتت كعناصر غرائبية في السرد الذي ينقله الفيلمُ لمُشاهده. هذا وكلّه ليس بعيداً عن حالة الاضطراب النفسي الذي تعيشه لا المريضة، بل الممرضة. ولعلّ هذا ما يجعل الفيلم قابلاً للتأويل ولنقيضه في الوقت ذاته. لكن ما لا يمكن الاختلاف فيه هو أنّ «بيرسونا» كان في زمنه فيلماً تجريبياً وأنّه صار فيلماً كلاسيكياً، ولا يحصل ذلك إلا نادراً: أن يصير التجريبي كلاسيكياً. عن الفيلم وإنقاذه له، قال بيرغمان: «قلتُ يوماً أنّ بيرسونا أنقذني، لستُ أبالغ في ذلك، لو أنّي لم أجد القوّة لأصنع هذا الفيلم، لكنتُ بلا شك رجلاً منتهياً».

«بيرسونا» الفيلم الذي أنقذ المخرج السويدي إنغمار بيرغمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية