بيروت … الجالسة في «عائشة بكار»

حجم الخط
0

بيروت – محمود ضحى: في رحلة البحث عن مدينتك الداخلية شيء من المجازفة. مزيج من حكايات متراصة في ذاكرة متهالكة تعاني من الـ «شيزوفرينيا». أن تبحث عن بيروت بداخلك يعني أنك اتجهت إلى ما بعد الحلم. تلك المرحلة التي لم تستطع بعد ان تدرك خصائصها، سوى أن تتلذذ بشعور مرتفع النشوة، يسقط عند أول خيط ضوء يخترق الجفن.
وأنا أتذكر بيروتتي الداخلية لا تعنيني مقاهي شارع الحمرا، ولا حتى مشاهد المثقفين وهم يقرأون كتباً فوق كراس موزعة بترتيب. في شارع الحمرا ذاكرتي تذهب نحو «أبجور» أخضر، وحبل غسيل أشبه بلوحة مزخرفة، وسلة جدتي التي تنتقل صعوداً من طابق إلى آخر. تطفو على وجهها ربطة خبز، ويلمع كيسها تحت ضوء الشمس. ورائحة «تقلية» بصل وثوم تفوح عارمة.
وهي تصعد تخترق «السلة» مشهدية أخرى بطلها صوت مرتفع للفنان المصري محمد عبد الوهاب، تخرج من شرفة تزينت بنرجيلة عجمية، وعجوز يتأمل زوجته الجالسة بوجه كثيف الشغف.
هنا في عائشة بكار أقف طويلاً في شارع كساه الإسمنت يميناً ويساراً. اقتلعت بقسوة سيارات حديثة شجرة بيت «مشاقو» القديمة، لتفتح الطريق وتقفل حقبة من الذاكرة. يراودني شعور بأنني أصبحت كهلاً. فتطورات الطفولة جاءت سريعة. فاقت عمري الحقيقي. جعلتني اسأل نفسي: هل أنا حقاً أعيش؟ أم أن روحي التي اقتلعت مع الشجرة تطوف في المكان لتطمئن على أحوال من تركتهم خلفها، كما في رواياتنا الإسلامية.
لم تعد تستهويني أغنيات فيروز عن المدينة، ولا أغنيات أحمد قعبور. الذاكرة البيروتية التي تصارع وحيدة أصبحت مملة. فيها شيء من الرتابة. تقرقع في رأسي كزجاجة رماها أحدهم في ليل مظلم.
أشعر أحياناً بكره لبيروت، كره اسمنتها المكتظ. بمظاهرها كلوحة الموناليزا التي لم أشتق اليها قط. بل أنفر منها كثيراً بسبب قباحتها البارزة. برائحة دخاخين عوادم سياراتها التي تسرق من أنفي رائحة جلاب جدتي الذي كان يفوح من عائشة بكار إلى رمل الظريف.
كانت جدتي سيدة عجوزا ترتدي معطفاً من الريش. تلف رأسها بغطاء أبيض. تضع نظاراتها بلا وصفة طبيب. كانت حادة الطباع كنظرة أولى ومتكبرة. ربما تتعامل بفوقية معنا. لكنها بالحقيقة ليست كذلك. وضعت حدوداً كبيرة بعد رحيل جدي. لعبت دور الأم والأب لأسرة ممتدة، وزينت جدران بيتها بصور الأبناء والأحفاد.
وحدها صورة جدي كانت تغريني. أشعر وهي في وسط غرفة الجلوس بأنها لممثل مصري يدعى أنور وجدي. أحس أنه نجم سينمائي. أكرر السؤال على والدتي. تغمزني وتعض على شفتها خوفاً أن تسمعني جدتي وتثور غضباً، أهرب سريعاً إلى غرفة خالتي.
هناك الحياة تمضي بهدوء. تقف طويلاً على الشرفة المسوّرة بحديد أسود. كأنها غرفة في سجن بسيط. تعلم أن العريس لن يأت. ولن تغريه كحلة أجفانها، ولا رائحة زهر الليمون التي تفوح منها، أو نظافة غرفتها التي تسحر النظر ببياض غطاء تختها.
كانت تقلّب ألبوم صور العرسان التي تصلها من «أم أحمد». تقلبها ببطء. تشاهد الصور بتؤدة. تضحك من هذا، وتشمئز من ذاك. وتعلق على كل صورة تتصفحها بين راحتي يديها. تبحث في الألبومات التي وصلتها عن شبيه الفنان فريد الأطرش فهو ايقونتها المميزة. تبحث وتمعن النظر ولم تجده بعد.
كانت تحب فريد حباً كبيراً. زينت غرفتها بصوره. ومن شدة تأثرها يوم وفاته ارتدت الأسود أربعين يوماً. جلست لساعات طويلة في غرفتها لا تحدث أحداً.
تعلم خالتي أن عاطفتها الكبيرة لا يمكن لأي شخص عادي أن يحتويها. فهي بحاجة إلى فنان شغف بحبها. كانت رومانسية جداً. ربما زادت رومانسيتها بعد اصابتها بشلل في رجليها، وأصبحت مقعدة على كرسي حديدي.
تمر الذكريات بكثير من السرعة، أرتشف قليلاً من كوب الماء الموجود أمامي ولا أشبع. يعيدني مرغماً إلى بيروتتي. وأستذكر كيف كنت أهرب إلى منزل جدتي لأشرب ماءً مخلوطاً بماء الزهر وأرتوي كثيراً.
أصبحت أكره مدينة أعيش فيها، وأعشق مدينتي التي تعيش بداخلي، بتفاصيلها، بجدارها الخيالي، بسفن رست على شواطئها، بمقاهي كبارها الذين يدندنون أنغام أغنيات عمر الزعنّي، ولا أعلم ما اذا كانت فعلا بيروتتي حقيقة بيوم ما، أم أنها خيال يصنعه خيال.
qsh

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية