بيروت ـ «القدس العربي»: من بيروت أطلقت جائزة محمود كحيل لـ»شرائط المصورة والكاريكاتير الصحافي والرسوم في العالم العربي». اعلنت النتائج وسُلمت الجوائز. محمود كحيل رسّام الكاريكاتير الساخر، الفنان الذي عبّر بعيداً عن الكلام. هو من طليعة من أعطوا هذا الفن عصارة روحهم وتميزوا. استحق جائزة باسمه بمبادرة ورعاية من معتز ورادا الصواف، وباحتضان من الجامعة الأمريكية في بيروت، فهو خريجها. هي جائزة أكاديمية، وتهدف إلى تعزيز البحوث عن الشرائط المصورة العربية، ودعمها، وتشجيع إنتاجها ودرسها وتعليمها.
من هو محمود كحيل؟ لم يكن رسّام كاريكاتير عاديا، بل ترك اثراً لم يسبقه إليه آخرون. من مبادراته الرائدة بالتعاون مع فريد سلمان ورورو بريدي إطلاق مشروع «اليوميات اللبنانية» في سنة 1967. هي يوميات مصورة عُرضت على أكثر شاشات صالات السينما في شارع الحمرا في بيروت. مثلت هذه الخطوة في حينها بثاً مباشراً للكاريكاتير يذاع للجمهور. كان الجمهور يشاهد نفسه بعد تصويره ومن ثمّ عرضه على الشاشة بسرعة قياسية. هي شاشة الواقع، أو أفلام الواقع. عمل كحيل في العديد من المطبوعات اللبنانية والعربية في بيروت ولندن. انحاز للناس، للفقراء واللاجئين منهم على وجه الخصوص. في لندن وافته المنية نتيجة مضاعفات بعد جراحة في القلب وذلك في 11 شباط/فبراير 2003، وكان في الثالثة والستين من العمر.
شارك في مسابقة محمود كحيل العربية 200 فنان ينتمون لـ 11 دولة عربية، وقدموا أكثر من 900 عمل، بينهم 50 فناناً تقدموا إلى فئة الكاريكاتير السياسي، و25 إلى فئة الرواية المصوّرة، و42 إلى فئة الشرائط المصوّر، و40 إلى فئة الرسوم الغرافيكية، و43 إلى فئة رسوم قصص الأطفال.
جائزة محمود كحيل للكاريكاتير السياسي فاز بها أمجد رسمي، العامل في صحيفة «الشرق الأوسط «اللندنية، وقيمتها عشرة آلاف دولار أمريكي. وفاز المصريون أحمد نادي ودنيا ماهر وجنزير بجائزة مماثلة في فئة الروايات التصويرية عن عملهم «في شقّة باب اللوق». ومنحت جائزة الشرائط المصورة «الكوميكس» وقدرها ستة آلاف دولار للفنان محمد المعطي من الأردن. وذهبت جائزة الرسوم التصويرية والتعبيرية، وقدرها خمسة آلاف دولار، إلى اللبناني بهيج جارودي، فيما حازت اللبنانية عزة حسين جائزة رسوم كتب الأطفال، وقيمتها أيضاً خمسة آلاف دولار.
وخصصت «جائزة قاعة المشاهير لإنجازات العمر» الفخرية للفنانة السورية لجينة الأصيل، تقديراً لأعمالها في مجال رسوم كتب الأطفال منذ العام 1969. أما «جائزة راعي الشريط المصوّر العربية» الفخرية فنالتها مجلة القصص المصوّرة للكبار «توك توك» المصرية.
«القدس العربي» التقت بعض الفائزين في حوارات عن أعمالهم. فجائزة انجازات العمر تُمنح للمثابرين في فن الرسم لأكثر من 25 سنة. ومن المعروف على صعيد الوطن العربي ككل أن الفنانة السورية لجينة الأصيل ترافق الأجيال عبر رسومها لكتب الأطفال منذ أكثر من 45 سنة. هجرت الأصيل اللوحة للتفرغ لشغفها المطلق «رسوم الأطفال». قبل هذا الانحياز كانت لها معارض تشكيلية خاصة. تقول: «الاختلاء بكتب الأطفال أمر يمدني بسعادة كبيرة. مشروعي وسعادتي الحقيقية أن تكون اللوحة في كتاب الطفل. في رسم كتاب الطفل استخدم كامل تقنيات اللوحة. الهدف تنمية ذائقته، وتالياً أن يكون كتابه ورسوماته من بيئته. حتى اللحظة أعمل بسعادة ومشاعر طفلة حيال كل كتاب للطفل. فرحتي الحقيقية استمدها بولوجي إلى عالم حكاية الطفل».
لجينة الأصيل، التي تقترب من يوبيلها الذهبي في الإبداع، تدرك أن الأطفال تبدلوا بين الماضي والحاضر. وتعترف بالتحديات بالقول: علينا مواكبة فكر الطفل. نحن ازاء طفل يعرف الكثير حتى عن ثقافات العالم ومن خلال الشاشة. لهذا يحتاج عملاً يحترم عقله، وهذا ينطلق من الايمان بأن لديه معارفه. بدون هذا الاحترام لن يصدق الطفل ما نقدمه له. التحدي صعب، لكن الشغف يذلل الصعاب.
تعلن الأصيل ندمها على إنتاجها السريع لرسوم الأطفال في بدايات التزامها به. وتعلق تلك المرحلة على عمر الشباب. تقول: «بدأت عملي في مجلة «اسامة» المعروفة. وبعودتي إلى صفحاتها الآن أشيح نظري عن بعضها نظراً للأخطاء التي كان يجب تفاديها. منذ زمن بعيد لم يراودني الندم، فالتأني يلازمني، وكذلك المحبة والإخلاص لكل عمل».
تؤكد الأصيل انها تنظر بجدية لملاحظات الأطفال، وتذكر أن اباً أخبرها أنه سأل ابنه الطفل ماذا ستكون حين تكبر؟ فرد: لجينة الأصيل. هذا يسعدني. وعلى الدوام أسعد بكثيرين على امتداد الوطن العربي يقولون إن رسومي رافقت نشأة أطفالهم وقصصهم.
نال أحمد نادي، من مصر، جائزة الكتاب المصور مع زميليه دنيا ماهر وجنزير، وعن كتاب «شقة باب اللوق». جذب الرسم احمد نادي منذ الطفولة. بدأت خطواته الاحترافية سنة 1998. يقول: «والدي الرّسام محمد نادي هو أكثر من علمني في الحياة. تعلمت من كافة مدارس الرسم، وبات لي اسلوبي الخاص. انها المرة الأولى التي أدخل فيها بمنافسة وبمسابقة رسمية. فاسم محمود كحيل كبير ومعروف عربياً. ان يتم تكريمي في مهرجان بهذا الحجم مهم جداً. نحن في الدول العربية نحتاج لالتفاتة إلى فن الرسم، وهذا ما قام به لبنان بحضانة اسم كبير هو محمود كحيل».
من لبنان فاز بهيج جارودي بجائزة الرسوم التصويرية والتعبيرية. فن يقوم به منذ طفولته، وبات يلتزمه مهنياً، ويقوم كذلك بالتحريك بالطريقة التقليدية. يقول: «مهما تطورت التقنيات والتكنولوجيا يبقى لأحدنا موهبته التي تتيح له التعبير. عملي في (تلفزيون المستقبل) يتيح لي تنفيذ الكثير من الأفكار في فن التحريك. وفي المقابل لي عملي الفني الخاص».
تسلم شنّاوي جائزة الشريط المصور العربي الذي نالته مجلة «توك توك» المصرية التي تتوجه لليافعين والبالغين. يعتبر شناوي التوجه للبالغين بالشريط المصور أمرا يلزمه الكثير من الدقة: «فنحن حيال جمهور واعي، ومتطلباته كبيرة. «توك توك» ولدت تقريباً مع ثورة 25 يناير، ونحن مستمرون بنجاح، وهذا ما يؤكد رضى الجمهور عن مضمون المطبوعة. في رأينا أن الصدق في التعبير هو ما يحتاجه الجمهور. ومنذ بدء صدور مجلتنا نعتمد تنظيم حفل اطلاق لكل عدد جديد، وهكذا نتواجه مع الجمهور ونحاوره. وهذا اللقاء المباشر، بين الرسام والجمهور، يسهّل الكثير من الأمور، كما يترك أثره البالغ على وجهات النظر التي نعمل من خلالها في المجلة. خلال المهرجان كانت المفاجأة جميلة أن تنال «توك توك» كمجلة الجائزة. «توك توك» توزع في مصر فقط. لكن شناوي يقول: على صعيد فردي نعمل لتوزيعها في المغرب، تونس ولبنان وعبر الأصدقاء. ومن خلالهم نسعى لتوسيع دائرة التوزيع لتكون «توك توك» ذات حضور على مستوى الوطن العربي».
محمد المعطي من الأردن فاز بجائزة فئة «الكوميك» أو الشرائط المصورة والتي يرسمها برغبة شخصية، «ولشخصي فقط» بحسب قوله. «هذا تعبير شخصي عني كإنسان. ولأجل هذا الفن أرسم بهدف ايصال أفكاري. فن الكوميك يتيح لي فرصة التعبير الشخصي فيما يحتاج فن الانيميشن لفريق عمل ليس سهلاً أن يلتقي على هدف واحد. من خلال الكوميك أسعى للمزيد من التعبير وعن فئات مختلفة من البشر في عالمنا الحالي كمثل رحلة طفل افريقي بحثاً عن الماء. أو مشكلة تواجه شابا فلسطينيا بعيداً عن المواجهة التاريخية الفلسطينية الصهيونية. أرغب في التعبير عن المشاعر الإنسانية على وجه التحديد. هي لغة الوجه والجسد بعيداً عن الكتابة. وفرصة فهم الرسم متروكة لكل متصفح، وبحسب ما يرغب وبحسب المدى الذي يتيحه خياله.
في واقعنا العربي الحالي دفق من مشاعر إنسانية فماذا سيرسم محمد المعطي؟ «أنا حزين. الفكرة التي يمدني بها الواقع القائم هجرة الناس من وطننا العربي. سأتناول شابا عربيا من A To Z، وكيف يسعى للهروب من بلده. لن يكون هذا البلد سوريا أو فلسطين، بل أي بلد عربي. فلماذا على هذا الشاب أن يعاني في حياته من مشاكل لا يد له بها، دينية، سياسية، أو مشكلة فساد؟ بظني أن أي شاب كانت له فرصة أن يولد على هذا الكوكب، حقه أن يعيش كما يريد، وليس في خضّم الصراعات. لم أكن أرغب الابتعاد في عن مجمل تلك الصراعات، لكنها في الواقع تحتاج لأجيال كي تحلها. نعم هذا الواقع يعذبني ويمنعني من الاستقرار. نحن كشباب نحتاج للراحة في حياتنا، وتالياً يأتي دور البحث عن العمل والإنتاج. يدخل الشاب في الغرب دورة الإنتاج مباشرة. جائزة الفنان محمود كحيل رفعت معنوياتي كثيراً. جميل في عصرنا أن نجد من يهتم بفن الكوميكس».
زهرة مرعي