تقول قريبتي إنها لم تسمع بحركة «بيروت مدينتي»، ثم تستدرك وهي تشير بيدها نحو التلفزيون: «سمعت عنن بالأخبار هالكم يوم بس». سهام، التي تجاوزت الخمسين، تقيم في أحد أحياء المدينة، ولم تعط صوتها لأحد في انتخابات بلدية بيروت، حيث تنتخب.
«ليش يا سهام ما إنتخبتِ؟» سألتها ممازحة رغم أنني أعرف السبب. «ليش بدي انتخب، شو جايينا منو هالطقم»، أجابت سهام بحزم، من دون أن تعطي مجالا لاعتراض، كما لو أنها استسلمت لعدم وجود شخص يقنعها بعكس ذلك. لا بد أن هناك الآن أشخاصا كثرا يستطيعون أن يجيبوا على اسئلة سهام ويقنعوها، ربما، أن ثمة حراكا جديدا في البلد يستحق صوتها. لكنني حتما لست من هؤلاء الأشخاص. فهذه مهمة لن تكون سهلة، ذلك أنها، قبل أي شيء، ليست منصفة لثقافة سهام. والحقيقة أنني فكرت أن اشرح لها عن «بيروت مدينتي» لكنني سرعان ما وجدت أن ذلك شاق على التفكير.
كيف أشرح لسهام ولما لا أشرح؟ من هم هؤلاء؟ حسنا. مجموعة من المجتمع المدني.. حركة جديدة يقودها متطوّعون، مستقلون عن الطبقة الحاكمة، ملتزمون، مهنيون، ومحترفون في قطاعات التخطيط المدني وهندسة النقل وإدارة النفايات. مجموعة تتحدى القيادات السياسية التقليدية في إدارة شؤون المدينة وتطمح إلى «ترسيخ المصلحة العامة والعدالة الاجتماعيّة والشفافية والإشراف المُستَدام على شؤون المدينة لصالح الأجيال القادمة»، كما تقول صفحة الفيسبوك الخاصة بالحركة. لكن سهام ستجد صعوبة في فهم ذلك، عدا عن أنها لا تملك حسابا خاصا على الفيسبوك ولا تتابع السوشيل ميديا. فكرت أنه يمكنني أن أبسط الأمور وأفكك بعض المصطلحات، ثم كانت الفكرة التي راودتني: كيف نقنع سهام، هي التي تبذل قصارى جهدها لتأمين لقمة العيش، بأهمية الشجرة، والمساحات العامة الخضراء؟ أذكر أن نادين لبكي، مرشحة لائحة «بيروت مدينتي»، اختارت أن تتحدث عن هذين الأمرين تحديدا في إحدى الأمسيات الموسيقية التي جمعت فنانين لدعم حملة «بيروت مدينتي» التي تسعى لتغيير مدينة بيروت نحو الأفضل. لم تكن سهام موجودة لتسمع كلام لبكي، ذلك أن الحفل الذي جمع أيضا تبرعات للحملة، أقيم في ستيشين هاوس بار، وكان معظم الحضور يتكلم باللغتين الإنكليزية والفرنسية. لم أكن ضد ذلك الحفل الذي حضرته، لكن ما أزعجني فيه فكرتان: (1) انتماء ناشطي الحملة والحضور، تقريبا، إلى ثقافة واحدة. (2) أمسية تهدف لدعم الجهود الساعية لتغيير مدينة سهام نحو الأفضل، لكنها لا تخاطبها بالوسائل التي تتيح لها التعرف عليها عن كثب.
لا شك أن حملة «بيروت مدينتي» تهدف إلى مخاطبة الكل، وتبحث عن المصلحة العامة، لكنها لا تبذل، حتى الآن، جهودا كافية لتحقيق ذلك، وإن كانت حركة حديثة. فمنذ انطلاقها، برزت «بيروت مدينتي» من قلب الحراك الشبابي والمجتمع المدني والفئات المتعلمة والنخب المثقفة، وانحصرت، حتى الآن، في هذه الدائرة. فسائق التاكسي، مثلا، الذي أقلنا إلى مركز بيروت مدينتي في بدارو عشية فرز الأصوات، لا ينتمي إلى هذه الدارة، رغم أن أفكاره تتناسب معها. قال إنه لم ينتخب لأنه غير مقتنع بالمرشحين الذين ينتمون إلى الطبقة الحاكمة والأحزاب الطائفية نفسها، هو الذي يعرف نفسه بأنه «يساري ومن جماعة حنا غريب”. سألته: طيب و«بيروت مدينتي»؟ رد بابتسامة عريضة ظهرت في المرآة الأمامية: «أيه حلوين هول بيروت مدينتي.” قلت: شو الحلو فيهم؟ وبعد أن صمت لثوان، رد كمن يبدي، بلطف، إعجابا خجولا بشيء غريب وبعيد عنه: «هيك اسمن حلو». لم يعرف هذا الرجل، كما سهام، عن «بيروت مدينتي» سوى اسمهم «الحلو»، فما سيكون عليه الحال لو تعرف أكثر على برنامجهم الحلو أيضا، واقتنع به. لكن كيف؟ وبعد ذلك، جاء يوم التصويت. وبينما كنت أنا وشقيقتي متجهتين إلى مركز الاقتراع، اقترب متطوعان بلباسهما الأبيض ليوزعا علينا لائحة «بيروت مدينتي». كان ما لفتنا أنهما قالا، بعفوية بريئة، إنتو «شكلكن» رح تصوتوا لـ«بيروت مدينتي». مندفعتان بحماس غير مسبوق، ابتسمنا لهما لحظتها لتأكيد تقديرهما، ولاحقا، فكرنا بتداعيات تلك الكلمة التي لم تكن في محلها. ولا أعرف لماذا تذكرت، ربما في مبالغة غير محقة: «المندسون». ليس الهدف من طرح هذه التجارب التنظير والانتقاد، انما هي انعكاس نابع من تجربة الشارع الصغيرة، التي تعكس مدى ضرورة وأهمية الوصول إلى كافة فئات المجتمع ومحاولة مخاطبتها بالوسائل المناسبة، والمتاحة، وغيرها من اعتبارات ثقافية يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار إذا كان الهدف ”المصلحة العامة” وجعل بيروت مدينة أفضل، لكل اللبنانيين.
«بيروت مدينتي» استطاعات أن تحصل على أربعين بالمئة من الأصوات في ضربة موجعة للمؤسسة السياسية الحاكمة التي تمثلت بقائمة موحدة شكلتها معظم الأحزاب الرئيسية في البلاد. ورغم عدم حصولها على أي مقاعد في المجلس البلدي، وهبت «بيروت مدينتي» للمدينة أملا بالتغيير وطرحت نفسها كبديل للأحزاب الطائفية. حشدت الحركة نسبة عالية رغم أنَّ الإقبال على التصويت بلغ نحو 20 بالمئة فقط. وربما، كانت ستحصل على نتائج أفضل لو أنها نجحت في الوصول إلى الناس التي دفعها يأسها لعدم التصويت. لو أنها نجحت في الوصول إلى فئات مختلفة لا تجيد بالضرورة اللغات، ولا تتردد إلى البارات والمسارح ولا تسمع موسيقى الراب وغيرها من الموسيقى البديلة، ذلك أن بيروت، بكل أحيائها وشوارعها وثقافتها، هي مدينة سهام ولبكي . بيروت الآن، والأفضل، هي مدينتنا جميعا.
٭ صحافية لبنانية