بيسان ضيعة فيروز: الأموات شهود على تاريخ المدينة

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: في ضيعة فيروز الظليلة، مدينة بيسان المدمرة استمتع أهلها بوفرة مياهها وكثرة بساتينها وخيراتها حتى ضربهم زلزال الصهيونية عام 48. حولت النكبة الأحياء في بيسان بين ليلة وضحاها إلى لاجئين في الشتات ومهجرين في الوطن، أما الأموات فلم ينجوا هم أيضا من يد التخريب والتزوير والتدنيس كما يقول لسان حال المقبرة الإسلامية في بيسان حيث تتناثر مئات القبور المهشمة والمتداعية عدا عشرات فقط ما زالت متماسكة تقريبا وهي في طريقها للزوال. هذه القبور الناجية تشارك على طريقتها بتوثيق بعض ملامح المدينة التي تتوسط طبريا وأريحا.
كما في مدن فلسطينية أخرى تشكّل شواهد المقابر التاريخية في مقبرة بيسان الإسلامية وثائق حجرية تعكس بعض صور وملامح الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية لحقب خلت لم يكتب تاريخها بالكامل.
تبدو المقبرة الإسلامية في مدينة بيسان المهجرّة والتي كانت تعرف حتى 1948 بعروس الأغوار كساحة حرب نتيجة الاعتداءات المتعمدة على قبورها وشواهدها التي نجا بعضها من التحطيم والعبث. يقع قبر أحمد بن رباح أحد رؤساء بلدية بيسان الذي توفي قبل نكبتها بعام في الجهة الشرقية من المقبرة الإسلامية وهو مبني من ألواح حجرية نقش عليها اسمه وتاريخ وفاته بالهجري والميلادي. كما نحتت في الجهة الجنوبية من الضريح أبيات جميلة خفيفة لطيفة من شعر الرثاء بالخط الكوفي المحفور بطريقة النحت البارز دون ذكر اسم الشاعر:

يا زائر الضريح أحمد في الثرى سلم عليه وقل بكل صباح
بشراك في دار البقاء فإنها تشفيك من ألم ومن أتراح
ناداك ربك فاهنأن بلقائه في يوم جمعة وأتراك بفلاح
فاليك تاريخ بطيب زاهر حور الجنان تزف لابن رباح

وفي الجانب الشرقي من الضريح كتبت بعض الأبيات الشعرية:
يا زائر لأبي عصام في الثرى قد زرت شهما طيب الآثار
بيسان تشهد أنه أحيى بها بلدية شهرت لدى الأقطار
كان الرئيس لها ففاجأه الردى وقضى شفاعه يروم المختار
إقرأ لأحمد ثم أرخه وقل بشرى له بلقا الكريم الباري.

وفي الجانب الشمالي من الضريح كتب الشاعر:
يثوى هنا رجل المكارم والتقى وأخو مروءات وخدن صلاح
سارت بذكر خصاله وفعاله وبمدحهن ركائب المداح
شهدوا له عدلا فحقت جنة لأبي عصام أحمد بن رباح

رثاء الخطيب للخطيبة
وفي الزاوية الجنوبية – الشرقية من المقبرة يقوم ضريح ضخم محاط حتى الآن بالسياج تملأ الكتابات كافة ألواحه الرخامية المصنوعة من حجر أبيض استحضر من خارج منطقة بيسان ذات الحجارة البازلتية السوداء. كما في أضرحة كثيرة في الناحية الشرقية نحتت الآية الكريمة « يا أيتها النفس المطمئنة».
ويستدل من قراءة بقية الكتابات أن القبر يحتضن رفاة شابة في مقتبل عمرها تدعى حفيظة خطفها الموت على حين غرة فكتب خطيبها رثاءه شعرا:
حسد الزمان سعادتي بملاكها فانتاشها فرثيتها بشكائي
ففؤاد مثلي متعب بفراقها والطرف مني جاد النظرات
خطب ألم وما استحب نظيره عرسان فأضن لهم همز رناتي
في عامها العشرون فاضت روحها ما كان أسرع ما جرت الوفاة
ولذلك الأزهار لا تكسو الربى حتى تزول بأقرب الأوقات
وجدي عليها ما بقيت ملازمي فالصدر مني دائم الزفرات
ولقد بكى التاريخ حين جوائه وشكا وأنّ كما هوت آهاتي
وعلى الضريح مدامعي أرختها حري لهجت بها عن اللذات.

وفي الجهة الغربية للضريح يكمل الشاعر محجوب الهوية وصف فاجعة الخطيب الثاكل:
فإذا الزمان يعوضني الفجيعة تستر ما احتل الأسى من قلبي
يا قبر فيك منيّ الحياة حفيظة كانت ترف كخفة النسمات
يا قبر أنت القصر رمت أشيده لتحل فيه فقمت للغصات

وفي الناحية الأخرى من الضريح يواصل الشاعر التعبير عن لوعة الخطيب المفجوع:
أيها الحزن أمطر قبرها عبراتي وأراه لا تنفك طول سراء
والقبر ضم حفيظتي كحشا يمشي ضمت حفيظة والزمان الغائي
وكميت فيه الأرماس انظر باسق ابكي عليه بمنتهى أناتي
خطف الردى بلونها من الحسن لا تعذلوني إن ذرفت بكائي
ألذ الشمائل والزمان معايد إن الكون يقهر المهجائي
ولا تخلو القبور طبعا من الآيات القرآنية والحكم الدينية المحفورة إما بالنحت البارز أو الغائر، بعضها يرد بنصوص قصيرة وأخرى طويلة. في واحد من قبور بيسان كتب على واجهته الرخامية البيضاء:
يا زائري لا تنسى من دعوة لي صالحة
ارفع يديك إلى السما وإقرأ لي الفاتحة
وتعكس الكتابات أيضا سعة اطلاع الخطّاطين والكتّاب على الثقافة العربية واستلهامها. في إحدى الأضرحة اقتبس كاتب النقوش أبيات كثيرة من قصيدة البردة لكعب بن زهير في نصه:
يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت إن الكبائر في الغفران كاللمم
لعل رحمة ربي حين يقسمها تأتي على حسب العصيان في القسم عكا.
ويقول الباحث في التراث نظير شمالي إن شواهد القبور في مدينته عكا تنطق في صمت المقابر وإنه كلما زارها تذكر الراحل أبا العلاء المعري الذي قال في هذا المضمار «صاح هذي قبورنا تملأ الرحب.. فأين القبور من عهد عاد».
ويلاحظ أن المقابر التاريخية في بيسان وعكا كسائر المقابر في المدن الفلسطينية خاصة الساحلية تدلل على حكمة الآية الكريمة «وما تدري نفس بأي أرض تموت» لكثرة المغتربين الذين جاؤوا من أقطار مجاورة بحثا عن الرزق أو السياحة.
ويشير نحو ضريح دفن فيه غريب عام 1892 قدم من اليمن السعيد كما تدلل كلمات الشاهد:
هو الحي الباقي. قال إني عبد الله ضلعي باشا من أعيان اليمن قد طارت روحه إلى الفردوس الأعلى، توفي غريبا ومن مات غريبا فقد مات شهيدا.
وهكذا يوحي ضريح سيدة سورية قدمت إلى عكا ورحلت فيها عام 1885 كما جاء في شاهد القبر الذي كتب عليه:
ليعجب ضريحي بتاريخه فداري دمشق وعكا الضريح
واستنادا لمعاينته أضرحة المقابر التاريخية في عكا وسائر المدن الفلسطينية يقول شمالي إن حمى المنافسة في ميدان الغنى والجاه قد انتقلت أيضا عند البعض إلى مراقد الموتى بعد أن غزت مساكن الأحياء.
ويتابع «لا غرابة في أن ترى تنافس الأحياء واضحا في تشييد قبور موتاهم من الحجارة الرخامية الثمينة كما اختاروا لها أجمل النقوش والأشكال الزخرفية حتى غدت معروضات فنية لا قبورا شعارها الزاهد في الدنيا ومتاعها».
وفي مقبرة عكا يلاحظ أن القبور الفخمة تعود لموتى من عائلات ثرية كآلالعكي، الإدلبي، حقّي، فضة والسعدي وغيرها.
في المقابل هناك أيضا قبور متواضعة لأبناء هذه العائلات الثرية ويبدو أن هؤلاء أوصوا بدفنهم في أضرحة بسيطة ارتفاعها شبر واحد محاطة ببعض الحجارة دون الإسمنت والكتابات والنقوشات تقيّدا بالسنة.
ويشير أيضا أن بعض الشواهد بقيت دون ذكر اسم الشاعر ويرجح أنهم قد رأوا في أبياتهم صدقة للميت تؤنس وحشته ولأهله عزاء وذكرى.
ويلاحظ الباحث أن الطرابيش الحجرية كانت تتوج رؤوس شواهد القبور لعلية القوم بينما كانت العمائم الحجرية تتوّج شواهد قبور علماء الدين.
وينبه شمالي من اندثار القبور التاريخية التي نجا بعضها من عوادي الزمن واعتداءات المحتلين لافتا أن مخطوطاتها المنحوتة عبارة عن تحف فنيّة في جودتها وإتقانها.
ويلاحظ أن أكثر منحوتات القبور في المقابر التاريخية كتبت بواسطة خط الثلث أو الخط الفارسي وبطريقة الحفر البارز لا الحفر الغائر.

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية