بين اردوغان وترامب كل شيء شخصي

حجم الخط
0

تلقى حاكم قطر الشيخ تميم بن حمد، في الأسبوع الماضي، انتقادًا من وسائل الإعلام التركية على الصمت القطري إزاء الأزمة التركية. «تركيا سارعت إلى مساعدة قطر عندما فرضت عليها السعودية مقاطعة، وأرسلت إليها مئات الطائرات المحملة». جاء في المقال الذي نشر في الصحيفة التركية «تقويم». «الآن قطر تغض النظر ولا تقدم لتركيا دعمًا سياسيًا وإنسانيًا، هل هذه هي صورة الصداقة؟».
الشيخ تميم لم يتجاهل هذا النقد الذي عبر عن الروح السائدة في القصر الرئاسي في تركيا. هذا الأسبوع هبط في أنقرة، ليس من أجل التعبير عن دعمه للرئيس اردوغان، بل أحضر معه تعهدًا بالاستثمار في مشاريع بمبلغ 15 مليار دولار. لقد أسهم ذلك في زيادة سعر الليرة التركية وربما في تغيير معين بثقة الجمهور التركي بقدرة اردوغان على ترجيح كفة الأزمة. للخطوة القطرية أهمية مزدوجة: صحيح أنها لا تغذي فائض العملة الأجنبية في تركيا، لكن لها تأثيرًاعلى الضمانات المالية التي من شأنها أن تلغي أو على الأقل تؤجل ضرورة توجه تركيا إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض. المصادقة على هذا القرض من صندوق النقد يحتاج إلى موافقة أمريكية. وعلى خلفية الشرخ في علاقات الدولتين فإن الأمر الأخير الذي يرغب فيه اردوغان هو أن يمنح ترامب ذخيرة جديدة يستطيع بواسطتها إجباره على السجود على ركبتيه.
ولكن العلاقة الوثيقة مع قطر، التي في إطارها ساعدت تركيا الإمارة الخليجية في تجاوز العقوبات التي فرضتها عليها السعودية ودولة اتحاد الإمارات، وحتى أقامت فيها قاعدة عسكرية، تبعد تركيا أكثر عن التحالف العربي المؤيد لأمريكا ويصنفها جزءًا من التحالف الإيراني الذي تشارك فيه سوريا والعراق ولبنان وقطر. هذه الدول أعلنت أنها لا تنوي الانضمام إلى العقوبات الأمريكية على إيران، وهي أصلاً موجودة في صف واحد أمام السعودية ودولة اتحاد الإمارات.
اردوغان الذي صك قبل نحو عقدٍ مفهوم «يجب إنهاء جميع الخلافات مع الجيران» كشعار لسياسته الخارجية، يجد نفسه، ليس للمرة الأولى، في وضع فيه لتركيا عدد ليس قليل من المشكلات مع الجيران. وإن إضافة قوة أخرى لأزمة تركيا الاقتصادية في التأثير على الأسواق العالمية وتشكيل علاقات دولية وإقليمية ـ تشير أيضًا إلى تقلب السياسة الخارجية الأمريكية وغياب اتجاهها.

مطالب متبادلة

علاقات الدولتين تستند الآن إلى سلسلة من الخلافات العميقة بدل إستنادها إلى خلق عوامل مشتركة. فمن حيث الجانب التركي فإن هذه القائمة تضم المطالبة بتسليم فتح الله غولن، رجل الدين الذي ينسب له اردوغان التخطيط للانقلاب الفاشل في تموز 2016، ووقف الدعم للمليشيات الكردية التي حاربت في سوريا ضد داعش، وإدانة محمد اتيلة، نائب مدير عام البنك التركي الذي أدين بالالتفاف على العقوبات على إيران التي في أعقابها يتوقع أن يدفع البنك غرامة عالية تقدر بمليارات الدولارات وإلغاء التأخير للمصادقة على صفقة طائرات اف 35.
أما ما هو متعلق بالجانب الأمريكي فينبع الخلاف من رفض تركيا إطلاق سراح القس اندرو برينسون المعتقل منذ سنتين تقريبًا بتهمة المشاركة في محاولة الانقلاب ودعم منظمة إرهابية. تركيا نقلته إلى الإقامة الجبرية، ولكن المحكمة رفضت في هذا الأسبوع طلب إطلاق سراحه. اتفاقية الشراء التي وقعت عليها تركيا مع روسيا لشراء أنظمة صواريخ أرض ـ جو من طراز اس 400، تثير عاصفة في واشنطن، وكذلك في الدول الأعضاء في الناتو، التي تخشى من دخول أنظمة سلاح روسية لا تستطيع أن تتوافق مع النظام العسكري للناتو. إعلان تركيا أنها لن تتعاون مع العقوبات على إيران أضاف هو أيضًا نصيبه في تدهور العلاقة مع البيت الأبيض، والتحالف التركي مع روسيا وإيران في مسألة حل الأزمة السورية أبعد واشنطن أكثر عن التدخل في الخطوات السياسية في الشرق الأوسط.
هذه خلافات زادت وتراكمت في السنتين الأخيرتين تحديدًا، بسبب فشل الرئيس ترامب والرئيس اردوغان في حل كل خلاف على حدة بطريقة دبلوماسية، حتى تحولت إلى أمر معقد، كل شيء مرتبط بكل شيء، وغارقة في مرقة مسمومة من «الأنا» والثقة بالنفس، التي تصعب أكثر على تحسين العلاقات. يجد اردوغان صعوبة في الفصل بين العلاقة الشخصية والسياسة عندما تساءل لماذا لا تستعدّ دولة حليفة وصديقة مثل الولايات المتحدة لأن تسلمها غولن، في حين أنها تطلب إطلاق سراح برونسون. حسب رأيه، أمور كهذه يمكن، بل ويجب تسويتها في محادثات هاتفية بين أصدقاء. في المقابل، عندما تلوح الولايات المتحدة باستقلالية الجهاز القضائي فيها كذريعة لرفضها تسليم غولن فلماذا تعتقد أن الجهاز القضائي في تركيا أقل قداسة من الجهاز القضائي الأمريكي؟ من هنا أيضًا ادعاء اردوغان تجاه التعامل الأمريكي الذي لا يرى في منفذي الإنقلاب ضده إرهابيين ولم تسارع لإدانتهم.
إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في الديمقراطية فإنها لا تستطيع الموافقة على أن من سعى إلى تقويض النظام الذي انتخب بصورة ديمقراطية سيواصل المكوث خارج السجن. قال اردوغان. هذا ادعاء ساذج، إذ إن تسريح 150 ألفًا من موظفي الدولة واعتقال عشرات آلاف الموظفين والضباط والمعلمين والقضاة والصحافيين والأكاديميين ليس في الحقيقة نضالاضد من قاموا بالانقلاب، بل هو حملة صيد وملاحقة لمنتقديه. ولكن اردوغان لا يقبل هذا التشخيص، وأكثر من ذلك هو يأمل من أصدقاء مثل ترامب والمستشارة الألمانية ميركل، تبني موقفه، وعندما يقومون بانتقاده على المس الشديد بحقوق الإنسان فإنهم يتحولون إلى أعداء شخصيين له، ومن ثم أعداء لتركيا.

يستطيعون الموافقة أيضا

اردوغان لا يوافق أيضا على سياسة الولايات المتحدة التي حولت الأكراد السوريين إلى حلفاء لها. وكذلك الأمر في هذا الموضوع يربط اردوغان بين الشخصي والسياسي. تركيا اقترحت على الولايات المتحدة أن ترسل قوات عسكرية تركية لمحاربة داعش، وأن تضع هذه القوات تحت قيادة أمريكية. الولايات المتحدة رفضت ذلك وبحق هذا العرض خوفًا من استغلال تركيا القتال ضد داعش من أجل السيطرة على مناطق كردية. أن تواصل التعاون العسكري مع الأكراد ونية الولايات المتحدة إنشاء قوة كردية مستقلة اعتبر بالنسبة لاردوغان عملية موجهة ليس فقط ضد الأمن القومي لتركيا، بل إهانة شخصية له، أما النتيجة فكانت غزو تركيا محافظة عفرين واحتلالها، وعلى الطريق تم تهجير عشرات آلاف السكان الأكراد من أماكن سكنهم. الولايات المتحدة ثارت وغضبت، لكنها لم تفعل أي شيء، وروسيا سمحت لتركيا بالسيطرة على الإقليم، والولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق تعاون حول الإشراف والسيطرة على مدينة منبج التي منها، وبضغط من تركيا، خرجت قوات المليشيات الكردية التي احتلتها. هذه الخطوة بدون أي صلة مع فهمه ونجاحه يمكن أن تدل على أنه في الشؤون الاستراتيجية تستطيع تركيا والولايات المتحدة التوصل إلى اتفاقات طالما أن كل واحدة تدرك وتعترف بمصالح الأخرى. هما تدركان أنهما على جانب المتراس، فأحد الرئيسين يرى في استراتيجية الآخر نية خبيثة موجهة بصورة شخصية ضد الآخر. النتيجة هي أنه بدل الحديث عن المصالح المشتركة بينها فإن الخطاب الدبلوماسي والإعلامي تحول إلى شخصي، ترامب أمام اردوغان. هذا خطاب مضلل يمنح الرئيسين مكانة مشابهة رغم الفوارق الكبيرة بين قوة الدول التي يديرانها. مقارنة كهذه تجعل الأزمة أكثر حدة بين الدولتين، ولا سيما من ناحية اردوغان. وإذا حكمنا حسب البلاغة التي يستخدمها في الأسابيع الأخيرة، وبصورة أكثر منذ أن فرض الرئيس ترامب العقوبات على وزير العدل ووزير الداخلية في تركيا وضاعف نسبة الجمارك التي تفرض على الحديد والألمنيوم المصدر من تركيا للولايات المتحدة، فيبدو أن ليس لتركيا عدو أكثر خطرًا من الولايات المتحدة.
«الولايات المتحدة تفضل قسًّا على عضويتها في الناتو»، هكذا اتهم اردوغان في خطاب ألقاه يوم السبت الماضي، «نحن سنبحث عن أصدقاء جدد»، هدد بعد فرض العقوبات الأمريكية. الولايات المتحدة تدير حربا اقتصادية ضد كل العالم، وهدف العقوبات هو أن تجعلنا نستسلم في كل المجالات، الاقتصادية والسياسية»، قال في هذا الأسبوع.
إن تأطير الولايات المتحدة كمسؤولة عن الأزمة الاقتصادية في تركيا يخدم اردوغان جيدا، إذ يخفي مسؤوليته عن السياسة الاقتصادية الفاشلة التي خلقت الأزمة. ومثلما في كل رحب، فقد حول الأزمة الاقتصادية إلى تهديد قومي تم خلقه على أيدي أعداء الدولة ويلزم مواطنيها المخلصين بالوقوف إلى جانب الرئيس. الرد التركي هو: حظرٌ على السلع الأمريكية الإلكترونية باستثناء الهواتف المحمولة، ومضاعفة الجمارك على السيارات الأمريكية والكحول ومواد التجميل. اردوغان لن يسمح لترامب بإهانته دون رد مناسب حتى لو احتاج الأمر إلى إطلاق النار على قدمه هو نفسه. في الوقت نفسه فإنه يحشر ترامب في زاوية يكون عليه فيها الرد على ما يعتبر «وقاحة تركية». وعندما يتعلق الأمر بترامب يصعب حتى تخمين أين تسير سياسته تجاه تركيا. في شهر تموز عندما التقى زعماء دول الناتو في لندن، غضب ترامب على عدم استجابة دول أوروبا للاستثمار أكثر في الأمن. عندها توجه إلى اردوغان وقال: «باستثناء اردوغان. فإنه يفعل أمورًا في الطريق الصحيحة». عندما تكون أقواله مرفقة بقبضات ودية على صدر الرئيس التركي، ولكن بعد شهر تحولت هذه القبضات إلى لكمات على المؤخرة. وكما يبدو، هذا ما يحدث بين الأصدقاء.

تسفي برئيل
هآرتس 17/8/2018

بين اردوغان وترامب كل شيء شخصي
آخر ما يرغب فيه الرئيس التركي هو إعطاء الولايات المتحدة ذخيرة تجبره على الاستسلام
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية