بين الاتفاق النووي والاتفاق مع اليونان

في التوقيت نفسه تقريباً استيقظ العالم على اتفاقين مهمين: اتفاق القوى الكبرى مع إيران حول مشروعها النووي، واتفاق الدول الأوروبية الأكبر والأغنى مع اليونان حول مشكلة الديون.
الاتفاقان اللذان يبدوان ظاهرياً غير متصلين، بينهما شبه رئيس وهو، رغبة تلك القوى في احتواء الدولتين، بغض النظر عن سلوكهما، فهم يرون من ناحية ضرورة ترويض اليونان، التي تقلد الحكم فيها اشتراكيون يساريون مشاغبون لم يظهروا الاحترام لتقاليد الاتحاد الأوروبي الراسخة، التي تكاد تعتبر أن الانسلاخ من هذا الاتحاد هو خيانة للجميع، ومن ناحية أخرى كانوا عازمين على احتواء إيران، رغم طموحاتها السياسية والمذهبية، وتدخلاتها في المنطقة العربية وحول العالم، باعتبار أن احتواء الطرف الشرير قد يخفف من آثار ضرره، أو على اعتبار أن الرهان على إيران الموحدة القوية هو أفضل بكثير من الرهان على المجموعة العربية المتشرذمة.
ومثلما يصعب علينا فهم إصرار الجانب الغربي على توقيع اتفاق مع إيران، حتى لو لم تقدم الأخيرة شيئاً ملموساً فإنه سيصعب علينا أن نفهم الإصرار الأوروبي على التضامن مع اليونان وعدم التخلي عنها.
اليونان لم تكتف فقط بتقديم وعود بالإصلاح وبجدولة الديون القديمة، بل طالبت الدائنين بتوفير مساعدات جديدة من أجل إنعاش وتحريك اقتصادها، بعد انتهاء المهلة الممنوحة لها من قبل الدائنين الدوليين، أي صندوق النقد الدولي والمصرف المركزي الأوروبي ودول منطقة اليورو، فبدا وكأن المهلة الأخيرة ستتلوها مهلة أخرى ما بعد أخيرة خاضعة لدراسة وزراء مالية دول اليورو، الذين يتعاطف معظمهم مع اليونان والذين ترهبهم، حقيقة، فكرة إعلان اليونان عن إفلاسها.
الإصلاحات اليونانية تلخصت في اقتطاعات موازنات الدفاع والوظائف العامة، وفي إصلاحات أنظمة التقاعد وفتح بعض القطاعات أمام الخصخصة، إضافة لرفع معدلات ضريبة القيمة المضافة وإلغاء الامتيازات الضريبية الممنوحة للجزر اليونانية. بعض هذه النقاط كانت مثار خلاف بين اليونان ودائنيها خلال الفترة الماضية، وتسببت في حساسيات داخل المجموعة الأوروبية، لكن فجأة انتهى كل شيء، وتناقلت وسائل الإعلام تصريحات مديرة صندوق النقد الدولي كريستيان لا غارد، التي لم تر ما يمنع من إعادة هيكلة ديون اليونان، كما نقلت تصريح رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، الذي أشار، بدوره، إلى ضرورة أن يقوم الدائنون بإجراءات مشجعة، في حال كانت الاقتراحات اليونانية محددة ومقبولة.
المفوضية الأوروبية، التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات بين أثينا والدائنين، تعهدت بتقديم حزمة مساعدات قدرها 35 مليار يورو، مخصصة حصراً لتحفيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل في اليونان.
شيء ما جعل أوروبا تؤمن من جديد باليونان، فمن أمثلة تغير المواقف السريع يمكن متابعة تصريحات رئيس مجموعة التحالف الليبرالي الديمقراطي في البرلمان الأوروبي، غي فيرهوفشتات الذي يعتبر من الشخصيات السياسية المرموقة في أوروبا، خاصة في بلجيكا التي ترأس وزارتها. فيرهوفشتات الذي سبق وانتقد قبل أيام الحكومة اليونانية التي تتحدث كثيراً عن الإصلاح، من دون أن تتقدم نحوه أو تقوم بإنجازه، عاد وأثنى بعد أسبوع واحد على جدية اليونان التي اعتبر أنها، وبعكس ما أراد البعض، ستبقى ضمن نطاق اليورو. أثنى السياسي الأوروبي على الاصلاحات اليونانية التي وصفها بأنها اكثر تفصيلاً ووضوحاً، خاصة لجهة محاربة الفساد، وقلل في الوقت ذاته من رفض اليونان الدائم فرض ضرائب على ممتلكات الكنيسة الأرثوذكسية.
هنالك شبه آخر بين مباحثات النووي ومباحثات اليونان، وهو طول الفترة في كل منهما لما يزيد عن عام من المفاوضات المستمرة وهو ما كان يعني تداخل قضايا أخرى جيو سياسية واستراتيجية مع موضوع التفاوض الرئيس.
لكن هناك اختلافاً أيضاً، فاليونان ورغم النية السياسية المسبقة للوصول معها على اتفاق، قدمت عدة ضمانات وتنازلات ملموسة من أجل الحصول على فرصة جديدة ودعم أوروبي، أهمها بدء إصلاحات جدية والتخلي عن شعارات الثورية اليسارية، ووضع صندوق سداد الديون تحت الوصاية الأوروبية، ما يعني التساهل أكثر في قيم السيادة مع منح الأوروبيين فرصة التدخل الاقتصادي واتخاذ ما يرونه مناسباً من ناحية فرض التشريعات المناسبة ضمن ما يعرف بـ»الآلية الأوروبية للاستقرار».
كل هذا يختلف بالتأكيد مع اتفاق القوى الكبرى مع إيران، التي لم تتعهد بشيء سوى تأجيل طموحها النووي والتعهد بالتعاون مع الوكالة الذرية في موضوع التفتيش، لتحصل بالمقابل على كل شيء، ابتداء من الدعم التقني والمالي ونهاية بغض الطرف عن تحركاتها المشبوهة في المنطقة. للآخرين الحق في التفتيش ولإيران الحق في رفض التفتيش في أي موقع عسكري أو شبه عسكري، كما أن للآخرين حق المراقبة رغم ما تعتري هذه المراقبة من صعوبات تقنية ولوجستية. ورغم أن الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، قالت إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يتجاوز حدود الملف النووي الإيراني ليشكل تحولاً جديداً في السياسة الدولية، إلا أنها لم تشرح كيف يكون ذلك في ظل اقتصار الاتفاق المعلن على الجوانب التقنية، وبدت عباراتها غامضة وكذلك عبارات رفيقها في المؤتمر الصحافي وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، الذي قال إن الجميع ربح بموجب هذا الاتفاق.
الربح الأكيد كان من حظ الجانب الإيراني، الذي ستدخل علاقته مع العالم في مرحلة جديدة، أما بقية هؤلاء «الجميع» فالله سبحانه وتعالى وحده يعلم ما ربحوا، وذلك طبعاً باستثناء المستثمرين الأوروبيين الذين يرون في السوق الإيراني واحة تجارية وشريكاً تم استبعاده لسنوات. لقد تحولت إيران بين عشية وضحاها في نظر الأوروبيين من بلد داعم للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب والتطرف، وهي بطاقة خضراء تسمح لها بالتوسع في عملياتها ضد الثوار السوريين من جهة، وضد غيرهم في العراق ولبنان واليمن من جهة أخرى.
سوف يمنح الغرب، خاصة الولايات المتحدة التي دعمت إيران بقوة في هذه المفاوضات، مئات الملايين من الدولارات المجمدة، وسيكتفي بأن يرجو أن لا تستخــدمها في نشاط عسكري أو تدخل إقليمي.
الاتحاد الأوروبي سيبدأ عشية الاتفاق التحضير لإنشاء مقر لبعثة أوروبية في طهران، في حين سيتحول أوباما، فجأة، إلى ديكتاتور شرقي وهو يعلن أمام الملأ أنه لن يكترث بقرارات الكونغرس ولن يسمح لأي كان بتعطيل الاتفاق النووي.
لا أحد يعلم على وجه اليقين من أين جاءت كل هذه الثقة في الجانب الإيراني، كما أن لا أحد يمكنه ان يحلل بشكل مقنع إصرار أوروبا على التمسك بدول مريضة اقتصادية، ولا أمل واقعيا في شفائها القريب، في حين تستبعد دولة منتعشة كتركيا.
الثابت أن السياسة الدولية ليست سوى جبل جليد ما نراه ونفهمه منها ليس سوى القمة الظاهرة، في حين يبقى الجبل في مكان خفي حتى حين.

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية