بين البكاء على الحسين والبكاء على العراق

في احدى القنوات الفضائية الطائفية العراقية، جلس ذلك الشيخ الذي بدا وكأنه خرج لتوه من كهوف التاريخ المظلمة، يطلق فتاواه المسمومة مسلحا بكتب تراثية، بينما يتلقى مكالمات من المشاهدين.
قال له احدهم «انا سني واحب اهل بيت الرسول»، فما كان من الشيخ الطائفي الا ان قاطعه بجلافة اهل الصحراء قائلا «هل بكيت يوما على الحسين» فسكت المتصل، ليتابع الشيخ «انا اشك في كلامك، لو كنت تحب اهل البيت حقا لبكيت على الحسين كما بكى الرسول عليه (..) لكنكم ايها السنة انكرتم السنة واعتبرتم البكاء على الحسين بدعة»، ثم استطرد «هل لعنت يوما من قاتل اهل البيت اذا كنت تحبهم؟ على العكس انتم تحبون عائشة التي قاتلت الامام علي، بينما هي ام ال.. (ذكر لفظا بذيئا)». زاد على ذلك ان صحيح مسلم (احد مراجع اهل السنة) نفسه يقر في الاحاديث النبوية بأن اهل البيت ليسوا نساء النبي، بل هم ابنته وزوجها وحفيداه.
وعلى الرغم من انني حسب التقسيمات الطائفية المقيتة التي اصبحت سيدة الموقف وعنوان هذا العصر المثير للقرف، (مسلم سني)، ولم ابك يوما على الحسين، فقد وجدت نفسي حسب تفسيرات ذلك الشيخ، ممن يشملهم عدم حب اهل البيت، التي يعتبرها الشيعة شرطا لدخول الجنة.
وسرعان ما تداعت امامي ذكريات الطفولة التي قضيتها في حي السيدة زينب الشعبي بالقاهرة، حيث يتوسط «ضريح أم هاشم» الميدان الرئيسي، والحياة اليومية ايضا، وتذكرت كيف كنا ننتظر الاحتفالات السنوية بذكرى ميلادها، التي كانت تمتد اسبوعا كاملا، ويشارك فيها نحو مليون انسان (من السنة)، يأتون من كل فج عميق في انحاء البلاد، ويضطر بعضهم للنوم في الشوارع وساحات البيوت القريبة من (المقام) كبيتنا. وكيف ان ذلك الاسبوع كان يتميز بحلقات الذكر وتلاوة القرآن واطعام الفقراء، بل الاناشيد والمدائح للرسول واحفاده، وعلى رأسهم الحسين. الا انني لم ار ابدا ايا من المشاركين وهو يبكي على الحسين. وبالتالي، وحسب ذلك المقياس الطائفي الفاسد، فان اولئك الناس جميعا لن يدخلوا الجنة ايضا (..) رغم انهم يظنون انهم قضوا حياتهم في حب اهل البيت، ومحاولة التقرب اليهم.
وبعد انتهاء البرنامج، شعرت فعلا برغبة في البكاء، لكن ليس على الحسين، وليس لانني لن ادخل الجنة، حسب فقه ذلك الشيخ الجهول، ولكن حزنا على ما وصل اليه حال العراق، وما ينتظره على ايدي اولئك الطائفيين، سواء نسبوا انفسهم الى الشيعة او السنة، الذين لا يكفون عن النفخ في نيران حرب مدمرة، تتزايد نذرها في الافاق.
وكنت لاحظت ان نوري المالكي الذي نصب نفسه «اميرا للطائفة الشيعية»، بدأ زيارته لمدينة سامراء قبل عدة ايام بزيارة ضريح الامامين، قبل ان يلتقي بقيادات من فلول الجيش المنسحبة، ويعلن انطلاق الحملة العسكرية من هناك، متعهدا بحماية «المقدسات» دونما ذكر لحماية الشعب العراقي.
وهكذا لم يوفر المالكي اي جهد في اضفاء الطابع الطائفي على الحرب، وان كان هذا لا يتنافى مع حقيقة ان داعش رفعت راية الارهاب الطائفية منذ اليوم الاول، وانضم تحت لوائها للاسف بعض من الذين قرروا ان يستجيروا من الرمضاء بالنار.
كلاهما طائفيان، ويدفعان العراق الى الهاوية، بل انني اشعر عندما ارى بعض مقاتلي داعش و»متطوعي السيستاني»، ولا اقول سنة او شيعة ولا مسلمين اصلا، اشعر باننا رجعنا الى القرن الاول الهجري، وانني اسمع قعقعة السيوف في معركة صفين او الجمل. وبكلمات اخرى اننا امة خارج الزمن والحضارة، ونقترب بسرعة من «محرقة طائفية» ستجعلنا «خارج الانسانية».
اما ايران فقررت الا تُضيع الفرصة، وقررت ان تتدخل عسكريا لـ»حماية المقدسات»، معلنة مبدأ جديدا في «قانون الغاب»، اي «شن حروب من اجل الاضرحة» وكأنه لا يوجد قانون دولي او حدود او دول ذات سيادة. وطبقا لهذا المبدأ ذاته تساءلت ان كانت ايران ستعطي لنفسها الحق في التدخل لحماية ضريح السيدة زينب في القاهرة مثلا، وان كانت ستفعل ذلك بارسال «قوات خاصة» لتخوض «حربا في شوارع» ذلك الحي الشعبي المزدحم الذي اعرفه جيدا، وهو ما لا انصح به احدا.
اما عراقيا فان التدخل الايراني لا يمكن الا ان يصب زيتا على نيران مشتعلة بالفعل، بل انها لم تكد تعرف هدوءا على مدى ثلاثين عاما، قتل فيها اكثر من مليون عراقي، ناهـــيك عن تشريد واصابة الملايين. وكأنها لعنة لا تريد ان تترك هذا البلد الغني بأهله قبل موارده الطبيعية الضخمة، التي لم تجلب له الا الشقاء والحديد والنار.
وهكذا فانني ارفض عادة البكاء واللطم على الحسين ابد الــــدهر، وهــذه بالمناسبة بدعة اتت الى بعض البلاد العربية من ايران، كما يكشف الباحث الاجتماعي العراقي الكبير علي الوردي، بل وأزعم انه لو عاد الحسين نفسه الى الحياة اليوم، لرأى ان العراق احق منه بالبكاء عليه.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية