دبج علماء النفس وغيرهم من الباحثين المهتمين بشكل أو بآخر بحياة الكائن البشري، لاسيما الداخلية منها، المرتبطة أساسا بالنفس ولواعجها وتقلباتها واضطراباتها، أسفارا عديدة حاولوا فيها، كل على طريقته، رصد طبيعة هذا المخلوق، الذي تارة تراه حملا وديعا يقترب في حِلمه وتسامحه وحنوه وعطفه من مرتبة الملاك، وتارة أخرى تجده وقد ارتدى حلة مارد شيطاني؛ يقتل يبطش يعذب، يتلذذ بمآسي المخلوقات وبما يحل بهم من كرب.
فكان أن أقر جلهم بأن هذا المخلوق هو مزيج من الخير والشر، تتصارع داخله، بحسب ما توصل إليه سيجموند فرويد في مؤلفه «قلق في الحضارة»، غريزتان: غريزة الإيروس المجسدة للحب والرغبة في ما هو جيد ويجعل الناس سعداء، ويُؤَمن التحام الأفراد واستمرار الإنســـانية، الأمر الذي يجعل منها حليفا للحضـــارة وعونا لها على تحقيق الحياة الاجتـــماعية، وضمان العيش المشترك بين أفراد البشرية، ثم غريـــزة الثاناتوس، تلك الغريزة المجسدة للموت، وللرغبة في تدمير الأشياء، التي تطلعنا على وجه آخر للكائن البشري يشي بنزوعاته نحو الحقد والكراهية والتدمير والقتل في كل أشكاله وعلى اختلاف مظاهره.
ورغم سيل الانتقادات المشككة في مصداقية هذا المنظور الفرويدي، التي حاولت في معظمها التخفيف من حدة المظهر القاتم الذي صور الإنسان باعتباره كائنا تواقا للعدوان وللتدمير، فإن تاريخ البشرية، المليء بالبشاعة، وبرائحة الدم والتعذيب… ما فتئ يزيد نظرية فرويد صلابة وأفكاره قوة ومصداقية، على الأقـــل فيما يرتبط بهذه النقطة بالذات. على أن فريد لم يختزل الإنسان في بعده التدميــــري المحــــض، بل اعتبر، كما ذكرنا آنفا، أن بداخله تتصارع بوادر الحب ونذر العدوان، تتقاذفه أمواج الحياة، وترقبه عيون الموت، تهفو نفسه للحب والخير، كما تمتلئ حقدا وشرا. باختصار، إن الانسان محصور بين نزعة تشده إلى الحضارة، ونزعة تلقي به في مهاوي البربرية. فما الفارق بين التحضر والبربرية؟
في القديم، خصوصا لدى اليونان، كان هناك تقسيم قار بين المفردتين، تقسيم يقوم على صيغة تفاضلية واضحة، تجعل اليونان في صف التحضر وتزج بما سواها في خانة البربرية، والمعيار في ذلك لم يكن ذا صلة بأي سجايا خِلقية أو جينات وراثية متأصلة في الأعراق، بقدر ما ارتبط بإتقان اللغة اليونانية وفهمها من عدمه. وشيئا فشيئا، استبدل معيار اللغة بمعايير أخرى ارتبطت أساسا بسلوكيات وتصرفات يُقدم عليها البعض فتجعل منهم برابرة، ويترفع عنها البعض الآخر فتجعل منهم أفرادا أو شعوبا متحضرة.
أما البربرية فقد حدد تزفيتان تودوروف بعض مواصفاتها في كتاب له بعنوان»الخوف من البرابرة»، حسبنا منها أنها «تدل في أي زمان ومكان على أعمال ومواقف أولئك الذين إلى حد ما يقذفون بالآخرين خارج إطار الانسانية، أو يحكمون عليهم بأنهم مغايرون عنهم بصورة جذرية، أو يعاملونهم بصورة مخزية». وأما التحضر فهو على النقيض من سابقه، صفة كل فرد أو شعب «يعرف كيف يقر بإنسانية الآخر التامة، وهذا الإقرار يقوم على اعتراف من جهتهم بأن للآخرين أنماط عيش مختلفة عن أنماط عيشهم، ثم تقبل فكرة أنهم يشتركون معهم في الإنسانية نفسها.
واللافت في هذا التمييز الذي أقامه تودوروف بين البربرية والتحضر، أنه لم يجعل منهما صفتين ملازمتين لفرد معين أو لشعب مخصوص، يتبعه أبد الدهر كما لو كان البربري بربريا بالطبع والجبلة، والمتحضر متحضرا مذ كان في بطن أمه، بل جعل منهما صفتين مرنتين غير قارتين أو ثابتين، تنتقلان من هذا الطرف إلى ذاك. إنهما باختصار صفتان لسلوكيات وتصرفات ولأنماط تفكير، ولا صلة لهما البتة بالخلقة والسجية.
بهذا المعنى يستحيل أن يكون شعب متحضرا بالكامل أو بربريا بالكامل، مادامت سلوكيات الناس تتغير وطباعهم تتبدل، وما دام في مُكنتهم أن يأتوا بأفعال مشينة، كما في مكنتهم أن يأتوا بأفعال خيرة، لهذا تظل الحضارة أفقا لا يمكن الاقتراب منه، والبربرية قاعا يسعى الإنسان للابتعاد عنه، فلا مجال بعدُ لأن يتبجح شعب ما بأنه متحضر وأن غيره بربري، مادام لا يفصل بين المنزلتين سوى خيط رفيع، من السهل اجتيازه والانتقال جيئة وذهابا بين التحضر والبربرية.
وهذا الأمر جسدته الولايات المتحدة خير تجسيد بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، حيث بعد أن نعتت منفذي الأعمال الإرهابية على أراضيها بشتى صفات البربرية، وساندها في ذلك كل العالم، وبعد أن نددت وشجبت تلك الأعمال الإجرامية، التي يأبى العقل أن يراها تصدر عن إنسان، لِما انطوت عليه من همجية وبشاعة راح ضحيتهما أبرياء لا ذنب لهم إلا ذنب أنهم أمريكيون أو وجدوا في بلاد العم سام في الزمن والمكان الخطأ، لم تسائل نفسها أي بربرية اقترفتها في حق شعوب أخرى، أفرزت تلك البربرية المضادة، مادام لكل فعل رد فعل، فكان أن سقطت في ما نددت به وشجبته، وأعلنت الحرب على الإرهاب، ونسيت أو تناست أن من نفذوا تلك الهجمات الإرهابية كانوا أفرادا وليس دولا، لكنها ركبت رأسها وتدخلت بشكل مباشر أو شجعت على التدخل في بلدان مثل أفغانستان والعراق ولبنان، فتحولت إلى دولة بربرية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حيث استنفدت كل مخزون هذه المفردة، وتوسلت بكل وسائل اشتغالها؛ من قتل، وإرهاب، وتعذيب وتشريد، وتيتيم، و…الخ. وشيدت أماكن خاصة لتنفيذ بربريتها، ستظل أسماؤها شاهدة، أبد الدهر، على هول سقوط أعتى الديمقراطيات في المحظور: غوانتنامو، أبو غريب وباغرام، وتؤكد بالفعل على أن لا أحد، فردا كان أو جماعة، محصن من السقوط في براثن البربرية مهما ادعى عكس ذلك.
وإذا ما تأتى لنا، بعد الذي سقناه، أن ندرك أن البربري ليس فردا أو شعبا أو عرقا خارجيا عن ذواتنا، تعودنا الإشارة له بالبنان، بقدر ما هو موجود فينا ويسكن بداخلنا، مادام كل منا يحمل قدرا من البربرية في داخله إلى جانب قدر من التحضر، بات لزاما علينا ألا نرمي الآخرين بالبربرية عن حق أو عن باطل، بل كل ما علينا فعله، أن نبذل الوسع في إلجام غريزة التدمير بداخلنا، قدر الإمكان، وتحفيز غريزة الحياة، ولا يكون ذلك إلا بالانفصال عن الذات للتمكن من معاينتها من الخارج كما بأعين الآخرين، ما يعني تقديم حكم نقدي لا ينال الآخرين فقط، وإنما يتوجه كذلك نحو ذواتنا ليتسنى لنا الانتقال من البربرية إلى الحضارة، التي ليست في أبسط معانيها سوى الانفتاح على الآخرين، والإقرار بتعددية المجموعات والمجتمعات والثقافات الإنسانية، والوقوف على قدم المساواة مع الآخرين، وتجنب الغطرسة الشوفينية المبنية على نوع من التمركز الساذج حول الذات، والقائمة على تفاضلية وهمية تزج الأفراد والمجتمعات في ثنائيات وهمية من قبيل: متحضر/بربري، راق/منحط، متقدم/متخلف…الخ.
٭ باحث من المغرب
عبد القادر ملوك