لندن ـ «القدس العربي»: هل ما زلنا نهتم بالأغاني الوطنية وتثير فينا ذلك الشعور الحماسي والوجداني تجاه قضايانا المصيرية والوطنية والإنسانية؟ وهل ما زالت تلعب دورا في نشر الوعي وتحريك الجماهير لصنع التغيير المتمثل في الحرية والعدالة الاجتماعية وتثبيت الهوية الوطنية؟ هل تراجعت أم يتم عمدا تجاهلها في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة؟ «القدس العربي» طرحت هذه التساؤلات على أصحاب التخصص للتعرف على حقيقة تراجع الأغنية الوطنية وسبب ضعف الإنتاج في وقت تحتاج فيه الشعوب العربية لحشد الهمم وتحريك الجهود من أجل خدمة الأوطان وتحررها.
المؤلف الموسيقي الفلسطيني حسين نازك من دمشق هو أول من لحن أغاني الثورة الفلسطينية قال «أن التراجع من وسائل الإعلام وليس من المبدعين ولا من الملحنين والشعراء والمغنين، التراجع من وسائل الإعلام التي تعتم على هذا النوع من الإنتاج لأن توجهات الحكومات كلها ضد التوجه الوطني بشكل عام. أرى أن الشاعر يكتب شعرا يصور الواقع والملحنون يبدعون الألحان والمغنون يعملون الكل يعمل. اتصور ان الإنتاج أكثر بكثير من سنة 1968و1969.
اتذكر عندما كانت تحدث مشكلة في أقصى المغرب تقوم المظاهرات بكل المشرق أما الآن في مذابح في الوطن العربي ان كان في اليمن أو العراق أو سوريا وفلسطين وتجد الإعلام يهتم ببرامج المسابقات كأجمل صوت وأفضل نجم وغيرها حتى يشغل العالم عن الواقع. الإعلام الجديد يهدف فقط لتلهية المواطن العربي عن قضاياه الحقيقية. الأغنية الوطنية مغيبة عن وسائل الإعلام تغييب عن الذاكرة ومع ذلك هناك أغان انجزت في الثمانينيات والسبعينيات نقوم حاليا انا ومجموعة من الشباب بتجميعها في ارشيف وطني فلسطيني من سنوات 68 و69 و 80 و82 ونضعها على مواقع التواصل الاجتماعي ولاحظنا في الحقيقة تجاوبا كبيرا من الناس حيث شاركوا في نقلها عبر صفحاتهم الشخصية. التفلزيونات حاجبة لهذا المشهد وتركز على ماذا يأكل سمو الأمير وصاحب الجلالة ماذا تعشى وأصحاب الفخامة أين اجتمعوا هذا ما يحدث للأسف وذلك نتيجة الهيمنة لرأس المال العربي الرجعي على وسائل الإعلام.
ويشير الموسيقار حسين نازك إلى ان هناك إنتاجا جديدا وكبيرا لكن يجب إحياء الذاكرة أيضا قائلا: عندما أبحث عن نشيد لإبراهيم طوقان الشاعر الفلسطيني الكبير والحان ليحي اللببيدي وأول تسجيل له في إذاعة «هنا القدس» في عام 1945 قبل النكبة والتي تقول كلماته:»وطني أنت لي ولن اراهن» وأعيد تمثيله باوركسترا كورال وأبثه أفضل للذاكرة العربية والفلسطينية من أن أقوم فقط بعمل أغنية جديدة.
وعن رأيه في الاغاني الوطنية الشبابية قال: الإعلام هو الزاد اليومي بينما الثقافة هي زاد العمر الذي ينتقل للأجيال. منذ مدة قريبة اتصلت بي فرقة فلسطينية من قرية قرب جنين أسمها «الزبابدة» طلبوا مني مساعدتهم في تقديم التراث الفلسطيني من خلال الغناء والألحان والدبكة. ارسلوا لي كل المعلومات عنهم وقدمت لهم برنامجا كاملا والآن أغانيهم تتداول بين كل الناس وعملت لهم ألبوم من 12 أغنية أسمه «أغاني الديرة» وهي على النمط الريفي الفلسطيني ولكن بنفس قومي والذي كتب الكلمات الشاعر الكبير أحمد دحبور. نعم نشجع جيل الشباب وندعمهم بكل تأكيد.
لماذا تمنع الأغنية الوطنية
من الإنتشار؟
وعن أهمية الغناء الوطني يقول: كم من قائد عبر التاريخ قال أعطني نشيدا أعطيك جيشا. النشيد هو الرافعة المعنوية، عندما قامت الثورة الفلسطينية سنة 65 وبعد معركة الكرامة سنة 68 من ذلك الوقت حتى الآن كانت الأغنية رافعة. أذكر اني قدمت طفلا عمره 5 سنوات كان كلامه غير واضح وغنى «لقد كسرت قيد مذلتي وصعقت جلادي وصانع نكبتي» الخ فالأغنية هي تبرير للبندقية وإلا فلا يوجد فرق بين بندقية الثائر وبندقية القاتل.
فرقة «أغاني العاشقين»
ردد أغانيها الكبار والصغار وبقيت محفورة في ذاكرة ووجدان الشعوب العربية ولحن لها الموسيقار حسين نازك أغاني مثل «اشهد يا عالم علينا وعا بيروت» و «يا شعبي يا عود الند» والكثير من الإنجازات التي لن تتكرر يقول معلقا على ظروف الفرقة: أن جزءا من الأزمة الآن في الدول العربية أنهم مستعدون لعمل مهرجان لـ«الملابس الداخلية» لكنهم غير مستعدين لإقامة مهرجان للأغنية الوطنية أو الملتزمة. هذا يتعارض مع سبب وجودهم هذه الامكانيات الإعلامية كلها أوجدت في الوطن العربي لتمتص الطاقات ومع الأسف نسبة الوعي بين المبدعين خاصة من الناحية الموسيقية غير قوية هم يحتاجون إلى تنوير.
ان الفرقة من يوم أسست أسمها «أغاني العاشقين» وكل من أدى هذه الأغاني هم عاشقون. في لندن الآن هناك فرقة من الشباب الفلسطيني والعربي حيث زرتها وسجلنا شريطا اسمه»ربيع العاشقين» وهم يطلقون على أنفسهم «عاشقين أوروبا». «العاشقين» ليسوا أفرادا هي نمط الأغاني ولا تحتكر على أشخاص وليس بالضرورة أن يكون حسين نازك أو علي فلان أو محمد فلان هذه الفرقة هي كل من يغني لفلسطين ولهذا التراث وكل من يقف على المسرح وكأنه يؤدي رسالة أو يقرأ بيانا للمستمعين هذا ما تعنيه فرقة «أغاني العاشقين».
إحياء الارشيف الفلسطيني
ويؤكد حسين نازك ان من الضروري إحياء الارشيف الوطني الفلسطيني ويكمن ذلك في التعرف على من كتب ولحن وغنى الأغاني القديمة، الناس تحفظها لكن لا تعرف لمن فمثلا أغنية «نقاتل وحنا واقفين» قمنا بوضعها منذ أيام على اليوتيوب لأول مرة تعرف الناس هذه الأغنية من شعر محمد حسيب القاضي ولحن رياض البندك وهؤلاء كتبا ولحنا لأشهر المطربين كوردة وفايزة احمد. انا الآن أقوم بأرشفة وتجميع ليس تجميعا متحفيا فقط فمثلا عندما يأتيني عمل قديم من عام 45 لا أستطيع بثه أو نشره للناس دون تحسين نحن نستطيع تحيسن أداء التسجيلات القديمة التي كانت تستخدم مايكروفونا واحدا فقط في ظل التكنولوجيا الحديثة.
تحاكي الواقع الحالي
ويختم كلامه: العمل الموسيقي والفني هو عمل ثقافي وليس إعلاميا يعني الجريدة يجب ان تكتب عن الحدث الذي وقع البارحة أما الشاعر أو الملحن أو المطرب فليس دوره ان يكتب عن حدث البارحة لان الأغنية ليست جريدة، الأغنية كتاب. بعد 37 سنة الناس تغني» إشهد يا عالم علينا وعا بيروت» وبعد 77 سنة من مأساة شعبنا الفلسطيني الناس تغني «من سجن عكا وطلعت جنازة محمد جمجومة وفؤاد حجازة» الأغنية يجب ان تكون مثل الكتاب القيم.
تراجع واضح
أما أحمد الصمدي الشاعر الغنائي والكاتب المغربي فيقول: الأغاني الوطنية كان لها حضور دائم في كل العالم كالأغنية «المرسيلية» ودورها في الثورة الفرنسية كذلك الأغاني الوطنية في مرحلة مقاومة الاستعمار في كل البلدان العربية كان لها حضور قوي في المغرب بشكل خاص حيث أغلب رموز الحركة الوطنية كانوا من العلماء كتبوا الأغنية الوطنية وبعضهم لحنها بنفسه كعلال الفاسي ومحمد الناصري. وكذلك الحال في مصر وسوريا ولبنان وفيما بعد مرحلة استنهاض الهمم لبناء الوطن في ما تبقى من تحرير في سوريا في الجولان في سيناء وخصوصا في القضية المركزية فلسطين. كان للأغنية القومية والوطنية حضورها وجاءت مع نشأة الكثير من التيارات القومية والسياسية فكان من الطبيعي ان يكون للأغنية حضور.
بين مد وجزر
أما الآن وبعد ان وقع التشويش عموما على فكرة الهوية والانتماء باعتقادي ان الأغنية الوطنية انكمشت وانتشرت الأغنية السريعة التي قد تحقق نجاحا في يوم أو شهر ثم تتراجع، الامر مزدوج يتعلق بظروف إنتاج الأغنية الوطنية وأيضا بالاهتمامات التي أصبحت سائدة في الأغنية طبعا الهم العاطفي والوجداني دائما كان موجودا لكن يطغى نفس واحد في مختلف القنوات ينمط الذوق العام للشباب لذلك في رأيي تراجعت الأغنية الوطنية حتى على مستوى الإنتاج.
يقول الشاعر الغنائي أحمد الصمدي ان الأغنية الوطنية إذا كانت جيدة تستمر لكن عموما هناك تراجعا واضحا يتمثل في بثها والاقبال عليها. المسألة متداخلة فالشعراء والمنتجون والملحنون لم يعودوا ينتجون أغان وطنية في المستوى وتغليب جانب الفن الاستهلاكي ليس فقط في الأغنية انما أيضا في السينما والمسرح والفن التشكيلي. ما هو سريع الآن هو الذي يطغى ويغطي على ما عداه، لكن لابد للشعراء والمثقفين ان يتحملوا مسؤولية خاصة في هذا الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة.
يمكن ان تعود هذه الأغاني إذا ما وجدت الاستجابة من المتدخلين في إنتاجها اذا غلبوا الفكرة والرسالة والهدف على تحقيق شهرة معينة أو مكسب مادي. الفنان الذي يعيش من مهنته لابد ان يبحث عن آفاق جديدة في هذا المجال وهنا لابد ان يضحي من أجل ان يعبر عن قضيته اذا آمن بها.
بعض الأغاني لا تظهر الا في المناسبات والأعياد القطرية وكثير من الشباب يتخذون منها موقفا لانها تكون موسمية ولا تعبر عن جوهر القضايا والروح الوطنية الحقيقية وكذلك القومية التي تمر مرورا سريعا في مناسبات معينة وتقدم موقفا متعلقا باللحظة، لكن إذا انتجنا أغنية وطنية تتعلق بما هو راسخ في فكرة الوطن الفكرة غير المجردة الحقيقية التي تتمثل في محبة الوطن وخدمته والسعي للتعايش داخله وان اختلفنا في المرجعيات الفكرية، إذا استطعنا ان نصل إلى هذه الفكرة الجوهرية في الأغنية يمكن ان تبقى وتظل وتستمر ويجدد انتشارها واستعمالها.
الوطن كما يقول الشاعر احمد الصمدي ليس كومة تراب وليس مجرد تضاريس هو هوية وكرامة. عندما يجد الشاب في وطنه ان عنده مقدارا معينا من الكرامة ويحس بانتمائه الحقيقي اليه فانه سيظل فيه حتى لو غادره لأسباب مادية فانه لاشك سيعود وبالعكس يمكن ان يخدم قضية وطنه أحيانا إذا وجد في بعض العواصم الغربية واستطاع ان يمرر صورة لانتمائه وهويته وممكن ان يكون خادما لوطنه، اما عندما لا يحس بهذه الكرامة وهو داخل الوطن فهو يضطر للبحث عن الكرامة في موطن آخر. أغلب الأغاني عندما تكون موسمية فالفنان لابد ان يوصل فنه ولا يمكن ان يسجل أغنية تبقى حبيسة ألبومه وشريطه وبيته لابد ان تبث عبر القنوات والسهرات المباشرة والفنان عندما لا يجد هذه المساحة لعرض فنه يمكن ان يتراجع ويبحث عن أغنية جديدة عاطفية سريعة والتجارب كثيرة في هذا الصدد، هناك فنانون بدأوا بأغان وطنية ملتزمة ثم اتجهوا إلى الغناء الرومانسي والعاطفي المربح، البعد والاتجاه الواحد يؤثر على الفنان.
تجربة المغرب
وعن الأغاني الوطنية التي كان لها أثر وصدى في الشارع المغربي قال: هناك فنانون أبدعوا في تناول قضايا وطنية وإنسانية واجتماعية تخدم الشباب وقضايا الوطن والمقاومة. كانت اختياراتهم راقية وحفرت في الذاكرة وأدوا وظيفة مهمة أثرت في الناس. ولابد من الإشارة إلى فرقة «ناس الغيوان» التي انجزت حولها أفلام وثائقية كثيرة ومازالت تنتج وتبدع وبحكم غياب عدد من أفرادها بسبب الوفاة لكنها تجددت. هذه الفرقة تركت بصمات رائعة فمنذ السبعينيات غنى أعضاؤها للقضايا الوطنية وهي مثال للمجموعات التي لم تندثر ولم يتوقف فنها وظهرت أيضا فرقة موازية لها اسمها «جيل جيلاله» والكثير من فرق الغناء الوطني لكن بعضها وبسبب الكتابات النقدية تعرضوا للتضييق، عندما يرى الرقيب السياسي ان هذا الفن يضايقه فانه يمنعه.
وعن انتاجه الشعري الجديد يتحدث عن قصيدة «الموت أرحم» التي كتبها عندما تابع قصة الطفل السوري إيلان التي تناولتها وسائل الإعلام ويقول: كتبتها ولحنها وغناها الفنان المغربي المبدع صاحب الرسالة نعمان الحلو وأنتجها على حسابه ووضعها على شبكات التواصل الاجتماعي. هو مطرب مغربي معروف وهو تلميذ لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ولحن لوديع الصافي وغنى للمغرب للوطن «بلادي يا زين البلدان» وعن «جبال الأطلس» وغنى عن قوارب الموت والهجرة السرية وهو يتغنى بالرسالة وبالهدف ويدافع عن فنه.
من المهجر
أما الفنان العربي نزار العيسى فيقول: نحن بحاجة أن تعود أغاني العاشقين إلى الساحة في هذا الظرف التي تمر به أمتنا العربية، عملت مع فرقة أغاني العاشقين حيث أعدنا اطلاقها من لندن من حوالي 6 سنوات وكان من الرائع ان يلتقي أعضاء العاشقين القدامى العمالقة والشباب وتم دمج الفرقتين مع بعض وكان مجهودا رائعا وجبارا وبعدها بدأ الطبيخ وأصبحت شركة تجارية. كنا نعمل 4 حفلات في الشهر في جميع أنحاء العالم. نحتاج لهذه الفرقة لكي تندد وتستنكر ما يحدث من انتهاكات في فلسطين ودول عربية أخرى وتحرك الهمم وتحول أنظار العالم إلى حقيقة ما يجري، إلا ان الفرقة للأسف توزعت وأصبحت بين دول اللجوء الغربي والشتات العربي الاحداث في الوطن العربي أثرت في ترابط هذه الفرقة.
«أبو عرب» شاعر المخيمات
ابراهيم محمد صالح الملقب بـ»أبو عرب» والمعروف بفنان الثورة الفلسطينية الكبرى، أحد أبرز فناني الثورة الفلسطينية في اللجوء الذي عاشه أبو عرب في مخيمات اللاجئين بالأردن وسوريا ولبنان.
اشتهر بأغان ما زالت ترددها أجيال من الفلسطينيين داخل وخارج الوطن، أبرزها على الإطلاق أغنية «من سجن عكا».
كما برز أبو عرب في الغناء للعودة لفلسطين وبرع في المواويل وفنون الغناء التراثي الفلسطيني القديم.
تميز بأنه لم يغن يوما إلا للوطن ولمن ضحوا من أجله ولم يسبق له أن غنى لزعماء وفصائل، وهو ما ساهم في بقائه عابرا لكل الخلافات التي لا تزال تعيشها القضية الفلسطينية توفي تاركا وراءه إرثا غنائيا وطنيا لا ينسى تتغنى فيه أجيال بعد أجيال.
الأغاني الوطنية المصرية
ارتبطت الأغنية الوطنية المصرية بمحطات تاريخية وأحداث سياسية عدة مرت بها مصر، إلى أن أصبحت جزءاً من ذاكرة المصريين وأداة توثيق لكثير من المراحل التي ساهمت في تشكيل وجدان الشعب المصري وعموم الشعب العربي. فقد جسّد فنان الشعب سيّد درويش عبر ألحانه وصوته مطالب الثورة، من خلال أغان كان أبرزها «قوم يا مصري» و»أنا المصري كريم العنصرين».
كتب كبار شعراء مصر في مقدّمتهم صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وحسين السيد وغيرهم كثر للثورة. ترافقت الكلمات مع نغمات لحنّها كبار مؤلّفي مصر منهم كمال الطويل وبليغ حمدي ومحمّد الموجي. تجذّرت تلك الأغاني في وجدان الشعب المصري والعربي من خلال أصوات كبار المطربين مثل محمّد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وشادية وام كلثوم التي غنت «والله زمان يا سلاحي» عام 1956. وربما كانت التجربة الحقيقية للأغنية الوطنية الجامعة متمثلة بأغنية «الوطن الأكبر» عام 1960 لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وهو اوبريت شكل علامة فارقة في الغناء الوطني الشامل لكل الدول العربية.
الأغنية الوطنية بلون جديد
كانت لحظة تاريخية ردد فيها الشعب المصري بشكل تلقائي الأغاني الوطنية التي رسخت في ذاكرته عبر لحظات تاريخية، ومع تصاعد الأحداث بعد 25 يناير استدعت الجماهير في ميادين مصر العديد من الأغاني الوطنية التي صنعت الذاكرة الجماعية للشعب المصري. غنت الجماهير ورددت وسائل الإعلام أغاني طالما هزت وجدان الشعب مثل أغنية بلادي بلادي النشيد الوطني والمحفورة في الوجدان المصري فهي أغنية ثورة 19 ايضا. ظهرت أصوات وفرق موسيقية جديدة، جسّدت أحلام شباب ثورة يناير. كان أبرزها رامي جمال ورامي عصام وفرقة «كايروكي» صاحبة أغنية «الميدان» بالاضافة إلى فرق اخرى مثل فرقة اسكندريلا صاحبة أغنية «صفحة جديدة».
الأغنية الوطنية في لبنان
لبنان الذي كان قبلة الفنانين والشعراء انجب نجوما كبار لمعوا في الغناء الملتزم والوطني تغنوا بلبنان وبالمقاومة. الفنانة الكبيرة فيروز التي غنت للقدس وللعودة وللبنان والأخوين الرحباني وماجدة الرومي وصباح ووديع الصافي والعديد غنوا للمقاومة ولفلسطين المحتلة ابرزهم الفنان الملتزم مارسيل خليفة الذي غنى أجمل قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش وغيره من شعراء المقاومة «أحن إلى خبز أمي» و «منتصب القامة أمشي» والكثير من الأغاني المحفورة في ذاكرة الناس وكذلك اميمة الخليل التي رافقته بصوتها العذب «عصفور طل من الشباك» وغيرها من الأغاني التي تميزت باداء هادئ وجميل. وغنت جوليا بطرس التي هزت مشاعر الناس «غابت شمس الحق» و»وين الملايين الشعب العربي وين» مع فنانات عربيات وغيرهم الكثير الكثير من المطربين الشباب في لبنان الذين يحملون مسؤولية استمرار هذا الفن وتشكيله بطرق جديدة تعبر عن قضاياهم وهمومهم اليومية. وفي الحديث عن الأغنية الوطنية لا يمكن أن ننسى احمد قعبور الفنان اللبناني وأشهر أغانيه «أناديكم» كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد.
العراق
يرى بعض الفنانين العراقيين أن الأغنية الوطنية العراقية اليوم تحتاج إلى مَن ينقذها من طائفيتها فقد أصبحت تولّد انطباعات سلبية، وصارت بحاجة إلى مَن ينتشلها من الابتذال بحيث صارت تمثل شكلا من أشكال الفساد المطلق الذي غرقت فيه البلاد مع هجمة تنظيم داعش على العراق وسيطرته على أجزاء كبيرة من أرضه، وقد سعت الحكومة العراقية عبر مؤسساتها الإعلامية، إلى تأسيس أغنية وطنيّة تزيل حالة اليأس من المجتمع المحبَط جراء هزيمة الجيش. إلا أن هذه الأغاني صارت تعطي طابعاً سلبياً على العكس من الطابع الذي أُنتجت من أجله. بعد احتلال داعش للموصل، غصّت الساحة الغنائية العراقية بمجموعة من الأغاني، التي دخلت كل بيت عراقي لكنها بحسب متابعين لا تتفق مع الغاية الحقيقية للأغنية الوطنية ذات المقومات الشعرية والموسيقية. فالبعض راح يزجّ فيها مفردات تثير السجالات بعكس الهدف المنشود منها. حتى أصبحت جزءاً من المشكلة التي يعاني منها العراق، بسبب استخدامها كلمات العُنف. بعض كلمات الأغاني التي كُتبت تحديداً بعد 2003، لم تختلف فكرتها والمصطلحات التي تضمنتها مع ما يذهب إليه الإرهاب بتفجيراته واعتداءاته. إحدى الأغاني السيئة تقول كلماتها: «نسحل بهم… ندوس على رؤوسهم… نُحرقهم». ويعتبر المعنيون ان الأغنية الوطنية فن مستقل يعتمد على الجانب الفكري والمعالجات الوطنية التي تبتعد عن أيّ تسمية غير الوطن، وعن ذكر إسم أيّ شخصية دينية أو سياسية لكن ما يحصل الآن ان غالبية تلك الأغاني، أُنشدت لشخصيات ورجال دين وليس للعراق. على الرغم من ان العراق لديه الكثير من الكفاءات الفنية والأدبية والشعرية التي قدمت وتقدم أعمالا وطنية مهمة تناولت فيها قضايا الوطن وخدمته لكنها تبقى محدودة الانتشار.
تونس وثورة الياسمين
ربما من أبرز الأغاني التي قدمت بعد ثورة الياسمين ما قدمه الفنان الكبير لطفي بوشناق «أنا مواطن» التي صورت واقع المواطن وحبه وتمسكه بالوطن لا بالمناصب والكراسي. هي رسائل قد تكون سياسية رافضة وضع الانشقاق والتأزم وخائفة على مصير الوطن والمواطنين من الإنقسام والفوضى الأمنية والعنف وهي رسائل لا تقتصر على ما يجري في تونس وحدها انما تتعدى الحدود لتعبر عن هم واحد تعيشه الدول العربية.
سوريا
«يا حيف» سميح شقير الذي عرف بأغانيه الوطنية والثورية منذ بداية الثمانينيات، لحن وغنى أجمل قصائد محمود درويش وتفاعل من خلال فنه مع كل القضايا الإنسانية والحقوقية والمصيرية. وقد انتشرت أغانيه الثورية في بلاد الربيع العربي وأصبحت تردد في المظاهرات والاعتصامات السلمية في سوريا. أغانيه لم تلامس الجرح السوري فحسب، بل تجاوزت الحدود لتصل إلى كل الشعوب التي تنادي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
مواقع التواصل وهبة الغناء الوطني
شهدت الساحة الفنية هبة غنائية لا تقل أهمية عن هبة الفلسطينيين لنصرة الأقصى والدفاع عنه، كتبها ولحنها وغناها الشباب، كانت بمثابة الدعم المعنوي وتحفيز الهمم ليمضي الشباب قدما في مواجهة المحتل الذي يقتل ويعتقل ويدنس ويدمر ويحرق دون محاسب أو معاقب. انتشرت هذه الأغاني عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أبرز الأسماء التي غنت للهبة الفلسطينية 2015 النجم محمد عساف حيث أهدى المرابطين والمرابطات أغنية «يا يمه هادي رجالك». وفضل شاكر الذي يعود بعد غياب عن الساحة الفنية للغناء عبر أغنية «قدساه» والنجم الشاب يحي حوا «واجب يا أقصى» وميس شلش التي غنت لشباب الهبة «عبي هالقنينة نار» والكثير من الفنانين الذين غنوا أغنيات حملت أسماء الشهداء والشهيدات. وبغض النظر عن ما يقوله البعض عن حماسية الأغاني وتعبيرها عن اللحظة إلا انها تبقى مؤثرة وتساهم بشكل أو بآخر في صمود الناس.
وجدان الربيعي