بين التكفيريين وإسرائيل ضاعت الرواية الحقيقية لمقتل بدر الدين… فهل كانت عملية داخلية؟ والحرب في سوريا تكشف عن ضعف حزب الله.. ولم يعد أحد من قادته بمأمن

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: لم يوقف إتهام «حزب الله» الجماعات «التكفيرية» باغتيال قائده العسكري مصطفى بدر الدين التهكنات حول متى وكيف وماذا يكشف مقتله عن وضع حزب الله في سوريا؟
وكان الحزب قد أعلن الجمعة عن مقتل أرفع قائد عسكري له في سوريا حيث سارع الإعلام اللبناني المتعاطف معه تحميل إسرائيل المسؤولية، إلا أن هذه الأخيرة نفت وسارع المحللون فيها إلى طرح سيناريوات أخرى.
ومع أن لإسرائيل تاريخاً طويلاً في ملاحقة وقتل قادة «حزب الله» إلا أنها لا تعلن مسؤوليتها عن اغتيالهم، والجميع يعرف أنها مستفيدة من قتل الكثيرين، من القائد العسكري عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق وحسن اللقيس في بيروت عام 2013 ونجل مغنية جهاد وعدد من القادة في كانون الثاني/يناير 2015 أثناء وجوده في جنوب سوريا وقبل خمسة أشهر قتل القيادي والسجين السابق سمير القنطار في دمشق. وفي كل هذه حمّل الحزب أو المقربون منه إسرائيل المسؤولية.
ومهما يكن فمقتل بدرالدين يكشف عن الثمن الفادح الذي بات «حزب الله» يدفعه جراء مغامرته في سوريا.
وربما جاء استبعاد إسرائيل من الإغتيال محاولة لتجنب إستثارة حرب معها في وقت ينخرط فيه بحرب داخل سوريا.
وإن ثبت أن الجماعات التي يصفها بالتكفيرية استطاعت الوصول إلى قائده في سوريا فستكون بمثابة إهانة للحزب الذي يرى نفسه في مقدمة محور المقاومة ضد إسرائيل لكنه اليوم يخوض حرباً دموية في سوريا دفاعاً عن نظام ديكتاتوري فيها.

إنكشاف

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن المحلل المتخصص بشؤون «حزب الله» والميليشيات الشيعية في سوريا، فيليب سميث قوله: «إن تم قتل قيادي بمنطقة آمنة على يد واحدة من هذه الجماعات فهذا يشير إلى أنهم غير ما تظاهروا، ضعفاء».
وطرحت كاتبة المقال آن بيرنارد أسئلة حول لغز مقتل بدر الدين حيث قال سكان المنطقة قرب مطار دمشق الدولي إنهم لم يسمعوا أو يشاهدوا انفجاراً ضخماً في المكان الذي يقول «حزب الله» إن قائده قتل فيه.
وفي الوقت نفسه لم تعلن أي من المجموعات المتهمة مسؤوليتها عن مقتله، فرغم تنوعها من المتشددة إلى المعتدلة وخلافاتها الحادة حول طبيعة الثورة إلا أنها تتفق حول مسألة واحدة وهي العداء لحزب الله الذي يدعم نظاماً ديكتاتورياً في قمع ثورة شعبية.
وهناك من تكهن بمقتل بدر الدين في خان طومان قرب حلب والتي قتل فيها عدد من الجنود الإيرانيين ومقاتلي حزب الله في مواجهة مع المعارضة الأسبوع الماضي .
ويطرح مقتل بدر الدين أسئلة حول قدرة الحزب على توفير الأمن لقادته خاصة بعد توسع عملياته في سوريا.
وصار عرضة للإختراق وعمله مع ميليشيات سورية موالية للأسد لا يمنع من وجود عملاء مزودجين فيها وربما لعبوا دورا بمقتل القيادي العسكري.
وهناك سيناريو آخر يفسر مقتله وهو تعاون جماعة سورية معارضة مع مخابرات دولة أجنبية قامت بتوفير المعلومات عن تحركات بدر الدين وهو ما يقترحه علي رزق المحلل اللبناني المقرب من حزب الله.
وفي تعليق لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» جاء إن الجهة التي قتلت بدر الدين ليست مهمة والمهم هو الضعف العملياتي الذي أصاب بنية الحزب خاصة في مجال تأمين قادته.
وهذا مرتبط بتوسعه في سوريا والذي أثر بالضرورة على أساليبه الأمنية المشددة والتحولات التي مرت عليه منذ عام 2006 حيث تحول من كونه ميليشيا تقاتل إسرائيل إلى كيان يشبه الجيش مما جعله عرضة للإختراق كما كشف في السنوات الماضية واعترف مسؤولون بارزون بوجود هذه المشكلة.
واعتبر نداف بولاك وماثيو ليفيت في مقال مشترك نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن مقتل بدر الدين يعد أكبر خسارة للحزب خاصة أن القيادي يعد رئيس «منظمة الأمن الخارجي» ويشرف على عملياته الواسعة في سوريا وهي الأكبر منذ مقتل عماد مغنية.
وكان الرجلان يعرفان بعضهما بشكل جيد، فبدر هو إبن عم عماد مغنية وشقيق زوجته الأولى. ولبدر الدين المعروف باسم «ذو الفقار» تاريخ طويل في صفوف الحزب يعود إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي.
عندما شارك في سلسلة من الهجمات الإرهابية في لبنان والكويت استهدفت سفارات الولايات المتحدة، وثكنات البحرية الأمريكية، وغيرها من المواقع.
وهرب من سجنه في الكويت بعد اجتياح العراق لها في بداية التسعينيات حيث عاد إلى لبنان وارتفع بسرعة في صفوف «حزب الله»، الأمر الذي ساعد في تقوية عمليات الحزب.

مجهول

ورغم توليه قيادة عمليات الحزب بعد مقتل مغنية، بقي بدر الدين شخصية مجهولة في لبنان حتى عام 2011 حتى ظهر اسمه كمتهم رئيسي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
وفي الوقت نفسه ارتفعت أسهمه العسكرية عندما تسلم مسؤولية ملف سوريا. وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات عليه بسبب سجله الإرهابي.
واقتضى عمله الجديد التنسيق بين الأمين العام للحزب، حسن نصر الله والرئيس السوري بشار الأسد، بالإضافة لنشر المقاتلين في الجوار السوري والتخطيط لعملياتهم وهو ما أكسبه الكثير من الأعداء.

من المسؤول

ويرى الكاتبان أن إسرائيل ستفكر ملياً في أي قرار يتعلق باغتيال شخصية كبيرة كبدر الدين خشية أن يؤدي لتسخين الجبهة الشمالية مع لبنان.
ولا يستبعدان هنا إمكانية مقتله عندما حاولت الطائرات الإسرائيلية استهداف شحنات من الأسلحة في طريقها إلى لبنان، وهو ما فعلته إسرائيل أكثر من مرة.
وفي الوقت الذي لمّحت فيه دعاية حزب الله لدور خليجي- سعودي بالتحديد- إلا أن التحليل الذي يقدمه كل من بولاك وليفيت يطرحان أسئلة حول قدرتها على تنفيذ عمليات كهذه. وهناك احتمال أن يكون قرار التخلص منه داخلياً نظراً لأدائه الضعيف وإهماله، وعدم استقراره، وتهوره في السنوات الأخيرة.
وإذا كانت قيادة الحزب معنية بقتله بالفعل وآمنت أنه لن يترك منصبه بهدوء، فقد تكون قد قررت أنه من الضروري التخلص منه.
وأيا كانت الجهة التي تقف وراء العملية فرحيله يعتبر ضربة للحزب من الناحية العملية والمعنوية.
ومن الأسماء المحتملة لشغل منصبه إبراهيم عقيل وفؤاد شكر وكلاهما تولى مناصب في «المجلس الجهادي» وهو أعلى هيئة عسكرية في الحزب.
ويضيف الكاتبان أن رحيل بدر الدين يشكل ضربة كبيرة لصورة الحزب كتنظيم يستعصي على الهزيمة، وهي رسالة أن اي قيادي في الحزب لم يعد في مأمن.
ويعتقد الكاتبان إنه يجب أن نراقب الخطوة المقبلة لحزب الله ومن سيلقي عليه اللوم في مقتله، لأن الإعلان عن طرف سيجبر الجماعة على الانتقام.

من قتل الحريري؟

وهناك جانب مهم في اختفاء بدر الدين عن المشهد ويتعلق بملف اغتيال الحريري. فبحسب تحليل روبرت فيسك في صحيفة «إندبندنت» فربما لن نعرف أبداً الجهة التي دبرت اغتياله في شباط/فبراير 2005.
ويزعم فيسك أن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق كان بداية لجهود السعودية تدمير بشار الأسد ونظامه في دمشق.
وقال إن المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري طالبت بتسليم بدر الدين منذ خمسة أعوام، لكن المحققين فيها يعرفون الآن أنه دفن في روضة الشهيدين بالضاحية الجنوبية ببيروت. فالرجل الذي خطط ونظم لاغتيال الحريري «لم يعد متوافراً للتحقيق معه».
وكان حسن نصر الله قد وعد «ببتر يدي» أي شخص يحاول القبض على بدر الدين والمتهمين الثلاثة و»لم يتجرأ أحد».
ويعلق فيسك أنه في الوقت الذي احتفل حزب الله الأسبوع الماضي بالقيادي كشهيد ومقاوم وتشفى آخرون بقتله وزعموا أن إسرائيل بالتأكيد هي من نفذ عملية القتل، إلا أن أهمية بدر الدين لا تنبع من دوره في سوريا ولكن من وجوده يوم 14 شباط/فبراير 2005 في بيروت عندما انفجرت سيارة مفخخة في موكب الحريري.
ويقول إن الحريري كان رجل السعودية في منطقة الشرق، وكان يحمل الجنسية اللبنانية والسعودية في وقت واحد وكان مقرباً من العائلة المالكة.
وأشرفت شركة الإنشاءات التي كان يملكها على إعادة إعمار لبنان في ما بعد الحرب الأهلية لدرجة أطلقت عليه الصحافة الغربية «السيد لبنان».
ويرى أن المذبحة التي حدثت في يوم عيد الحب في بيروت كانت بداية الحرب التي شنتها السعودية ضد نظام الأسد، فقد اعتقد السعوديون أن السوريين هم من قتل الحريري بسبب معارضته لوجودهم العسكري والسياسي.
ويقول فيسك إن الأسد طالما شكّك في الحريري، الرجل الذي حضّ القوى الغربية على إخراج القوات السورية من لبنان.
ولكن فيسك يحاول هنا طرح أسئلة حول دوافع حزب الله ومصالحه في اغتيال الحريري. خاصة أنه كان يشارك في الحكومة ومعترف به ولديه نواب، فكيف يخاطر بكل هذا ويقتل. وبنفس السياق لماذا يقتل النظام السوري الحريري وهو يعرف أن الثمن سيكون خروجه من لبنان.
ومع ذلك لم يمنع هذا العملاء الإيرانيين في بيروت من نشر شائعة أن السعوديين هم الذين قتلوا الحريري.
وبحسب الشائعة فقد غضب السعوديون منه لأنه عقد اجتماعاً مع مسؤول حكومي عراقي لمناقشة صفقة سلاح.
ولم تؤد القصة المحبوكة واليائسة لتبديد الشكوك حول دور حزب البعث السوري في اغتيال المسؤول اللبناني البارز.
ويتحدث فيسك عن محاولات فرق الأمم المتحدة في قضية الحريري جمع أدلة من خلال متابعة المكالمات الهاتفية التي أجريت في بيروت قبل العملية بأشهر.
وساعدت بريطانيا الفريق بتقديم معلومات حيث كانت تقوم بمراقبة الشبكات الهاتفية في لبنان من جبل ترودوس في قبرص.
ويصف الجهود بأنها فوضوية مع أن الأمم المتحدة طلبت من كل الدول الجارة المساعدة في عملية التحقيق وتوفير بيانات حول الإتصالات الهاتفية.
واستجابت معظمها إلا إسرائيل. لأنها كما تقول نظرية مؤامرة كانت وراء الإغتيال لإخراج سوريا من لبنان.
وقال حسن نصر الله ورجاله إن إسرائيل تلاعبت بالخطوط الهاتفية. وبالتأكيد قامت إسرائيل بسلسلة من العمليات الفاشلة للتنصت على الهواتف في لبنان.
ويقول فيسك إن الخيط الذي حاول ربط «حزب الله» بالإغتيال طويل ومعقد ودرامي. ولكنه ظل إشكالياً فأحد المحققين اللبنانيين المعروفين وهو بسام عيد وكان تقنياً ذكياً- لم يلتفت إليه فريق المحققين الدولي- قتل بتفجير وهو في طريقه إلى عمله عام 2008 .
وعندما بدت الأمور واضحة أنها ستربط الحزب باغتيال الحريري قام أنصار الحزب بالحديث عن دور إسرائيل. وفي العام الماضي نشرت مجلة أمريكية تحقيقا مفصلا اشتمل على بيانات للمكالمات الهاتفية لحزب الله.
وأعد التقرير رونين بيرغمان، الذي يعمل محللاً عسكرياً في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية وأشار للأعمال الإرهابية التي نفذها بدر الدين ضد إسرائيل.
فهل كان هذا مسؤولاً أيضاً عن قتل عيد، الشخص الوحيد الذي كان حتى موته قادراً على توجيه إصبع الإتهام إلى «حزب الله».

انخراط في المعركة

ويشير فيسك إلى الروايات التي نشرت بعد مقتل بدر الدين حول دوره في تفجير المارينز عام 1983 عندما كان في سن الـ 22 عاماً والهجمات ضد الغربيين في العراق بعد غزوه عام 2003 والعمليات ضد المعارضة السورية للأسد منذ عام 2011.
وكان بالتأكيد منخرطاً في هذه الحرب بالطريقة نفسها التي حاول فيها تدمير السفارة الأمريكية في الكويت عام 1983 حيث سجن ثم هرب عام 1990.
إلا أن فيسك يعود لملف التحقيق في اغتيال الحريري حيث قال إن معظم الصحافيين قضوا الـ11 عاماً الماضية وهم يحققون في النظريات والإتهامات والتهديدات وراء مقتله.
ويعلق قائلا إنه كان يعرف رئيس الوزراء الأسبق ولم يكن بعيداً سوى أمتار عن المكان الذي حدث فيه التفجير.
وكان يعرف مغنية الذي التقاه في التسعينيات من القرن الماضي بطهران في محاولة لتحرير تيري أندرسون الصحفي الأمريكي وصديق الكاتب الذي كان رهينة لدى المجموعة المعروفة بـ «الجهاد الإسلامي».
كما وتحدث مع محققي الأمم المتحدة وقضى معهم ساعات طويلة. وقابل الصحافي اللبناني الذي نشرت قناته إسم أحد «الشهود» السريين للجنة التحقيق الخاصة.
وتحدث إلى غازي كنعان الذي كان مسؤول أمن النظام السوري في لبنان قبل أن يصبح وزيراً للداخلية في سوريا وأطلق النار على نفسه عام 2005 و»شاهدت حتى سيارة المسكين وسام عيد التي كانت تشتعل على الطريق السريع ببيروت بعد اغتياله». ويقول إن هناك من ربط اغتيال كنعان بمحاولة النظام دفن أي دليل على اغتيال الحريري.
وكان هذا قبل توجيه لجنة التحقيق الدولية التهمة لبدر الدين وثلاتة من «حزب الله». ونقل عن مصدر في المخابرات السورية نفيه للتقارير التي قالت إن كنعان أمره النظام بالإنتحار.
وقال إنه كتب رسالة لزوجته ثم ذهب إلى مكتبه في دمشق وأغلق الباب على نفسه وانتحر.
ونقل ما قاله له صحافي عام 2005 أن الأسد شعر بالصدمة عندما بلغه مقتل الحريري. ولكن الكاتب لم يلتق ببدر الدين.
ومقتله في دمشق يعني أننا لن نسمع أبداً روايته حول مقتل الحريري. وبالضرورة لن نعرف من قتله أبدا وفيما إن كانت العملية في بيروت بداية الجهود السعودية للتخلص من الأسد ونظامه.

بين التكفيريين وإسرائيل ضاعت الرواية الحقيقية لمقتل بدر الدين… فهل كانت عملية داخلية؟ والحرب في سوريا تكشف عن ضعف حزب الله.. ولم يعد أحد من قادته بمأمن

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية