فجأة وبدون مقدمات، تم الإعلان عن وقف الحملة العسكرية التي يخوضها التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية تحت شعار «عاصفة الأمل» وانطلاق مرحلة سياسية جديدة تحت عنوان «إعادة الأمل»..
بين مرحلة «الحزم» ومرحلة «الأمل» لا توجد مؤشرات دالة عن نهاية التوتر في اليمن وانطلاق مرحلة جديدة تبشر بعودة الفرقاء الأساسيين إلى طاولة الحوار وإسكات صوت الرصاص..فلازالت قوات التحالف تقصف بعض المناطق في اليمن بحجة أن الحوثيين يحاولون تحقيق تقدم على الأرض والاستيلاء على بعض ألوية الجيش، وقد صرح أحمد عسيري بأن «وقف العمليات لا يلغي استعمال القوة لمنع تحركات الانقلابيين، وحماية المدنيين، في مرحلة سيكون عنوانها الأبرز جهد الإغاثة الإنسانية وإعادة البناء»، ولازالت طبيعة الخطاب الصادر عن قادة الحوثيين تعبر عن صلابة في الموقف ولا تؤشر على استعداد مبدئي للحوار، واستئناف المفاوضات..ولازال سؤال الشرعية مطروحا في اليمن، فليس هناك ما يؤشر على استعداد الحوثيين للتعامل مع الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي المقيم في السعودية..
جميع المؤشرات كانت تدل منذ البداية على محدودية الرهان على قرار التدخل العسكري الجوي لحسم إشكالية الصراع على السلطة داخل اليمن، وكان رأينا أن الحرب الدائرة في اليمن تقف وراءها أبعاد استرتيجية وتحفها مخاطر حقيقية تهدد بإشعال حرب إقليمية قد تتورط في مستنقعها أطراف يمنية بالوكالة، ولازالت مخاطر هذا السيناريو قائمة، وهي مخاطر ليست بعيدة عن السيناريو السوري لا قدر الله..
الآن لم يتخل الحوثيون عن أسلحتهم حتى وإن كانت الضربات الجوية أصابتهم إصابات بليغة، وليست هناك أنباء عن تراجع علي عبد الله صالح عن أطماعه في خلط أوراق السلطة بعد إفشال المبادرة الخليجية ووثيقة الحوار الوطني واتفاق الشراكة، وليس هناك ما يفيد بأن الشروط السياسية والعسكرية للقيام بحرب برية خاطفة للقضاء على معاقل الحوثيين باتت متوفرة وممكنة، بعدما تراجعت كل من باكستان ومصر عن إمكانية المشاركة في حرب برية تم التلويح بها منذ البداية..
الرسالة الواضحة التي حققت أهدافها كانت موجهة لإيران، مفادها أن مشروعها التمددي في المنطقة ستواجهه صعوبات مؤكدة إذا استمرت إيران في نهجه، ومن المؤكد أن المملكة العربية السعودية ومن ورائها العديد من دول المنطقة اتخذت قرار الحرب لاعتبارات جيوـ استراتيجية تتجاوز الشأن اليمني الداخلي وتتجاوز الدفاع عن الشرعية والديموقراطية..
ومن المؤكد أن تعقيدات المشهد اليمني تتقاطع فيه معطيات الصراع الداخلي على السلطة تؤججه مراكز نفوذ النظام السابق وشعور الحوثيين بالتهميش والإقصاء خلال المرحلة السابقة، ومعطيات الصراع الإقليمي المرتبطة بالنزعات التوسعية لإيران التي تهدد الأمن الإقليمي العربي، ومعطيات التوازنات الدولية الدقيقة التي يوجد اليمن في قلب صراعاتها الخفية، فليس من باب الصدفة وصول منظومة صواريخ متطورة إلى إيران منقولة إليها من طرف روسيا، مما يعني أن رهان موازين القوى في المنطقة سيبقى مفتوحا على سيناريوهات المزيد من سباق التسلح في المنطقة..
صحيح أن قرار مجلس الأمن رقم 2216 يمنع إرسال السلاح للحوثيين ويلزمهم بتسليم أسلحتهم إلى الجيش ويفرض عقوبات على عبد المالك الحوثي زعيم تنظيم «أنصار الله»، لكن من المؤكد أن هناك تساؤلات عريضة حول مدى توفر الضمانات الإقليمية والآليات المؤسساتية لفرض تطبيق هذا القرار..
وتبقى الحلقة الأضعف في هذه العملية هي الكيانات السياسية الداخلية الضعيفة ومن ورائها المواطن اليمني المسكين الذي يعيش ظروفا قاهرة من فقر وبطالة وتهميش اجتماعي وحرمان من الخدمات الأساسية..
لكن ماذا عن وصفة الحوار بين العرب وإيران؟
علينا أن نعترف بأن إيران باتت تمثل واحدة من أهم دول الجوار الجغرافي للعالم العربي، وعلاقتها بالعرب قديمة، عرفت حقبا من الصراع والحروب، وأخرى ساد فيها التعاون والسلام.
إن بحث العلاقات العربية الإيرانية يطرح مجموعة من الإشكالات المنهجية الواقعية، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة واحدة تمتلك رؤية منسجمة رغم الاختلافات السياسية التي تخترق أجنحة النظام السياسي، لكنها تستطيع الحديث عن سياسة إيرانية وعن اقتصاد إيراني وعن سياسة خارجية إيرانية وعن ثقافة إيرانية…إلخ، أما « العالم العربي» فهو مجموعة من الدول التي تعبر عن كيانات مشتتة لم تحقق بعد شرط الوحدة والتكامل لتمنحنا مشروعية الحديث عن موقف عربي موحد أو عن قوة عسكرية موحدة أو عن اقتصاد عربي، أو عن سياسة خارجية عربية..وإن كانت بعض الدول العربية استطاعت تحقيق بعض التكتلات الجهوية مثل منظمة التعاون الخليجي لكنها لازالت في طور أدنى من التنسيق الاستراتيجي المطلوب الذي يؤهلها للتحول كقاطرة تجر المنطقة العربية نحو مسلسل من التنسيق والاندماج والتكامل، ومن هنا صعوبة التنبؤ بإمكانيات التأثير الإقليمي للدول العربية في ظل واقع التفكك والتجزئة..
إن من أبرز المخاطر التي تحمل سيناريوهات المزيد من الضعف والتفكك هو اتخاذ قرار الحوار مع إيران والحديث باسم العالم العربي في ظل علاقات بينية ثنائية مع إيران بشكل منفرد..
لابد من توفير الحوار..ومبتدأ الحوار تنقية الأجواء داخل البلدان العربية وإطلاق مسلسل جدي للمصالحات الوطنية بين الأنظمة السياسية وشعوبها..
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين