بين الطرومبيل والشمندفر

حجم الخط
4

للتعامل مع المصطلح الأجنبي طرق عدة:
1- ترجمته، كما فعلنا مع القطار والطائرة والهاتف وغيرها الكثير. وهذا أفضل الطرق.
2- تعريب المصطلح بتغيير بعض حروفه، أو تقديم حرف على آخر. وهذا طريق مألوف في عديد من اللغات الأخرى.
3- في الأزمنة الحديثة ظهرت كتابات تدعو إلى استعمال اللفظ الأجنبي كما هو إذا سار على ألسنة الناس. وهذا نهج خطير يزيد من تسطيح العقل العربي، ومن تهجين اللغة وهي غير قابلة للهجنة في المجتمعات السالكة طريق التطور الجدير باسمه.
4- دعوات أخرى (تمخضت) عن مصطلحات متعسرة بعيدة عن أذواق الناس، وعن التأصيل اللغوي. وكأن القائلين بها وضعوا مصطلحاتهم حتى لا يستعملها أحد، بل إن بعضها صار مدعاة للسخرية، منها، ومن اللغة العربية عموما. ورأيت في كتابات المعنيين بالرقمين (3 و4) أخطاء لغوية ونحوية جمة، أكتفي هنا ببعض يسير منها:
* باحث يكتب (ليس فقط) وهذا تعبير لا أستغربه إن صدر عن بعض كتبة الصحف وناطقي وسائل الإعلام الأخرى، لأن اللغة العربية ليست مهمة عندهم. ولكنني أستغربه لدى أساتذة لغة ونحو. فتعبير: ليس فقط/ تسرب إليهم على الرغم من أنهم درسوا من اللغة ما يساعدهم على صياغة جميل الكلام. وأصل هذا التعبير أن أحدهم قرأ يوما في صحيفة باللغة الإنكليزية (Not Only) فنقله إلى العربية «ليس فقط» فركض الراكضون وراءه. ولو كان في التعبير شيء من الجمال أو الحاجة اللغوية، لما كان لنا أن نقول شيئا. ولكن كلمة: فقط، ذاتها لا تستعمل إلا قليلا وفي مواضع معينة من الجملة الفصيحة ليس هذا أحدها.
* قال آخر حين أراد إثبات رأيه: (هذا دليل على ما يعكسه النص القرآني) غافلا عن أن «يعكس»: يقلب. والفصيح أن يقول: على ما يظهره، أو يبينه، أو ما شاكل ذلك. ومتناسيا أن القرآن ليس فيه ما يسميه السيد الكاتب بالملفوظات الأجنبية. كل تلك الألفاظ عربية صميمة. ولهذا الكلام براهينه المؤكدة.
* باحث يرفض إبقاء اللفظ العربي بدلا من اللفظ الأجنبي. ويستعمل أسلوب الاستبدال، ولكنه يدخل الباء على المأخوذ لا على المتروك. قائلا أنه لا يجيز الآن استبدال اللفظة الأجنبية بلفظة عربية. فعكس المعنى الذي قصد إليه. فكان عليه أن يقول: استبدال اللفظة العربية باللفظة الأجنبية.
* ذهب باحث آخر إلى شيء غريب حيث قال: إن المنبر كلمة حبشية استوردها المسلمون من الحبشة حين هجرتهم إليها. وإن النبي أقر الناس عليها. وهذه خرافة وأسطورة.
منبر ليست أجنبية وتخريجها على الحبشية وغيرها غير صحيح. ويجدر بالقائلين بعجمتها أن يلتفتوا إلى أن نبر: أصل لغوي صحيح يدل على رفع وعلم. على ما ذكره حذاق اللغويين.
من ناحية أخرى أعتقد أن شيوع اللفظة على ألسنة الناس يتأتى من استعمال وسائل الإعلام لها وكذلك الأعمال الفنية. وإذا تابعنا الاعوجاج اللغوي، فستكون: الشمندفر، للسكك الحديد أو القطار. وتصير السيارة أوتمبيل. وليقل المشارقة بدلها (Car) والمغاربة (Auto). وكفى الله الناس شر التفكير.
الأمم الحية تعتز بلغاتها وتراثها، وإذا اضطرت إلى استعمال لفظة أجنبية فتضعها بين قوسين، أو تكتبها بحروف مائلة. وأما في الكلام فاعتزازهم كبير. والشواهد كثيرة. فهي لا ترضى أن تندس في لغاتها كلمات من لغات أخرى، فالفرنسيون مثلا، وهم الحريصون على الفرانكفونية، يضعون كل كلمة من لغة أخرى بين قوسين أو بحروف مائلة، وإلا تعرضت الصحيفة أو الكاتب الذي لا يلتزم بذلك لغرامة مالية. وقريب من ذلك في بريطانيا، وألمانيا، والسويد، وغيرها.
الجهل اللغوي ليس مبررا لزيادة المسخ والتجهيل، إضافة إلى تسريب اللهجات المعوجة إلى الصحف وغيرها. وما شاع على ألسنة الناس من ألفاظ أعجمية ليس مبررا لاعتمادها.
فلتتصاعد الإرادة لاستعمال البدائل العربية الجميلة في وسائل الإعلام والوسائط الفنية، وغيرها، وآنذاك ستستقيم ألسنة الناس بدل استعجام وسائل الإعلام والفن والتعليم.

٭ باحث عراقي ـ لندن

بين الطرومبيل والشمندفر

هادي حسن حمودي*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية