قد يجوز طرحها كمقارنة مجردة من أي اعتبارات وأحكام مسبقة، بين ما يحصل من اعمال عنف في سوريا والعراق وما يحصل في فلسطين.
فكثير من الجمهور العربي يعتبر أن اكثر ما يرمز لأعمال الجماعات الإسلامية من وحشية هو القتل بالسكين، اي أن الاعتراض هو اولا مبدئي على طريقة القتل او قطع اليد باستخدام السكين، باعتبارها طريقة بدائية مقززة، من دون حتى الدخول في معرفة هوية الضحية، إن كان عسكريا أم مدنيا، ومعرفة أطراف وعمق الصراع.. بينما يصبح هذا العمل بطوليا ومبعثا للمجد عندما يحدث في فلسطين ضد الإسرائيليين، وايضا نلاحظ أن الجمهور (واعني هنا عوام الجمهور العربي) لا يهتم إن كان الضحية عسكريا أم مدنيا، فهو إسرائيلي يهودي غاصب للأرض، وهكذا فان طريقة القتل نفسها، بالسكين، باتت مقبولة عموما في ساحة صراع، ومرفوضة عموما في ساحة صراع أخرى بالنسبة للجمهور العربي نفسه.
ونلاحظ هنا أنه حتى إن كان الضحايا في اسرائيل مدنيين، فان الجمهور العربي عموما يعبر عن ابتهاجه بهذه العملية بما انهم «يهود غاصبون وإن كانوا مدنيين»، أو على الاقل لا يعبر الجمهور عن غضب كبير، ولو كانوا أطفالا كما حصل في الحادثة التي سبقت الهجوم الاخير على غزة، او كانوا طلابا يتلقون علومهم الدينية داخل معبدهم الديني في القدس وتعرضوا للقتل من قبل شابين فلسطينيين كما حدث قبل اشهر.. وكان السلاح الساطور وليس السكين حتى..
العملية اذا في جوهرها، لا تتعلق بطريقة «القتل البشعة» كما يتخيل المتابع، بل هي تتعلق بهوية الضحية.
فالجمهور الذي يكن عداء كبيرا وكراهية لطائفة او جماعة ما، لا يكترث، عموما بالطريقة التي يتعرضون بها للقتل او الايذاء.. والفرق بين ما يحدث في فلسطين والعراق وسوريا، أن هناك اتفاقا شعبيا عربيا اسلاميا عاما على العداء للاسرائيليين، يعتمد في جذوره على بواعث دينية نمت بالصراع العربي الاسرائيلي في فلسطين، لكن هذا الجمهور العربي البعيد عن ساحة العراق وسوريا لم يستسغ للان تصنيف طائفة عربية ما لطائفة اخرى بانها معادية بالقدر الذي يسوغ تعرض ابنائها لاعمال الكراهية كما يهود اسرائيل. وهذا يعود ربما لآلية خلق اجواء التعايش، التي تصل لمرحلة انكار اي نزاعات ولو كانت عميقة مع طوائف الجوار، رغبة واملا في خلق بيئة يمكن من خلالها العيش بسلام.. لدرجة أن الوعي الجمعي العربي يحاول تأريخ بعض الحوادث الدامية بانها من اعمال اسرائيل او الامريكيين، رغم أن فاعليها هم من العرب، لكنها آلية انكار لازمة لخلق بيئة صالحة للعيش.. فمثلا ظلت مذبحة صبرا وشاتيلا في ذاكرة الكثيرين معلقة بشارون اكثر من فاعليها المباشرين، وظل كل طرف في العراق يتهم الاخر بانه عميل لايران او امريكا، رغبة منه ربما بنفي ضلوع شركاء الوطن والعيش التاريخيين باعمال القتل الطائفية بين الطرفين.
ولكن آلية الانكار من أجل التعايش وصلت لطريق مسدود امام غزارة الدماء وعمق النزاع، فبات ابناء تلك المناطق المأزومة أهليا، يعرفون هوية خصومهم شركاء أوطانهم الجغرافيين على الأقل، فبات اللبنانيون والعراقيون والسوريون يدركون شيئا فشيئا، ومع كل ازمة سياسية تقع، يدركون أن حجم الدماء والدمار الذي حل ببلدانهم مبعثه كراهية ولدتها نزاعات مع الشركاء.. اما الجمهور العربي فبحكم تكوين مجتمعاته البعيدة عن الانقسامات الطائفية الحادة، كما في العراق وسوريا ولبنان، فانه لم ولن يستشعر طبيعة العلاقة المأزومة في تلك البلدان، خصوصا أن الاعلام العربي الرسمي دأب على نفي أي نزاعات سوى النزاع مع العدو الصهيوني، و»لا صوت يعلو فرق صوت المعركة»، لذلك فإنه من الصعب على الجمهور العربي العام أن يتصور أن سجون الاسد اقسى وابشع الاف المرات من سجون اسرائيل، وان سجون صدام حسين كانت اقسى من سجون اسرائيل ايضا على اعضاء الاحزاب الشيعية وعلى أي معارض، وبعدها باتت هذه الانظمة المستبدة اكثر رحمة من اي ميليشيا طائفية تعتقل سجانيها. وهكذا فإن الجماعات المتشددة الطائفية في تلك البلدان، إن كانت شيعية او سنية او علوية او مارونية، تمارس اعمالا انتقامية غاية في الوحشية تفوق بدرجات ما يحصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وبين تلك الميليشيات ثارات لحروب دموية بين الطوائف وصل ضحاياها لمئات الالاف في السنوات الاخيرة، وما خلفته من ضغائن وما ايقظته من حساسيات تاريخية واحقاد نائمة تفوق مثيلاتها مع الاسرائيليين..
اذن بسبب هذا النزاع الدموي المعضد بقناعات عقائدية غائرة في القدم تناهز ايضا الموقف المعادي من اليهود.. ترى ميليشيات هذه الطوائف خصومها بدرجة الكراهية نفسها التي يراها الفلسطيني للاسرائيلي مبررا قتله بسكين، ومتباهيا بصورة السكين في رقبة الاسرائيلي في وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يصفه احد بـ»الداعشي»، ولا يرهق أحد نفسه بالتساؤل عن سبب نزوع هذا الشاب لعملية انتحارية كتلك التي يقوم بها الشاب الفلسطيني الوسيم الذي يظهر بصورة مستمتعا بحياته بلا أي ملامح فقر، ويلف رقبته بعقد من ذهب ولن يتصدى علماء النفس ومحللو الطبقية الاقتصادية والفقر لدراسة الظاهرة.
الجواب ببساطة أن النزاع مع الاسرائيليين هو الذي دفعه لذلك، المسألة واضحة بالنسبة لمعظم الجمهور العربي، لكنها لا تبدو حتى الان بهذا القدر نفسه من الوضوح بالنسبة للجمهور الغربي البعيد عن ادراك حدة ودموية الصراع في العراق وسوريا، عندما يتعلق الامر بانتحاري يفجر نفسه هناك او ينضم لتنظيم متطرف او ميليشيا، رغم أن العداء الطائفي هناك انتج نصف مليون قتيل في عشر سنوات وملايين المهجرين ومئات القرى المدمرة، وهي أرقام تفوق بأضعاف دموية النزاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يكفي أن عدد من قتلوا في سوريا حتى الان في هذا العام تجاوز بثلاثة اضعاف ما قتلته اسرائيل منذ نصف قرن.
في النهاية فان المتتبع للنزاعات يرى أن احتدام الاقتتال الاهلي يوصل كل طرف لمرحلة لا يكترث فيها بالضحايا من الطرف الاخر، فما بالك بطريقة القتل إن كانت بالسكين او بغيره فوحشية الحرب تدفع بالوعي الجمعي لكل طرف بان يصبح مجرد الانتماء لجماعة الخصوم مبررا للكراهية ومبطلا لاي تعاطف وان وصل الامر لقتل الابرياء.. وهذا ما اصطلح عليه باسم « القتل على الهوية».
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام