وبينما لا يزال العالم منشغلا بالـ(فيفا – غيت)، وهي متوالية فضائح عنقودية لا فضيحة واحدة وحسب، وبينما أتجهز لكتابة مقالي الأسبوعي مراجعا آخر الأخبار عبر الفضائيات والمواقع.
ترد الأنباء عن زيارة يقوم بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى منزل الأمير علي بن الحسين في خطوة مجاملة وتطييب خاطر ثقيلة العيار على خلفية تداعيات انتخابات الفيفا وما ارتكبه اللواء الركن المظلي الفطبولجي الأمني جبريل الرجوب «جبرين الرجوب حسب جواز السفر الأردني» من تصرفات تم حسابها في خانة إثارة الفتنة!!
وبعيدا عن تفاصيل ما حدث في الفيفا، وبعيدا عن إيماني الحقيقي بخسارة دولية حقيقية خسرها عالم الكرة بانسحاب الأمير المهذب من الإنتخابات، فإن ما يلفت الإنتباه هنا هو طريقة الرئيس الفلسطيني نفسه في معالجة الأزمة الأخيرة التي ارتكبها أحد مستخدميه من خلال اتباع سياسة الجاهات السياسية على الطريقة العشائرية.
إذا نجحت جاهة عباس و»والوجاهات» التي معه فإنني أدعو الرئيس إلى تثبيت تلك السياسة في الدبلوماسية الفلسطينية لمعالجة الأزمات كلها «وما أكثرها».
يمكن توجيه جاهة من وجوه القيادات السلطوية إلى نتنياهو مثلا، ووضع فنجان القهوة على الطاولة ويرفض الرئيس شرب القهوة إلا بعد تلبية طلبه المتمثل بوقف الإستيطان مثلا، وبلا شك، فإن نتنياهو لم يقبل بأن تبرد قهوته أو لا تشرب، فسيضطر للرضوخ لطلب الرئيس، مع اني أخشى أن يتسرع أحد أعضاء الوفد «جبريل الرجوب مثلا وحصرا» فيشرب الدلة بما فيها قبل أن ينطق الرئيس عباس بكلمة!!
دولار الرئيس السيسي
وكما خلق الله الكون كله في سبعة أيام، اتبع الرئيس السيسي منهجية «الدفع السباعي» في حل أزمة مصر في رمضان المقبل بأمره السامي بدفع سبعة جنيهات لكل مصري لكي يواجه أعباء الشهر الفضيل!!
السبعة جنيهات توازي دولارا واحدا تقريبا، يعني أن الهبة السيسية للمصريين هي دولار واحد في مواجهة ثلاثين يوما من الصوم واشتعال الأسعار الذي هو ماركة مسجلة لرمضان الفضيل في العالم العربي. و«هشتكنا وبشتكنا يا ريس»!
عرش أحلام الذي لا يراه غيرها
زمان عن أحلام والله.. والفنانة الخليجية التي لا ترى في الساحة سواها، والمشهورة بتغريداتها التوتيرية والتي أطلق عليها نيشان «البوست برودشكن» في توصيف يلخص استخدام أحلام لوسائل التواصل الإجتماعي، لا تزال تلك الملكة المتوجة نفسها على عرش لا تراه إلا هي، محبة لإثارة الجدل والعواصف من حولها، فها هي تهاجم زميلتها الكويتية نوال، في حرب كلما وضعت أوزارها اشتعلت من جديد.
الموضوع تافه، أدرك ذلك، لكن ما يؤلم هو أن أتون الحرب ووقودها آلاف من الشباب العربي المطحون في فراغ الوقت والعقل، ويهدر ساعات من وقته لا لإنتاج ما ينفع بل للدخول في مهاترات تملأ الفضاء الالكتروني، لتتلقفه فضائيات الستلايت ويكون حشوة ممتازة في ساعات بث نتلقاها في بيوتنا عبر برنامج «تاراتاتا» وحوار مع أحلام التي تتحفنا بتفاصيل استراتيجيتها العسكرية في تلك الحرب.
قراء «فيسبوك» بين إبن خلدون ومستغانمي
ولأني من متابعي شيخ القبيلة الزرقاء مارك زوكربيرغ، على الـ «فيسبوك»، وهو مؤسسه، فقد أثار انتباهي ما نشره هو شخصيا من أنه عاكف الآن على قراءة كتاب «مقدمة ابن خلدون»، وقد وضع تعريفا لعالم الإجتماع العربي الأشهر، يكشف عن وعي لما يقوله الرجل.
المقدمة، ومنذ بواكير شبابي وهي عندي بنسخة مطبوعة قديمة ومحققة، وكان بيني وبين الصفحة الخامسة عشرة أزمة تخطيها، فكلما قرأت الكتاب من بدايته أقف عند الصفحة 15 لأتعب أو أغفو أو أنام.
وكلما بدأت في القراءة من جديد، أضطر للعودة من البداية فأقف عند الصفحة 15، وهكذا إلى أن قررت أن أضغط على نفسي ذات رحلة في الطائرة وقد أخذت الكتاب معي، وقاومت كل التعب الذي داهمني عند الصفحة المسحورة، وأكملت للصفحة 16، ومن ثم تابعت قراءة الكتاب كله، حتى أتممته.
شيخ مشايخ القبيلة الـ «فيسبوكية» يقرأ المقدمة الآن، وهذا مبهج بقدر ما هو موجع حين نعرف أن أغلب رواد الـ «فيسبوك» من العرب جل قراءاتهم مقتطفات أحلام مستغانمي وأدبيات اللاجدوى ولا فائدة.. من عبارات تشبه مقاطع غنائية لأم كلثوم تواسي العشاق والحالمين.
ليفي المذعور كالفأر
وكان «ربيعيوس»، إله الثورات العربية الحديث، برنارد ليفي ضيفا في بلجيكا، ليلقي محاضرة، فاستقبله البلجيك والحضور الداعم للقضايا العربية بقوالب القشطة التي قذفوها على وجهه، وهو يهرب منهم في أرجاء الكنيسة التي اختارها مكانا لمحاضرته.
هناك وعي أوروبي شعبي بالقضايا العربية العادلة يفوق ما لدى الجمهور العربي نفسه في العالم العربي، وكلما شاركنا في مسيرة أو فعالية تناصر القضية الفلسطينية مثلا، نجد الناشطين الأوروبيين أكثرنا حماسا وراديكالية في الأفكار.
ليفي، الذي تلقى القشطة على وجهه إحتجاجا، كان غاضبا من هذا الإستقبال المهين، وربما يعمل على تعويض نفسي بترتيب زيارة لأي دولة عربية ساهم في تدميرها ليتلقى استقبال الأبطال المحررين!
من وحي الحرب الدينية هذه الأيام
من بعد متابعة الفضائيات العربية، التي نسيت كل شي إلا نبش التاريخ البغيض والتمترس خلفه، ومن بعد قراءة متعمقة في بعض كتب التاريخ، بدءا بالطبري وليس انتهاء بالمسعودي وإبن كثير، أجدني أمام رؤية بانورامية ملخصة وشخصية مفادها:
تم اغتيال عثمان بن عفان، وصار قميصه عند معاوية.. سببا للفرقة والخلاف والفتنة.
حمل معاوية القميص مطالبا بالثأر للدم الأموي .. وعلي بن أبي طالب يحاول لملمة القضية وتقييدها ضد مجهول.. والسير بأمور الدولة.
بعد قصة الخاتم وعمرو بن العاص حين استغفل الأشعري… في أذرح المعانية، يتم إحباط عملية اغتيال معاوية وابن العاص، بينما ينجح ابن ملجم في قتل علي في الكوفة، وهو يصرخ بكل إيمان (إن الحكم لله)!!
يستلم معاوية السلطة في دمشق، ويقرر أن يورث الحكم ليزيد ابنه وابن ميسون بنت بحدل، ويستلم يزيد السلطة ويقتل الحسين ويؤكد وهو يلعب برأسه أن القصة قبلية بين هاشم التي لعبت بالملك، كما يقول وبينه وقد أخذ بثأر أمية منهم. (مستطردا أن لا وحي جاء ولا خبر نزل).
عبدالله بن الزبير….يخرج على يزيد بعد أن بايعه، ويطالب بالسلطة والثأر معا، فيقف في وجهه جيش ليزيد يقوده أخو عبدالله، عمرو بن الزبير، وينهزم عمرو ويقتله قصاصا أخوه ما غيره عبدالله.. ومن ثم ينهزم عبدالله ابن الزبير نفسه.
يستكين الدم ويكمن تحت الرماد لفترات من الزمن .. في العصور التالية.. لكنه لا يتوقف عن السيلان.. منذ أول بقعة منه سالت على قميص عثمان (يقال إن أول بقعة منه على القميص كانت حين قام ابن أبي بكر الصديق بضرب عثمان)!
واليوم.. في القرن الحادي والعشرين.. يشتعل الدم من جديد على القصة نفسها!
لقد تأخر اختراع «الدراي كلين» كثيرا.. لينقذ القميص والأمة من خيط الدم الواهم الذي لا ينقطع.
كاتب وإعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة