بين المسألة الديمقراطية والمسألة التعليمية

حجم الخط
0

« لقد كان التعاطي مع ملف التعليم والفقر في المغرب تعاطيا تكنوقراطيا صرفا، وعرف هذان الملفان تعثرا بينا رغم كل الجهود التي بذلت وتبذل.. و لكن ألا يبدو أن من أسباب التعثر: السعي إلى صب الواقع في قوالب جاهزة و عدم ربط التعليم بمنظومة أخلاق و ثقافة المجتمع؟
ليست المسألة هينة أو سهلة، و لكن أليس اعتماد مقاربات كمية سواء فيما يتعلق بعدد المتمدرسين وعدد الأساتذة و المنقطعين يحجب نوعية التعليم الذي يراد تلقينه والذي يغيب وسط جلبة من الأرقام.. ما معنى أن ندفع بجودة التعليم كما لو أنه بضاعة؟
إن المنهج التقنوي الجاف هو عنوان إخفاقاتنا في المسلسلات الإصلاحية التعليمية. فالتردد في تحديد أي تلميذ/طالب نريد اليوم ؟ و بالتالي: أي مجتمع نريد في الغد القريب؟ هو أم المزالق و المشكلات. و لا شك أن الهروب من السؤال الحقيقي الذي يطرح البعد الكيفي والاستعاضة عنه بالغرق في المقاربات الكمية باعتماد النهج التقني في التعاطي مع هذا الملف الساخن: راجع أساسا إلى درجة حرارة المسألة الديمقراطية في هذا الوطن.
فإذا حسمنا فعلا في الاختيار الديمقراطي وكنا نطمح حقا لمجتمع ديمقراطي قوامه إنسان متحرر من كل ألوان الوصاية والاستلاب، متمتع بكرامة إنسانية وقدرة مُقَدرة على التمييز والاختيار بين الخطوط والتوجهات، إنسان يجيد لغتين: لغة «لا» إلى جانب لغة «نعم». فالسياسة التعليمية ستتجه رأسا نحو هذا المثال المنشود و ستُمكن التلميذ من الاطلاع على: مختلف الأفكار وتاريخها، أهم الفلسفات ومراميها، رسالة الحركات الاجتماعية والسياسية وشعاراتها، التحولات الجارية وما تحمله في أحشائها، فلسفة العلوم و تاريخها و كدح الإنسانية الطويل الساعي للتحرر من كل أوهاق الطغيان والاستعباد و الاستبداد.. هكذا بهذه المعرفة و الرؤية الشاملة –التي من الواجب تغذيتها بالمطالعة الحرة- بإمكان التلميذ أن يكون مواطنا حرا كريما قادرا على الاختيار والإسهام في الرقي و البناء عصيا على مساعي المغالطة و الاستغفال.
أما إذا كان التردد حليف المسألة الديمقراطية ببلداننا؛ فأكيد أن التخبط سيلازم تناولنا للمسألة التعليمية، و لتغطية الشمس بالغربال سنَضيع – ونُضَيع معنا الأجيال- مرة أخرى ومرات وسط جلبة الأرقام – نبقى أسرى المقاربة التقنوية: نحصي عدد الأساتذة والمتمدرسين وعدد المقاعد.. ونقوم باستدعاء الاختيار التكنوقراطي؛ حيث ننتج كائنات بشرية تجيد لغة واحدة هي المدح والتصفيق، تعيش من أجل اللهث وراء المادة وتنسى الحرية والكرامة، لا تحلم نهائيا بحياة أخرى خارج نسق سدنة التحكم وأباطرة الفساد والاستبداد، تعدم حس التساؤل ناهيك عن إحساس التطلع لمحاسبة المسؤول و ممارسة الدور الرقابي في البرلمان بالشكل المطلوب.
إن المسألة التعليمية والمسألة الديمقراطية بينهما ارتباط وثيق؛ فإما الاختيار الديمقراطي حيث نوجه التعليم نحو تأهيل إنسان حر كريم عميق الانشداد إلى هويته الأصيلة و تربته المغربية العزيزة و ملتحم بشدة بأسئلة التحولات الجارية. و إما الاختيار التكنوقراطي حيث تكون عملية التعليم ماثلة نحو تخريج كائن بشري كفء –نعم- لكن قابل ليعيش الضيم في ظل مناخ التحكم و الاستلاب و الاستبداد.

أيوب بوغضن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية