وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، كلف نفسه للمرة الرابعة في هذه السنة عناء الذهاب إلى روسيا للثرثرة مع الرئيس بوتين حول الوضع في سوريا. الأنفاس لم تعد تُحبس عند حدوث لقاءات كهذه، والتي لم تحقق أي شيء حتى الآن، باستثناء تعزيز روسيا وزيادة تأثيرها في المعارك التي تستمر منذ أكثر من خمس سنوات. ولكن «المراقبين» وعدوا بخطوة جديدة من شأنها أن تُحدث الانقلاب في العملية السياسية المجمدة.
يبدو أن عدد القتلى لا يهم سوى المواقع التي تهتم بموضوع الجثث. وبعد خارطة التقدم أو انسحاب القوى المتصارعة يجب أن تكون متابعة يومية من اجل ملاحظة أي تغيير بسيط يحدث فيها. على سبيل المثال، مدينة حلب التي ثارت عاصفة دولية بسبب المعارك ضدها منذ بضعة أشهر، تحترق بنار قصف الجيش السوري وطائرات سلاح الجو الروسية، على الرغم من اتفاق وقف اطلاق النار. هناك حوالي 350 ألف شخص يتم حصارهم في شرقي المدينة. وقوافل المساعدات الانسانية لا تنجح في الوصول اليهم. مجلس قوات المتمردين، الذي يدير الجزء الشرقي، طلب من المواطنين تخزين ما يمكنهم تخزينه من اجل «المعركة الكبرى»، التي ليس واضحا إذا كانت ستحدث أصلا، أم أن المدينة ستتعرض لحصار قاتل مدة اشهر طويلة.
وحسب تقارير غربية، الولايات المتحدة على استعداد لاشراك روسيا في المعلومات وفي تنسيق القصف الجوي. وليس جميع من في الادارة الأمريكية يؤيدون هذه الخطوة لأنها ستمنح روسيا معلومات هامة عن مواقع قيادات المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة. ولكن النية هي ابعاد احدى العقبات الكبيرة من طريق استئناف المفاوضات: بعد أن تبين أن روسيا تستغل الاتفاق مع الولايات المتحدة لقصف مواقع المتمردين، بادعاء أن الحديث يدور عن مواقع جبهة النصرة، يأملون في الولايات المتحدة أن يعمل اشراك روسيا في المعلومات على افساح المجال للطلب منها ضبط نفسها واستهداف «الإرهابيين» كما تعرفهم فقط. واذا تم التوصل إلى اتفاق حول هذا الامر فان من شأنه اعادة المتمردين إلى طاولة المفاوضات.
الامم المتحدة المسؤولة عن تطبيق الاتفاق واجراء المفاوضات التي يفترض أن تنتج عنها حكومة سورية مؤقتة، استسلمت ورفعت يديها. وقد وجه مبعوث الأمم المتحدة، ستيفن دي مستورا، اللوم في الاسبوع الماضي لروسيا والولايات المتحدة. وقد شعرت روسيا بالاهانة فقامت بتوبيخ دي مستورا بلغة دبلوماسية لأنه لم يكن من المناسب اتهام المتمردين بهذا الامر. ولكن دي مستورا لم يتراجع وقال: «في ظل الظروف الحالية لا حاجة إلى عقد مؤتمر المفاوضات».
هذه «الظروف الحالية» تشمل ايضا رفض روسيا الضغط على بشار الاسد وتمييز الولايات المتحدة بين التنظيمات الإرهابية وتنظيمات المتمردين الشرعيين.
وحسب رأي دي مستورا، داعش وجبهة النصرة هما فقط المنظمتان الإرهابيتان اللتان يجب محاربتهما. وأي اضافة إلى هذه القائمة من شأنها أن تعزز موقف المنظمات المعارضة ضد المفاوضات. ولكن ليس لدى دي مستورا أي طريقة لاقناع القوى العظمى بالتوصل إلى تفاهمات. واضافة إلى منع اجراء المفاوضات، تكمن هنا مفارقة المفاوضات السياسية. فمن اجل استئنافها يجب تأخيرها إلى أن تنشيء القوى العظمى الظروف لاستئنافها.
إن من يبحث عن تشابه بين المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية يقوم بفعل ذلك على مسؤوليته الشخصية فقط. ولكن مثل سوريا، هنا ايضا يشكل تأجيل المفاوضات رافعة لإبعاد الشروط المسبقة للمفاوضات. بينما يستمر الطرف الاقوى في هذه الاثناء في فرض الحقائق على الارض.
في السياق يتضح إلى أي حد هناك فرق بين الازمة السورية وبين محاربة داعش. فهما حربان منفصلتان، لأن الانتصار أو الهزيمة في أي منهما لن يؤثرا على الأخرى. صحيح أن داعش قد خسر مناطق كان يسيطر عليها في سوريا وهو يتعرض للقصف الجوي الأمريكي والروسي والاكراد في شمال سوريا يشاركون ايضا بشكل ما في المعارك، إلا أن هذه الحرب لا تؤثر على حصار حلب أو الهجمات في محيط دمشق أو المعارك في منطقة اللاذقية أو على سيطرة داعش وجبهة النصر على مخيم اليرموك للاجئين.
إن هذه ليست معركة أدوات متداخلة، حيث زيادة قوة المتمردين أو الاسد تؤثر على داعش، بل العكس، ففي الوقت الذي تعتبر فيه الحرب ضد داعش حربا دولية وتبرر حتى ارسال قوات غربية برية، ما زالت الحرب في سوريا بين النظام والمتمردين تعتبر ازمة سياسية داخلية. ازمة خطيرة تزرع القتل والمعاناة، ولكن ليس إلى درجة تهديد أمن القوى العظمى، طالما أن عملية تقليل حركة اللاجئين من الشرق الاوسط إلى اوروبا ناجعة.
عن هذا الفصل بين المعركتين، تعلم آلاف المعلمين في سوريا على جلودهم. فحتى الآونة الاخيرة كانوا تحت إمرة داعش. ومع انسحاب التنظيم من بعض المواقع، أمرت الحكومة السورية باعتقال هؤلاء المعلمين ومحاكمتهم بتهمة التعاون والانحراف عن الجهاز التعليمي السوري، رغم أنه من الواضح أنه لم يكن أمامهم أي خيار. فمعارضة داعش تعني موتهم. ولكن من يقلق على مصير هؤلاء المعلمين عندما يتعانق جون كيري وفلادمير بوتين في موسكو.
هآرتس 19/7/2016