موشيه شاريت، وزير الخارجية الاول ورئيس الوزراء الثاني لاسرائيل، والذي مرت قبل اسبوعين الذكرى الخمسين لوفاته، ليس أب الفكر السياسي المعتدل كما يميل الناس إلى الاعتقاد. فقد سبقه بنحو 2000 سنة الحاخام يوحنان بن زكاي، من عظماء المفكرين عشية خراب البيت الثاني، والذي تحل ذكراه يوم الاحد المقبل.
تروي احدى اساطير الخراب عن الحاخام يوحنان الواقعي المعتدل، الذي عقب الحصار الطويل الذي ضربه الرومان على القدس، الفقر والجوع الشديدين والانفلات الذي عربد في المدينة، يتوقع النهاية المريرة ويقرر بان عليه ان يخرج من القدس ويقيم مركزا روحانيا ـ توراتيا في مكان آخر، وهكذا «سيكون ممكنا انقاذ موفور» (أي القليل الممكن).
بمشورة ابن اخيه، آبا سيكرا، رئيس زعران القدس، «الفاميليا» (المافيا) في حينه، يتنكر في صورة ميت ويخرجه تلاميذه في تابوت للدفن خارج الاسوار. وهكذا يصل إلى وزير الجيش أسفسينوس الذي يحاصر جيشه القدس. وبعد تبادل للحديث بينهما، في اثنائه يتنبأ الحاخام يوحنان للقائد الروماني بانه سيكون ملكا ـ النبوءة التي تتحقق في اثناء لقائمها ـ يعرض عليه أسفسينوس: «اطلب مني شيئا واعطيك اياه».
لا يطلب الحاخام يوحنان في لحظة الكرم هذه وقف الحصار على القدس او الغذاء للمدينة، ولا حتى الوعد بعدم هدم الهيكل، بل «اعطني يفنه وأكنافها». وجهته باتت نحو المستقبل. فهو يتخلى عن القدس، يحصل على يفنه ويؤسس فيها مركز توراة بديل ورائد. وحتى السنهادرين (مجلس الحكماء الديني) يستقر هناك بعد الخراب وتصبح المدينة العاصمة الروحانية لشعب اسرائيل.
لم يستطب كل حكماء اسرائيل الخطوة المعتدلة «الحمائمية» للحاخام يوحنان. الحاخام عكيفا (وحسب رواية اخرى الحاخام يوسيف)، النقيض للحاخام يوحنان من ناحية الفكر الوطني و «الصقر» بتعابير عصرنا، والذي يؤيد لاحقا ثورة بار كوخبا، ولكن يدعو عليه، على عظيم الجيل، الاية الضارة من سفر يشعياهو: «معيد الحكماء إلى الوراء يعاني موقفهم». ولكن التلمود يدافع عن الحاخام يوحنان الذي طلب ما اعتقد ان هناك احتمال بان يحصل عليه وليس هناك أي احتمال بان يحققه.
إذن ها نحن، وصلنا إلى الديار، إلى عصرنا هذا. ها هو الفهم المتعصب لكل شيء أو لا شيء مقابل الفهم الواقعي، المتوازن، لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أجل البناء عليه انبعاث متجدد. ذكرنا موشيه شاريت. لن نظلم دافيد بن غوريون النزاع إلى الفعل. فما فعله في 1947، حين قاد نحو الموافقة على تقسيم البلاد مقابل اولئك الذين طالبوا بكل شيء فقط، هو تكرار اثبت نفسه لفعل الحاخام يوحنان. وهذا الفهم صحيح اليوم ايضا مقابل حاملي علم بلاد اسرائيل الكاملة بكل ثمن.
اليوم هناك من سيسمي الحاخام يوحنان محبا للسلام وهناك من سيسميه انهزامي. فهو لم يؤمن بالتزمت وبنجاح الثوار ضد الرومان وأمام الوضع الصعب في القدس المحاصرة تساءل: «الناس الذين يأكلون التبن ويشربون البول هل يمكنهم ان يصمدوا في وجه جيوش أسفسينوس؟» وقد تنبأ في وقت سابق جدا بالخراب.
ويروي التلمود انه قبل أربعين سنة من خراب الهيكل كانت بوابات الهيكل تفتح من تلقاء ذاتها، كاشارة على انفتاحها أمام العدو في المستقبل، إلى أن وبخها الحاخام يوحنان بن زكاي قائلا: «ايها الهيكل، امام ماذا تهين نفسك؟ أعرف انك نهايتك الخراب».
مثل هذه التساؤلات والنبوءات، لا غرو أنه خرج «لحديث السلام» مع أسفسينوس، وأخمن بان المعقبين في حينه وصفوه باليساري، ان لم يكن أدنى من ذلك.
معاريف 22/7/2015
أبراهام تيروش