يوجِد القاموس السياسي المغربي والعربي، بين الفينة والأخرى مصطلحات جديدة تتصل بواقع قيد التحول. فمن الربيع العربي مرورا بـ 20 شباط/فبراير، وحراك الريف، إلى الزلزال السياسي نحن أمام صيرورة من التفاعلات والتجاذبات الدالة على مراوحة المكان. وكلما كان الخروج من حلقة، نجد أنفسنا نعود إليها، وقد اتخذت شكلا آخر. تتغير الدوال لكن المدلول في العمق واحد. جاء الربيع العربي في العديد من البلاد العربية ليقول: كفى لتاريخ طويل من القمع والفساد، وغياب الديمقراطية والحرية وكرامة المواطن. تفاعلت معه كل الدول العربية بحسب صيرورتها الخاصة، وطبيعة الحكم والنظام فيها. وكان «الاستثناء المغربي» دالا على رغبة كبيرة في التجاوز: تجاوز حمامات الدم، والفوضى واستمرار الوضع القائم. جاء الخطاب الملكي في 9 اذار/مارس محفزا للخروج من الحلقة المفرغة، وفاتحا مجالات جديدة لآفاق جديدة. فتنفس المغاربة الصعداء، وهم يرون بأم أعينهم ما طرأ في تونس ومصر، وليبيا، وسوريا واليمن. تغير الدستور، وأجريت الانتخابات التي كانت لفائدة الإسلاميين.
وجد المجتمع السياسي نفسه في وضع دونكيشوتي أمام التحولات المتلاحقة، ولم يستطع دخول حقبة جديدة، بوعي جديد. فلم تكن النتيجة غير إفساد الواقع السياسي بدل تخليقه وتطويره. لم يكن الوعي السياسي ليرتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية الجديدة، وظل يستعمل الأسلحة القديمة، والممارسات التقليدية في العمل السياسي وخاصة بعد التناوب التوافقي الذي كان من بين نتائجه الخطيرة: التعويل على السلطة، والقطيعة مع الشعب، واختزال السياسة في الخروج فقط من أجل صناديق الاقتراع. فصارت الأحزاب وكالات للانتخابات لا مدارس لتأطير المواطنين ورفع مستوى الوعي الديمقراطي. وبعد تشكيل حكومة بنكيران الأولى بدل أن يتوجه العمل نحو فتح الورشات الكبرى لتحقيق مطالب الشعب في 20 شباط/فبراير، شرع الصراع بين الكتل السياسية على أشده، وكل يحاول فت عضد الآخر، في انتظار جولة أخرى من الانتخابات تغير الموازين.
كان الشعب يتابع المباريات الشعبوية بين الأحزاب سواء في الحكومة أو في المجالس البلدية والقروية، وهو يرى أن وضعه الاجتماعي والاقتصادي في تراجع متواصل، ويتابع ملفات الفساد التي تبزغ بين الفينة والأخرى، وتزايد الريع، واستفادة خدام الدولة، من جهة. كما أن بات يعاني من غياب الأمن حتى بات التوجس من الشماكرية يطال الجميع، من جهة ثانية. وفي الوقت نفسه يسمع عن مشاريع اقتصادية عملاقة من منــارة المتوســـط إلى مدينة الأنوار، مرورا بالقطار فائق الــســـرعة، والانفتاح على إفريقيا والاستثمار فيها، وتصورات جديدة عن المغرب الأخضر، من جهة ثالثة.
أدت الدونكيشوتية السياسية في الانتخابات الموالية إلى هيمنة الإسلاميين وتراجع فظيع للقوى السياسية التقليدية التي ظلت تحتل المشهد السياسي في المغرب منذ الاستقلال. وأدى تعطيل تشكيل الحكومة لمدة طويلة بسبب الفراغ السياسي إلى تعيين العثماني في وقت كانت البلاد قد انجرت إلى انحدار تمثل في تزايد المطالب الاجتماعية أمام الفراغ وهيمنة الفساد. وكما جاءت ثورة ياسمين في تونس على إثر الحدث ـ الشرارة، جاء حراك الريف على إثر حادثة بائع السمك. واستمر الاحتجاج، وبدأت الاحتجاجات تستعر في مناطق أخرى للتعبير على أن هذا الحراك ليس ريفيا وجهويا، ولكنه ذو بعد شعبي ووطني. وأن الإهمال وعدم تحقيق المطالب الشعبية يتصل بالمغرب برمته.
لم تكن الأحزاب المغربية بمختلف ألوانها وأطيافها في مستوى هذا الحراك. وأنى لها ذلك، وقد صار هاجسها الجوهري والوحيد هو بلوغ السلطة والاستفادة منها. بل أدت التصريحات المجانية ضد الحراك إلى صب المزيد من الزيت، فكانت الاعتقالات والمحاكمات. وبات السؤال المركزي الذي يشغل الحس العام يتعلق بالمستقبل: هل نحن أمام استعادة سنوات الرصاص؟ أم تأكيد الاستثناء المغربي؟ لكن كيف، والأحزاب التي يمكنها أن تلعب الدور الطبيعي في تجاوز إكراهات التحول تعاني من فقدان الثقة، وتتكالب على السلطة؟ وكان انتظار كلمة الملك.
كما فتح خطاب 9 آذار/مارس بعد أحداث 20 شباط/فبراير آمالا عريضة للمستقبل، جاءت الخطب الملكية بعد حراك الريف لتعيد الأمور إلى نصابها، وتحمل الأحزاب، وكل المسؤولين تبعات ما جرى. كان ذلك أولا في خطاب افتتاح السنة التشريعية لهذه السنة والذي ورد فيها استعمال «الزلزال السياسي»، وكان عنوانه الأكبر: «ربط المسؤولية بالمحاسبة». وتمثل هذا الزلزال السياسي، ثانيا، يوم الثلاثاء 24 تشرين الأول/أكتوبر في إعفاء أربعة من الوزراء من مهامهم الحالية، من جهة، ووضع حد لتحمل المسؤولية لأربعة وزراء آخرين من الحكومة السابقة، على إثر الاطلاع على تقرير رئيس المجلس الأعلى للحسابات الذي كشف اختلالات في تدبير برنامج الحسيمة «منارة المتوسط»، وكذلك في قطاعات الداخلية والسكنى والتعليم والسياحة والبيئة والماء والكهرباء.
لم يكن أمام الحس العام والمشترك إلا أن يبتهج بهذا الزلزال السياسي، ويرى فيه مبادرة لتأكيد «الاستثناء المغربي». ويتطلع الجميع إلى أن يشمل هذا الزلزال كل من ساهم في إفساد التجربة الديمقراطية المغربية، وعطل مختلف المشاريع التنموية، من جهة، وألا تكون المحاسبة عبارة فقط عن جواب لحظي يتعلق بالسؤال عن أسباب حراك الريف من خلال التحقيق في تعطيل المشاريع، أو الإخلال بالمسؤولية. يمكن للمحاسبة أن تصبح هي القاعدة اليومية في كل السلوكات والممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية، سواء تعلقت بتدبير شؤون القطاعات أو المناطق.
هل لنا أن نقول إننا ندخل مرحلة، أو حلقة جديدة من التحول عنوانها الأكبر: «المحاسبة»؟ لقد تم تغييب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولم يكن لذلك من آثار غير استفحال صور الفساد، وعدم الوفاء بالالتزامات، وتضييع مصالح الوطن والمواطنين. باتت الآثار بادية في مختلف جوانب الحياة حتى أنها مست المواطن في أبسط مظاهر حياته، وبدأت تنتشر الظواهر الاجتماعية التي لا تليق بالمغرب ولا المغاربة جراء السياسات التي لا تهتم بالقضايا المصيرية للوطن، والتي لا تعمل إلا على استنزاف خيرات البلاد، وجرها إلى الهاوية. إن على البرلماني الذي يناقش في الامتيازات وتقاعده جدير بأن يحاسب على منجزاته وما قدمه لمنتخبيه في تقارير مفصلة وملموسة على أرض الواقع. كما أن على أمين الحزب أن يقدم للرأي العام حصيلة توليه المسؤولية، ليس فقط أمام أتباعه، ولكن أمام الشعب المغربي، وكذلك يحاسب المسؤول عن تأخر القطار، وقس على ذلك.
إن المحاسبة الشاملة للجمعيات والنقابات والأحزاب والمؤسسات العامة والخاصة والإدارات المختلفة ضرورية لإعادة الثقة، وممارسة الشفافية. لقد بات التواطؤ على الصمت، والاستهتار بالمسؤولية، والتغطية على الفساد ظاهرة تتسع جوانبها لتشمل مختلف مرافق الحياة العامة. كما أن تشكيل اللوبيات التي لا تعمل إلا لتحقيق مصالحها الخاصة لا يمكن إلا أن تتولد عنه عزلة الشرفاء من المواطنين، ويبقى المجال مفتوحا للمفسدين يعيثون في الأرض الفساد. ولم يكن من تداعيات ذلك غير جر المجتمع إلى الهاوية.
لقد أفرغت مختلف المؤسسات والإدارات من محتواها الحقيقي المتمثل في السهر على خدمة المواطنين. وباتت ثقافة «التبرير» و»الاستهتار بالمسؤولية»، و»لعبة التستر» هي السلوك السائد. وبدون ممارسة النقد والنقد الذاتي، والوعي بأهمية الحكامة في التدبير، وممارسة المحاسبة الصارمة، والمتابعة الدائمة، والتربية على تحمل المسؤولية لا يمكننا تجاوز تركات عقود من التسيب والفوضى. المحاسبة مسؤولية الجميع، فهل نحن في مستوى المسؤولية؟
كاتب مغربي
سعيد يقطين