بين حركتين قوميتين

حجم الخط
1

على ضوء الجمود في المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين بدأت تُسمع من جديد في إسرائيل وفي الخارج اصوات تطلب من واشنطن أخذ زمام الامور في هذا الموضوع، والضغط على الطرفين لاستئناف المفاوضات. حسب هذا الرأي فان مفتاح الحل يوجد لدى الولايات المتحدة، وخصوصا في يد الرئيس باراك اوباما، وعليه استخدام ذلك. لكن هذا خطأ كبير.
في جميع الصراعات القومية في السنوات الاخيرة ـ قبرص، كوسوفو، البوسنا ـ لم تنجح الولايات المتحدة، رغم الجهود الكبيرة، في التوصل إلى اتفاقات سلام مقبولة على الاطراف. ويتبين أنه رغم قوتها الكبيرة، إلا أنها ليست كبيرة بما يكفي كي تدفع الاطراف للتوصل إلى اتفاق.
هذا ينطبق ايضا على الصراع الإسرائيلي العربي منذ عشرات السنين. الولايات المتحدة قادرة على لعب دور حيوي فقط في حالتين ـ عند حدوث حرب حقيقية أو العكس، أي عندما يكون الطرفان يجريان حوارات ناجحة لكنهما يجدا صعوبة في التوصل إلى النقطة النهائية. حينها يكون التدخل الأمريكي من اجل التغلب على العقبات النهائية. وفي ظل عدم وجود أحد هذه الشروط، تفشل جميع المحاولات الأمريكية.
لنختبر السيناريوهان. في البداية كيف تنجح الولايات المتحدة في وقف الحروب أو منع التدهور:
٭ في 1956 دفع الموقف الأمريكي المتشدد إلى انسحاب إسرائيل من سيناء ومن قطاع غزة، ومنع التدخل العسكري السوفييتي، وساهم في تحقيق اتفاق نزع السلاح من سيناء، الامر الذي صمد حتى 1967.
٭ في عام 1973 كبحت الولايات المتحدة في نهاية حرب يوم الغفران محاصرة الجيش المصري الثالث من قبل الجيش الإسرائيلي لمنع انتصار إسرائيلي ساحق، وهذا ادى إلى اتفاق فصل القوات مع مصر وسوريا.
٭ في 1982 بعد قتل الرئيس بشير الجميل من قبل السوريين منعت الولايات المتحدة دخول القوات الإسرائيلية إلى غرب بيروت لأن كان من شأن ذلك توسيع دائرة الحرب.
٭ في 1991 في حرب الخليج الاولى منعت الولايات المتحدة إسرائيل من مهاجمة بنية الصواريخ العراقية لان ذلك سيضعضع التحالف الأمريكي العربي ضد صدام حسين. في كل حالة من هذه الحالات استطاعت الولايات المتحدة وقف القتال بشكل فوري حيث كان يكفي طلب أمريكي قاطع من إسرائيل لوقف القتال او الامتناع عن خطوة عسكرية بعيدة المدى. وكان باستطاعة الأمريكيين التاكد فورا من تحقق مطلبهم. لم يكن الحديث عن عملية طويلة المدى او تحقيق اتفاق شامل بل وقف فوري يمكن تطبيقه بسهولة.
سأناقش الان السيناريو الاخر ـ حيث تجري الاطراف مفاوضات ناجحة لكنها عالقة في مراحلها الاخيرة.
٭ هذا ما حدث في اعقاب زيارة السادات إلى القدس في 1977. لم تبادر الولايات المتحدة لهذه الزيارة التاريخية، بل العكس. فالرئيس جيمي كارتر ومستشاره جوجنسكي كانا متفاجئين من زيارة السادات وخشيا من انهيار التوازن الهش الذي انبثق بعد حرب يوم الغفران وخطتهم لاتفاق شامل بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي. وفيما بعد ايدت الولايات المتحدة الخطوة وخلال اكثر من عام جرت مفاوضات بين إسرائيل ومصر حيث توصلت الاطراف إلى اتفاق على اغلبية المواضيع لكن بقي عدد منها لم يتغلبا عليها. عندها، عندها فقط، استدعى الرئيس كارتر السادات وبيغن إلى كامب ديفيد ومن خلال الاستخدام الحكيم للعصا والجزرة نجح في حل المواضيع العالقة.
٭ مساهمة أمريكية مشابهة كانت في المفاوضات بين إسرائيل وم.ت.ف في 1993. هنا ايضا لم تكن المبادرة للمفاوضات أمريكية، وفي مرحلة معينة غضبت الولايات المتحدة من إسرائيل حيث لم تطلعها على السر. معظم المواضيع تم الاتفاق عليها في اوسلو بين حكومة اسحق رابين وقيادة م.ت.ف برئاسة ياسر عرفات. وهنا ايضا بقيت عدة مواضيع مفتوحة وعندها استدعى الرئيس كلينتون رابين وبيرس وعرفات إلى واشنطن وهناك استكمل الاتفاق ووقع في البيت الأبيض.
في الحالتين لم تكن المبادرة للمفاوضات أمريكية بل جاءت من الزعماء المحليين، وفي الحالتين دفع زعماء الطرفين ثمنا سياسيا باهظا بسبب المفاوضات ومع ذلك فقد احتاجوا إلى الدفعة الأمريكية النهائية للتوصل إلى الاتفاق.
فقط في ظل هذين السيناريوهين ـ الحرب أو المفاوضات ـ لعبت الولايات المتحدة دورا حيويا ومهما: وقف فوري للحرب أو سد فجوات في المفاوضات الثنائية التي علقت قبل نهايتها. وعند غياب هذين الشرطين فان جميع المحاولات الأمريكية للتوصل إلى اتفاق فشلت: بدء من مبادرات روجرز وخطته ومرورا بمؤتمر مدريد وانتهاء بكامب ديفيد، أنابوليس ومحاولات اوباما وكيري الفاشلة. عند عدم حدوث الحرب أو عدم وجود الرغبة عند الطرفين أو أحدهما أو القوة السياسية للتوصل إلى اتفاق، فان محاولات الولايات المتحدة تفشل.
هذه الدروس ترتبط بالاستنتاجات التي طرحتها في مقالي «بين حركتين وطنيتين» (هآرتس، 27/9): التفكير بان الولايات المتحدة قادرة على ايجاد حل للنزاع هو وهم، وبالتالي فان المسؤولية عن الحل ملقاة علينا. احد العوائق لاستيعاب هذا الوعي يرتبط في أن قسما من الجمهور المعتدل في إسرائيل ـ القادر على أن يكون بديلا لحكومة اليمين الحالية ـ يتسلى بالعاب «يخيل لي»: ماذا كنا سنفعل لو كنا نحن الحكومة. ولكن على رأس حكومة إسرائيل يقف بنيامين نتنياهو ولاسفي فان الافتراض بان حكومته ستسقط لتوها هو وهم. وهم مشابه ينطوي على اقوال المعارضة وقادتها في أن كل ما ينبغي عمله هو العودة إلى طاولة المفاوضات، وعندها، بدعم أمريكي، سيتحقق اتفاق. حتى لو استؤنفت المفاوضات ـ فهل يتصور احد ما أن يقترح نتنياهو على الفلسطينيين أكثر مما اقترحه عليهم ايهود باراك وايهود اولمرت ـ الاقتراحات التي رفضوها؟.
على المعارضة أن تنطلق إلى صراع ضد سياسة الحكومة في الموضوع الاهم: المطالبة بالوقف التام، بلا أي شروط، لكل بناء في المستوطنات كي لا تضاف المزيد من المصاعب على المفاوضات، إذا ما وعندما تبدأ. الحقيقة الوحشية هي ان ليس للمعسكر الصهيوني الشجاعة السياسية ليقول مثل هذا الامر خشية ان يضره انتخابيا. في المدى القصير، يبدو أن هذا صحيح، غير أنه ليس من المتوقع أن تكون انتخابات في الزمن القريب. ينبغي للمعارضة أن تقترح سياسة بديلة تمنع تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية.
يمكن حتى المبادرة ـ ربما بدعم يهود الشتات ـ إلى خطة سخية تتعلق بالاخلاء ـ التعويض للمستوطنين في الضفة الغربية ممن يبدون الاستعداد للعودة إلى إسرائيل في حدود الخط الاخضر. لقد نجح اليمين الإسرائيلي في تجنيد متبرعين يهود من أرجاء العالم لتوسيع المستوطنات وشراء المباني والاراضي في شرقي القدس.
فلماذا لا يسير اليسار في هذا الطريق ويجند المعتدلين من أوساط يهود الشتات كي يفعل شيئا ملموسا ـ وليس فقط يطلق الاعلانات ـ للدفع إلى الامام بسياسة بديلة على اساس ذي صلة؟ ربما حتى جي ستريت يمكنها أن تساعد في ذلك في شيء ايجابي ولا تعمل فقط على انتقاد سياسة إسرائيل.
تعالوا نتصور ماذا سيحصل لو قال اسحق هرتسوغ الامور التالية: «كرئيس وزراء سأوقف كل بناء في المستوطنات؛ كرئيس وزراء سأخلي البؤر الاستيطانية غير القانونية، كما تعهدت بعمل ذلك الحكومات السابقة؛ كرئيس وزراء سأعمل، بمشاركة يهود الشتات على تنفيذ خطة اخلاء ـ تعويض سخية». هذه الاقوال، حتى وان كانت ستخلق معارضة في اليمين، سيكون بوسعها أن تشكل اساسا لخلق معسكر صهيوني واسع ـ بل وربما تنقل جموع مؤيدي يوجد مستقبل إلى معسكر برئاسة هرتسوغ، الخطوة التي هي حرجة لامكانية الانتصار في الانتخابات القادمة.
مثل كثيرين آخرين، كنت أود أن ارى مفاوضات تسوية بيننا وبين الفلسطينيين منذ الغد. ولكن بعد عشرين سنة، ومع حكومة يمين يصعب أن نرى كيف يمكن اسقاطها، محظور أن نصاب باوهام ان واشنطن ستجلب الخلاص، واننا إذا عدنا إلى طاولة المفاوضات ستكون النتيجة مختلفة عما كانت عليه في العشرين سنة الاخيرة. يجدر بالذكر أنه في الحكومات التي فشلت في المفاوضات مع الفلسطينيين على التسوية الدائمة كان قادة المحادثات باراك، اولمرت وتسيبي لفني (ناهيك عن يوسي بيلين، الذي سار مسافة أبعد بكثير منهم). من السهل اتهام نتنياهو، ولكن هذه كانت حكومات معتدلة، رغم نواياها الطيبة، فشلت حين أدارت المفاوضات بالوهم بانه يمكن الوصول إلى اتفاق (او بكلمات لفني: كل شيء سيحل «عندما ندخل إلى الغرفة»).
هذا لن يحصل، ولهذا فيجب التفكير من خارج العلبة واقتراح خطوات حقيقية ـ تحقق اقل من السلام، ولكنها تضعضع الوضع الراهن: المعسكر الصهيوني يخطيء عندما يركز فقط على مطلب استئناف المفاوضات. هذه ليست خطة سياسية.
الكثيرين في إسرائيل يتوقعون مبادرة كهذه ويرون في اقوال المعارضة ضريبة لفظية فقط، يمكن تكرارها المرة تلو الاخرى لانها لا تلزم عمليا بشيء. بعد عشرين سنة من اتفاق اوسلو يجدر التفكير من خارج العلبة.
لا يمكن لاي ضغط خارجي أن يجلب لإسرائيل الخلاص، وحده الضغط الداخلي. ومثلما لم تنجح الولايات المتحدة في حل مشكلة أقل تعقيدا بكثير كمشكلة قبرص، فانها لن تنجح في حل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. والخطوة لمنع تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية ومنع التدهور إلى عنف لا نهاية له، على المعارضة برئاسة هرتسوغ ان تقودها بحزم واستقامة.

شلومو أفينري
هآرتس 13/10/2015

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية