أصبنا بالدهشة عندما أدلى السيد ضاحي خلفان بدلوِه في مجال التغزل بإسرائيل والإساءة إلى فلسطين وشعبها وتاريخها النضالي. وكأنني به يستذكر قولة القذافي عندما وضع كتابا أبيض من 48 صفحة سماه «إسراطين»، رمى به من وراء ظهره يوم 23 سبتمبر 2009 على السيد علي التريكي رئيس الدورة الرابعة والستين للجمعية العامة، ليقول مخاطبا المجتمع الدولي، هذا هو حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ثم جاء خلفان ليخالف الدنيا كلها ويمنح كل فلسطين لأولاد العم، كما سماهم، ثم يأمل بأن الفلسطينيين بعد 75 سنة سيشكلون الأغلبية وتنتهي قصة الصراع. ومثل هذا التفكير يدل على سذاجة لأن إسرائيل لن تسمح لنفسها أن تكون أقلية حتى لو اضطرت أن تقوم بتطهير عرقي أو ترحيل جماعي أو وضع العرب في معازل، ضمن نظام فصل عنصري قاسٍ يضطر العرب عندها أن يبحثوا عن طرق للفرار من جحيم العنصرية وضيق سبل العيش. لهذا تصر إسرائيل على الاعتراف بها كدولة يهودية، لأنها تعرف ما معنى أن تكون دولة ديمقراطية تتساوى فيها الحقوق والواجبات، وقد رأت ما حدث لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حليفها الأقرب أيام الأبرثايد.
يعلن خلفان أن كلمة إسرائيل أفضل من فلسطين، لأن الأخيرة مكونة من فلس وطين، وكلتا الكلمتين تحمل معنى سلبيا أسوأ بكثير من خلطة القذافي، الذي على الأقل تجرأ وشق إسرائيل إلى نصفين دامجا «إسرا» بالـ»طين» الفلسطيني لعل ذلك يقربه خطوة أكثر من قلوب من يريد أن يخطب هواهم في البيت الأبيض. أما السيد خلفان فقد فكك الكلمة بطريقة تخلو من الفكاهة، ثم يتبعها بنوع من الغزل بإسرائيل وإعطائها حقا تاريخيا في بلاد ليست له، مساويا بين الضحية والجلاد، ومتبرعا بأرض غيره ليلغي صراعا دام أكثر من قرن، جوهره كان وما زال الاستيلاء على الأرض وطرد أهلها منها، الذين لم يرتكبوا أي ذنب إلا كونهم ولدوا فيها أبا عن جد لأكثر من 14 قرنا. من حقه أن يتغزل كما يشاء في إسرائيل، لكن بالتأكيد ليس من حقه أن يتبرع بأرض البطولات والنضال، التي ما زال أطفالها وشبابها ونساؤها يدفعون ضريبة الدم دفاعا عما تبقى من كرامة عربية، ويقدمون نموذجا أرقى للعربي المناضل الذي «يحمل روحه على راحته ويلقي بها في مهاوي الردى»، طالبا العيش الكريم أو الشهادة.
وأود في هذا المقال أن أسبر أغوارالشخصيتين اللتين وجدتهما متشابهتين، رغم بعد الزمان والمكان والموقع والمرحلة، وهما معمر القذافي «زعيم ثورة الفاتح» والقائد السابق لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان. الأول تعرفت عليه أثناء عملي مع فريق أممي لمتابعة مسألة «لوكربي». أما الثاني فلا أعرفه ولم ألتق به، ولكن اسمه يتكرر ويطفو على السطح منذ اغتيال القائد الفلسطيني في دبي محمود المبحوح يوم 19 يناير 2010 على أيادي نحو 30 من عناصر الموساد. وقد بدأت منذ زمن أتابع نشاطات وتصريحات ومواقف السيد خلفان، فما زادني ذلك إلا قناعة بتشابه الرجلين في النفسية التي تتحكم في كثير من تصرفاتهما، خاصة أن التحصيل العلمي للاثنين يكاد يقتصر على بعض الدورات والمساقات العسكرية أو الأمينة. ووجدت أن القاسم المشترك الأكبر بين الاثنين هو المواقف الغريبة والتصرفات غير المتوقعة والتصريحات المخالفة للمنحى العام، التي تجذب وسائل الإعلام لتعميم أو تضخيم أو استغلال التصريحات. وعندما تغيب الكاميرات يشعر كل منهما أن هناك ضرورة «ليفقع» تصريحا غريبا أو يتطاول على بلد أو مؤسسة أو حزب، أو على القضية الفلسطينية، كي يقنع وسائل الإعلام بالعودة هرولة إليه. وقد يكون مقالي هذا يصب في خانة الانجذاب الإعلامي الذي يتمناه الرجل. لكن لا بأس فقد كتبت مقالا عن العقيد وهو حي يرزق بعنوان «سقوط انفرادي لملك ملوك أفريقيا وعميد الحكام العرب» (القدس العربي 11 أبريل 2011). ومن باب التوازن أصبح واجبا عليّ أن أعطي الاثنين حقهما من التحليل.
من الناحية النظرية
هناك مرض نفسي أو عقلي يدعى «ميغالومانيا» ويعني ببساطة جنون العظمة. وهو نوع من التوهم بالقوة الخارقة والأهمية اللامحدودة والتفوق المطلق وحق امتلاك السلطة العضوض، بل قد يشعر المصاب بهذا المرض النفسي بأنه خارق للعادة وأنه فوق البشر. قد تعود جذور المرض إلى أيام الطفولة، كما يقول فرويد، عندما يعيش الطفل حالة من الحرمان يعوضها بتمنيات مقموعة يتصور نفسه قويا وجبارا وغنيا وبطلا أسطوريا. تختفي هذه الفانتازيا مع التقدم في السن ثم تعود لتظهر بطريقة مرضية في مراحل متأخرة، خاصة إذا ما وجدت مصرفا تتسرب منه إلى الخارج. وغالبا ما تظهر عند من يتبوؤن مراكز عليا في السلم الحكومي أو الجيش أو الدولة. ويعتبر فرويد أن ممارسة السلطة المطلقة عبارة عن عودة جنون العظمة المختفية من أيام الطفولة.
وهناك أمثلة كثيرة في العالم على من يعتقدون أنهم مسكوا زمام التاريخ وألا أحد قبلهم ولا أحد بعدهم، وآخرهم وليس أخيرهم كيم جونغ إون، طاغية كوريا الشمالية ومن استنسخوا على شاكلته في وطننا العربي. يعتقد هؤلاء أنهم فوق البشر ومتعددو المواهب ولديهم قدرات خارقة تستشرف الغيب وتنطق بالحكمة التي على الناس أن يتمثلوها. ثم لا يتورعون في إطلاق الكلام على غاربه كما يحلو لهم، لأن الناس ستتلقط درر الكلام الخارج من أفواههم ليحولوه إلى حكم وأمثال تعبر حدود المكان والزمان لتظل حية إلى الأبد.
غرابة المواقف والبحث عن التميز على حساب فلسطين
لقد كان القذافي مصابا بحالة من الانفصام عندما يتعلق الأمر بفلسطين، فهو من جهة يدفع أموالا لبعض الفصائل ليضرب بها فصائل أخرى، ثم لا يتورع عن أن يؤذي القضية الفلسطينية من جذورها إذا رأى في ذلك عودة للأضواء الهاربة عنه. فقبل حكاية «إسراطين» بوقت طويل، قرر أن يختبر مسألة التطبيع مع إسرائيل مباشرة بعد فرض العقوبات عليه إثر إتهامه رسميا عام 1992 بالمسؤولية عن تفجير طائرة بان آم فوق بلدة لوكربي الإسكوتلندية ومقتل 270 شخصا. فقرر في 30 مايو 1993 أن يرسل 190 ليبيا سماهم «حجاجا» إلى القدس وهو يعرف أنها واقعة تحت الاحتلال ولا يمكن دخولها إلا بإذن من إسرائيل. فرحبت إسرائيل بالفكرة ودخلوا برا من معبر رفح على الحدود المصرية عن طريق شركة سياحية إسرائيلية مصرية، لكن إسرائيل ضربته على قفاه ولم تعط الخطوة أي أهمية بعد أن كسرت الزيارة المحظور لأول مرة.
وما لبث أن عاد القذافي يتطاول على فلسطين عندما قرر طرد الفلسطينيين جميعهم من ليبيا عام 1995، ليثبت أن اتفاقية أوسلو لا تشكل حلا للقضية الفلسطينية، وقال «ياسر عرفات صار عنده دولة فليأخذكم إليها». جمعهم بين ليلة وضحاها ورمى بهم في الصحراء على الحدود بين ليبيا ومصر لمدة تزيد عن السنتين، لا مصر تدخلهم ولا العقيد يعيدهم فوقع المئات منهم ضحايا البرد والمرض والعقارب.
لقد استولى القذافي على أملاك الفلسطينيين في ليبيا وطردهم ودعم التنظيمات الصغيرة الدموية مثل تنظيم «أبو نضال»، كما أعدمت اللجان الثورة عددا من الفلسطينيين في ليبيا بسبب اتهامهم زورا بمعاداة الثورة، من بينهم أربعة مدرسين أعدموا في ساحة مدرسة الفاتح الثانوية بأجدابيا أمام طلابهم. وقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن القذافي أفرج عن عميل إسرائيلي يدعى رفائيل حداد اعتقل في ليبيا في مارس 2010 بعد تدخل مباشر من سيف الإسلام عبر وسيط نمساوي. وعندما اندلعت الثورة الليبية أعلن أنه سيحافظ على أمن أوروبا وإسرائيل وأرسل وفدا من أربعة اشخاص حصلوا على تأشيرات إسرائيلية من باريس، بهدف لقاء «زعيمة حزب كاديما ومسؤولين أمنيين لتحسين صورة العقيد في إسرائيل ومد جسور التعاون».
كما أن قصة حقن الأطفال بالإيدز واتهام طبيب فلسطيني وممرضات بلغاريات يحكم عليهم بالإعدام ثم ينصاع للضغط الأوروبي ويفرج عنهم، ثم يأتي الوقت، ليعلن سيف الإسلام أن القضية كلها ملفقة من صنع أفكار العقيد.
خلفان ونظرية خالف تعرف
أما السيد ضاحي خلفان فقد ظهر إلى الأضواء أصلا على حساب القضية على إثر اغتيال محمود المبحوح على أيدي الموساد دخلوا المدينة بكل خفة ومهارة، وتوزعوا في عدة فنادق بما فيها فندق البستان ـ روتانا الذي يقيم فيه المبحوح أحد قادة كتائب عز الدين القسام. في ساعة الصفر هاجمت المجموعة غرفة المبحوح، حيث تم تخديره وصعقه بالكهرباء وخنقه في غرفة نومه. ثم عاد الجميع وخرجوا من البلاد بالخفة والمهارة اللتين دخلا بهما. مثل هذا الاختراق الأمني الخطير وغير المسبوق، قد يطيح بكل طواقم الأمن والشرطة والمخابرات ووزراء الداخلية والدفاع والأمن الوطني في أي دولة تحترم نفسها وسيادتها. لكن العكس هو ما حدث، حيث سلطت أضواء فاقعة على رئيس الشرطة الذي تقمص دور البطولة، وكأن العملاء اعتقلوا في آخر لحظة ويقبعون الآن في زنازين انفرادية.
كما أن تصريحات خلفان أثارت الجدل مع دول الجوار، حيث وصف صنعاء بأنها «شنعاء» وطالب باستمالة علي عبد الله صالح ليضربه بالحوثيين، واعتبر ابنه رجلا محترما. ومن تغريداته «لقد خرج الشعب اليمني خلف توكل كرمان وتركوا القائد الفذ على عبد الله صالح». وقال عن الإخوان المسلمين إنهم خطر على دول الخليج «إسمعوا يا ناس الإخونجي به صفاقة وخالي من الإحساس». وقال إن إيران تخشى الإمارات ولا تستطيع المساس بها. وقال إن ثورة تونس ستنهار بعد سنة ونصف السنة وتسقط «النهضة». كما اعتبر انتخاب محمد مرسي رئيسا لمصر غير موفق. ودعا في تغريدة الإمارات إلى ضم قطر، والقطريون اعتبروه يهذي. وقال لو رجع إقليم قطر لمشيخة أبو ظبي راح الإخوان آوت (برة). ودعا إلى تشكيل صندوق لإعادة إيران إلى المذهب السني. واسمعوا أخيرا ما يقول عن فلسطين «يجب أن نتعامل مع اليهود على أنهم أولاد عم نختلف معهم على وراثة الأرض والفيصل في الحكم لمن يقدم دليلا». واعتبر خالد مشعل أخطر على الفلسطينيين من نتنـياهو.
ليقل ما يريد السيد خلفان عن بلده وعن دول الخليج، أما أن يلغي بتغريدة حقوق شعب وتاريخ نضال فهذا ليس من حقه. وكم حاولت قيادات من قبله وستحاول من بعده أن تتطاول على قضية العرب الأولى، إلا أنهم ينتهون إلى نسيان أو ضياع، أما قضية العرب الأولى فستبقى حية في قلوب الملايين لأنها قضية حق ودفاع عن ظلم تاريخي كان لبعض القادة العرب نصيب في صناعته.
٭ »محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز
د.عبد الحميد صيام