بين دراما جورج وسّوف وأصالة ونجدت أنزور ينفي السوريين فنيا

حجم الخط
0

صعب أن يخمّن المرء كيف تكون صورة المطرب جورج وسوف عن نفسه، كيف فكّر هذا المغني، وما الذي دفعه لأن ينجز مسلسلاً عن سيرته الذاتية بستين حلقة، ستين لم تتجرأ عليها أم كلثوم بكل عظمتها. تحت أي تأثير فكّر المغني بذلك، وبماذا سيملأ هذه السيرة التي لم يصل إلينا منها الكثير.
بالقياس لأعظـــم ســــيرة لمغن عــــربي، ونقصـــد ســـيرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم، كما ظهــــرت في مسلسل معروف عنها، هل يمكن الحديث عن الذائقة اللغـــوية الخـــاصة لوسّوف بحيث أنه كان يمضي ساعات على الهـــاتف بين بيروت ودمشق (لنفترض مع الشاعر سليمان العيسى) كي يعدل حرفاً أو شطراً في قصيدة؟ هل يمكن أن تتضمن السيرة التطرق لصداقات المغني مع أبرز رؤساء تحرير الصحف، وأكبر شعراء عصره وموسيقييه ومغنّيه؟
وسّوف، على ما تناقلت الصحف، كلّف الممثل الفلسطيني السوري عبدالمنعم عمـــايري بأداء دوره في المسلسل، بعد أن أتقن تقليده في برنامج تلفــــزيوني. عمـــايري رأى فــــي الدور أعظم تكليف، وأجـــمل تشـــريف، خصوصاً أن الممثل شاطر جداً بإتقان الأدوار الهزلية. وكذلك لعــــله وجدها فرصـــة ثمينة لأداء الدور بعد أن فقد الممثلون السوريون أي أمل في أداء أي ســــيرة ذاتية بعد أن تصدى الممثل فراس ابراهيم لكل السير. لكن القطار لم يفت بعد، أمام فراس ابراهيم متسع كبير كي يحارب لانتزاع الدور من جديد.
بقي أن نعــــرف من كلّف المغــــني بأداء أدوار بشار الأسد ورامي مخلوف اللذين من الواضح أنهما يلعبان الدور الأهم في الفصل الأخير من حياته. كذلك ننتظر معرفة من كلّف وسّوف بكتابة المسلسل، حيث لا بد من نصحه بالإطلاع على سيرة ونستون تشرشل وسيد درويش وأسمهان والمغني الجامايكي بوب مارلي قبل البدء، لعلها تكون منارة له تضيء له كيف تُكتَب السِير.

أصالة تغني لـ «جلاديها»

وعلى سيرة مسلسلات السيرة أيضاً، كان النظام السوري منذ سنوات كلّف أبواقه بكتابة مسلسل عن المغنية السورية أصالة، ومن الواضح أنه كان بِنيّة التنكيل بها وبسيرتها بعد موقفها الصريح والعلني ضد النظام السوري. الغطاء كان طليق الفنانة الذي كان بإمكانه تسليم صندوقها الأسود إلى كاتب ومخرج سوريين ليتعهدا بالمهمة.
لم يكتب للسيناريو النجاح، لكن سيناريو المطاردة والمطالبة بتوقيفها كان قد بدأ، والنتيجة ما حدث للفنانة السورية في مطار بيروت حين سحب جواز سفرها تمهيداً لتوقيفها. الحمدلله أن هناك دائماً من العقلاء من بإمكانه أن يسند السماء من السقوط. كثر من اللبنانيين لم يكونوا ليرضوا بتلك الإهانة التي لحقت بالفنانة، من بينهم وزير العدل أشرف ريفي الذي وعد بإعادة جواز سفر أصالة نصري.
الأجمل من كل ذلك، أن حمى العنصري المتبادلة لم تؤثر في موقف الفنانة السورية، راحت تغني للبنان «بحبك يا لبنان، بشمالك، بجنوبك، بمطارك بحبك»، كان أمراً مؤثراً بالفعل. على الضفتين هنالك دائماً من يتذكر أحلام الناس بالعدل وبأن الثورة لم تقم من أجل أن نغرق في حمى العنصرية والفاشية. هنالك دائماً أصالة ما.

دولة الخرافة

«دولة الخرافة» هذا فيديو كليب انتشر أخيراً على الـ«يوتيوب»، هو في الأساس شارة غنائية لمسلسل كوميدي. الأغنية، الكليب تصور «داعشيين» يتوعدون بطريقة تهكمية، بالمفخخات والعبوات والأحزمة الناسفة. يظهر الراقصون بلباس داعش، لكن قربهم راقصات سافرات يغنين بدلع. اللافت أيضاً كورس «رجالي» يرتدون بدلات الخاكي العسكرية، يقفون بطريقة تذكّر بكورس أغاني صدام حسين الوطنية. في إشارة إلى تحالف البعثيين والصداميين مع الدواعش.
في آخر الكليب يظــــهر رجل انتحـــاري على هيئة أبو بكر البغدادي ولباسه ليطلق النار على المغنين، والكورس ثم يفجر المكان برمته.
يبدو أنه قصف كوميدي على مشهد الدم والقتل وقطع الرؤوس الداعشي. إنها أكثر الطرق نجاعة في محاربة الاستبداد، تماماً كما واجه الناس استبداد الطغاة في بلدانهم باختراع النكات التي تمرغ رؤوس طغاتهم بالوحل. الكوميديا أحياناً نوع من الحل.

أنزور: فيلم تسجيلي على مين؟

أنهى المخرج نجدت أنزور تصوير فيلمه التسجيلي «ألف يوم حدث في سوريا»، الذي يؤرخ، حسب زعمه، لما تعرضت له سوريا من مؤامرات. أنزور قال أيضاً إن الفيلم مبني على «مقابلات وأحاديث مع شخصيات معروفة بمواقفها الموضوعية»، وبالطبع يخطر في البال أن نسأل من هي تلك الشخصيات، وكيف يمكن للفيلم أن يتحلى بالموضوعية ما دام يستند إلى وقائع من مصدر واحد، وهذه ليست مصادفة بالتأكيد، فالمخرج لا يريد أساساً أن يسمع أو يتعرف على الحقيقة، بقدر ما يريد أن يكون مجرد بوق، أو كاميرا للإيجار كما كان دائماً.
سرعان ما يثبت أنزور انحياز فيلمه، حين يقول في المقابلة نفسها إن «الذين خرجوا من سورية ليس لهم دور فيها بعد الآن، وإن هذا الوطن لا يتسع إلا للذين دافعوا عنه وضحّوا من أجله وحافظوا على ترابه ووقفوا بوجه المؤامرة التي وراءها الصهيونية وأذنابها». فمن الواضح أن أنزور وضع الحقيقة كلها في جيبه قبل أن ينجز الفيلم، حيث لم يعد الأخير وسيلة للمعرفة والكشف والتوثيق، بقدر ما «بروباغندا فاشية». هذا كان دور نجدت أنزور منذ البداية، ولا يبدو أنه سيحيد عنه.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية