بين صراع إرادات الإصلاح والفساد والإرهاب: العراق إلى أين؟

بغداد –”القدس العربي”: جاءت الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر إلى بغداد وإعلانه عن زيادة عدد القوات الأمريكية المشاركة في الحرب ضد تنظيم “الدولة” ومساهمتها في الاستفادة من تحرير قاعدة القيارة الجوية الاستراتيجية جنوب الموصل لدعم الاستعدادات لعملية تحرير الموصل، جاءت لتشعل صفحة جديدة من سيناريو الصراع الإعلامي بين القوات الأمريكية والحشد الشعبي. حيث رفض الأخير زيادة تلك القوات متهما الولايات المتحدة ان تعزيزها يأتي لمنع مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل، خاصة وان الحشد أعلن سحب قواته من الفلوجة بعد تحريرها وتسليمها إلى السلطات المحلية للتوجه نحو المعركة الفاصلة في الموصل مع تنظيم “الدولة”.
من جهة أخرى، جاء تنظيم استعراض عسكري كبير لأول مرة في ساحة التحرير قلب بغداد النابض، لقوات الجيش والشرطة والحشد الشعبي بمناسبة اليوم الوطني وتحرير الفلوجة، بالتزامن مع تنظيم تظاهرة مليونية في المكان نفسه تطالب بالإصلاحات ومحاسبة الفاسدين، دعا إليها السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، لتعكسا صراع إرادات بين القوى المتنفذة في الحكومة ومطالب الشعب بالإصلاحات ومكافحة الفاسدين.
تظاهرة الصدر الذي قدم من مقره في النجف إلى بغداد ووصل بالزي العسكري واجتمع مباشرة بقيادة كتائب “سرايا السلام” التابعة له وابلاغهم ان يكونوا جاهزين خلال ساعتين عند الحاجة، في رسالة أثارت قلق العراقيين مما دفع بالصدر إلى الإعلان انه يريد تطمين أهالي بغداد بأن التظاهرات ستبقى سلمية وهي لا تستهدف سوى الفاسدين، مشددا ان رسالة التظاهرات هي نشر السلام والأمان قبل الإصلاح، مطلقا شعاره “الجيش يقاتل الإرهاب ونحن نحارب الفساد”.
وأدت الإجراءات الأمنية المشددة من قطع الشوارع والجسور واغلاق المناطق، إلى تعطيل حياة الناس ومصالحهم دون مبرر، وسط تساؤلات عن الاصرار على تنظيم الاستعراض العسكري الكبير في قلب بغداد الاقتصادي المزدحم رغم وجود ساحة مخصصة لمثل هذه الاحتفالات.
ويحفل المشهد العراقي خلال هذه الأيام أيضا بمظاهر تصعيد الخطاب الطائفي في حملة تقودها الميليشيات والأحزاب الشيعية التي استغلت جريمة التفجير في الكرادة للضغط على الحكومة من أجل اطلاق يد الميليشيات في الملف الأمني في العاصمة العراقية بحجة عجز الأجهزة الأمنية عن حماية المواطنين من الهجمات الإرهابية، وكأن فصائل الحشد الشعبي لديها العصا السحرية لمنع الأعمال الإرهابية التي تستبيح المدن العراقية منذ عام 2003 والتي عجزت قوات الاحتلال الأمريكي والأجهزة الأمنية العراقية عن إيقافها رغم كل إمكانياتها وقدراتها.
وشجعت جريمة الكرادة بعض الفصائل المتشددة على محاولة فرض نفسها على المشهد العراقي والقيام بأعمال تجاوزت هيبة الدولة وأجهزتها الأمنية، عندما ظهر إلى العلن قادة مطلوبون للعدالة مثل الملقب بـ “ابو درع” الذي كان هاربا في إيران منذ سنوات كونه مطلوبا قانونيا لجرائمه الطائفية والذي قام بزيارة موقع التفجير وإطلاقه تهديدات بالإنتقام لشهداء الكرادة من “حواضن داعش” ويقصد “السنّة”، كما بادرت ميليشيا ابو الفضل العباس إلى اقتحام سجن الحوت في الناصرية جنوب العراق مهددة بتنفيذ أحكام الإعدام بحق المحكومين بالإعدام بتهم التورط في الإرهاب في السجون الذين تعطل تنفي الاحكام بهم لأسباب إدارية تتعلق بمصادقة رئيس الجمهورية على تلك الأحكام.
وقد أدت الضغوط على رئيس الجمهورية فؤاد معصوم إلى موافقته على تعديل الإجراءات القانونية الخاصة بأحكام الإعدام الذي يعطي صلاحيات أوسع لوزارة العدل التي يديرها قيادي في حزب الفضيلة الإسلامية في تنفيذ الأحكام حتى إذا عطلتها رئاسة الجمهورية.
ومن جهة أخرى، كشف تقرير لجنة الأمن النيابية حول تفجير الكرادة الذي أعلنته أمام مجلس النواب عن جوانب من عملية التفجير المروع الأخير في الكرادة وسط العاصمة العراقية الذي ذهب ضحيته حوالي 300 شهيد إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين وخسائر مادية كبيرة. وقد اعترف التقرير بعجز إجراءات الأجهزة الأمنية عن منع الأعمال الإرهابية في العاصمة دون ان يحدد المسؤولين الأمنيين المقصرين، ولكن التقرير جاء متزامنا مع تقديم وزير الداخلية محمد الغبان استقالته وإعفاء قائد عمليات بغداد عبد الأمير الشمري من منصبه دون تحميلهما المسؤولية عن الخروق الأمنية.
وتبقى مشاعر القلق لدى العراقيين مشروعة ومبررة من تدهور الأوضاع الأمنية الداخلية واحتقان الأجواء الطائفية وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة، ما دامت الأسباب موجودة ويصعب السيطرة عليها، وذلك رغم وجود ارتياح شعبي عام للإنجازات التي تحققها القوات المسلحة العراقية على جبهة الحرب ضد تنظيم”الدولة” في ساحات العمليات المختلفة وقرب إنهاء كابوس وجوده في العراق.

بين صراع إرادات الإصلاح والفساد والإرهاب: العراق إلى أين؟

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية