بين «عسكرة» الانتفاضة وإرهاب الدولة الإسرائيلي

حجم الخط
3

أصبح فشل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في مواجهة الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة حقيقة يشهد بها أنصاره وخصومه، داخل الحكومة وخارجها على السواء. ومع تفاقم ذلك الفشل بدأت حكومته تفقد أعصابها حتى أنها قامت بإجراءات عسكرية بالامس تشبه «إعلان الحرب» رسميا على جموع الشباب والفتيات رغم أنها تقر بأنهم يمثلون «حركة شعبيةغير منظمة». ومن بين تلك الإجراءات نشر حشود عسكرية في أنحاء الضفة واستدعاء الآلاف من القوات لاحتواء المواجهات التي يعتبر مجرد استمرارها دليلا على هزيمة «أقوى الجيوش في الشرق الأوسط»، كما يزعم الإسرائيليون.
وليست العملية الدنيئة التي قامت بها وحدة المستعربين قبل يومين في أحد المستشفيات، والتي استشهد فيها فلسطيني واعتقل شقيقه سوى تذكير بأن نتنياهو لن يتورع عن التوسع في ممارسة «إرهاب الدولة» ضد الفلسطينيين، سعيا إلى إنقاذ ماء وجهه.
هذه العملية الإرهابية التي استهدفت جريحا يتلقى العلاج، في انتهاك صارخ لكافة المعاهدات الدولية ذات الصلة، والتي وصفها مدير مكتب منظمة العفو الدولية للشرق الأوسط فيليب لوثر بالقول إن «إطلاق النار على عبد الله الشلالدة في رأسه والقسم العلوي من جسمه يوحي بأنها عملية إعدام خارجة على القانون»، لم تلق إلا «الصمت المريب» كالعادة من قبل الحكومات الغربية التي تتشدق بـ»حقوق الإنسان» ليل نهار.
وفي مواجهة هكذا معطيات قاسية من توحش إسرائيلي لايعرف حدودا، ولا يراعي معاهدات ولا قانونا دوليا أو إنسانيا، بالموازاة مع التواطؤ العربي والدولي، إما عبر العجز أو التبرير أو غمض العينين عما يحصل من جرائم، فإن الانتفاضة التي لاتخضع لحسابات سياسية لم تتردد في تطوير وسائلها وأسلحتها. فقد شهد امس الجمعة تحولا نوعيا عندما قتل إسرائيليان في هجوم قرب مستوطنة عتنئيل جنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، فيما استشهد في حادثين منفصلين شابان فلسطينيان برصاص الجيش الإسرائيلي.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان «إن إسرائيليين قتلا وأصيب ثالث بجروح عندما تعرضت سيارتهم لهجوم شنه مسلحون مجهولون جنوب مدينة الخليل بالقرب من مستوطنة عتنئيل في الضفة الغربية».
ووصف الجيش الهجوم الذي جرى قرب بلدة السموع العربية ومستوطنة عنتئيل الإسرائيلية بأنه «إرهابي».
وبغض النظر عن هذا الوصف المثير للسخرية، والذي لايستأهل التعليق عليه، كونه صادرا عن جيش إرهابي لكيان أسس على الإرهاب ويعيش عليه، فإن تطورات الامس تطرح جديا احتمال اتجاه الانتفاضة إلى «العسكرة»، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى مستقبلها.
ويشير هذا التطور المهم إلى أن شباب الانتفاضة هم قادتها الوحيدون، وأنهم تجاوزوا السلطة والفصائل والمفاهيم التقليدية، سياسيا وآيدولوجيا، التي طالما حكمت المواجهات السابقة مع إسرائيل، والأهم أنهم لن يعدموا ابتكار وسائلهم الخاصة للبقاء في المعركة.
وليس من المبالغة القول إن استمرار الانتفاضة يمثل أرضية ضرورية تسمح باستمرار اتخاذ مواقف دولية معادية للاحتلال، وإنْ جاءت خجولة او متأخرة أحيانا. ومثال ذلك القرار الأوروبي الأخير والجريء بوضع علامات خاصة على منتجات المستوطنات، وهو ما أثار غضبا إسرائيليا واسعا، حتى أن الحكومة اعتبرته «معاداة للسامية». والواقع أنه قرار مهم، بالنظر إلى أبعاده السياسية وليس الاقتصادية، إذ إنه يمثل تكريسا دوليا لعدم شرعية المستوطنات.
ولايمكن التقليل من أهمية الجدل بأن إسرائيل قد تستفيد من «عسكرة الانتفاضة» إعلاميا وعملياتيا، إذ ستحاول نزع الطابع الشعبي التلقائي عنها، والزعم بأنها «حركة مسلحة»، وبالتالي فإن الرد عليها يجب أن يكون عسكريا.
إلا أن كون تلك العمليات الفلسطينية محصورة في الاراضي المحتلة يمنحها شرعية المقاومة التي تكفلها كافة المواثيق الدولية ذات الصلة. كما أن إسرائيل في الواقع لم تكن يوما في حاجة إلى تبرير التصعيد حربيا ضد شعب أعزل لايملك إلا وسائل بدائية للدفاع عن نفسه ضد الاحتلال.
أما الحاضنة العربية والفلسطينية التي تشعر بالحرج أمام استمرار هذه الانتفاضة، فقد أصبح عليها أن تراجع خياراتها، وهي ترى إسرائيل تعلن الحرب وتلجأ إلى ترسانتها العسكرية في مواجهة هؤلاء الشباب الذين أصبحوا القيادة الحقيقية والأمل الباقي أمام شعبهم.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية