بين كوباني والرياض

حجم الخط
0

صدم العالم، غضب وذرف الدموع امام صورة ايلان، الطفل السوري الميت. كتبت الاف المقالات، اتهموا الاسد، حكام العالم العربي، سلطات كندا، تحدثوا عن انغلاق الحس والبيروقراطية امام بؤس المتروكين لمصيرهم. عبدالله الكردي، الذي خرب عالمه بعد أن فشل في انقاذ زوجته وطفليه الصغيرين، اصر على أن يدفنهم في بلدة كوباني التي فروا منها هربا للنجاة بحياتهم. «لا اتهم احدا»، قال الاب الذي ثكل عائلته في الجنازة. «حاولت، وأحد في العالم الكبير لم يردنا. انا اعود إلى الديار، سأجلس قرب قبورهم حتى يوم موتي».
في نفس الوقت هبط سلمان ملك السعودية في واشنطن. قبيل اللقاء الذي تقرر له في البيت الابيض استؤجرت 220 غرفة في الفندق الفاخر «الفصول الاربعة». ليس للملك مشكلة في تمويل ذلك. فقد جاء لان يحصل من أوباما على الوعد بالا تتمكن إيران من انتاج قنبلة نووية، وان يسمع بان الالتزام الأمريكي باستقرار الحكم في الرياض أقوى من أي وقت مضى.
في الصحف السعودية وصحف الامارات في الخليج لم ولا كلمة تكتب تقريبا عن مأساة اللاجئين من سوريا. ومن نبش، كان يمكنه ان يجد في المقالات العذر: الدول العربية تغلق الحدود خشية أن تتسلل محافل الإرهاب تحت غطاء اللاجئين الباحثين عن الملجأ. وفي الدول الثلاثة التي اقامت مخيمات لاجئي ـ الاردن، تركيا ولبنان ـ يعمل «مكتب سري» تجري فيه اعمال استخبارية بالتعاون الوثيق بين الجنرالات الذين فروا من سوريا ومحافل المخابرات المحلية. وهؤلاء يمرون على اسماء اللاجئين قبل أن يحصلوا على تأشيرة الدخول، يراجعون المعلوات ويطابقونها مع ما لديهم، يقارنون البصمات والصور. ومن يشتبه به كمبعوث يحاول اساءة استخدام الضيافة، يركل عائدا.
هذه ليست حالة عائلة الكردي من كوباني. شقيقة واحدة هاجرت إلى كندا قبل عشرين سنة وفتحت مصلحة تجارية مزدهرة. شقيق آخر حاول الانضمام اليها رفضته السلطات الكندية فهاجر إلى المانيا. اما عبدالله، الثالث، فوقعت معجزة كبرى قبل أربعة اشهر، حين انقذ مع عائلته من المذبحة التي ارتكبها قتلة داعش في كوباني. فبعد أن اطلقوا النار فقتلوا 11 من ابناء عائلته، أخذ عبدالله العائلة، دفع المال لمهربي الحدود وانتقال إلى تركيا. وهنا اصطدم بسلسلة من الرفض.
في هذه الفترة أعال عائلته من العمل كعامل بناء، ولكن بسبب مكانته الدون كلاجيء كردي كسب ربع ما كان يكسبه كصاحب محلقة في سوريا. رفضت الأمم المتحدة تسجيله كلاجيء، ورفضت السلطات التركية اصدار جوازات سفر له وكندا ـ بسبب عدم وجود تأشيرات خروج سارية المفعول، رفضت استيعاب ابناء عائلة الكردي وتركتهم لمصيرهم.
في أحد الرسومات النازفة للطفل الصغير ايلان، رسم ممددا على طاولة الخشب المستديرة بينما يجتمع حوله مندوبو الجامعة العربية. «بودي أن يستخلص الحكام العرب الاستنتاجات من مأساتي»، قال عبدالله على قبور زوجته وطفليه. «فليتجندوا لمساعدة الآخرين». وقرر الاب الثاكل ان يدق اجراس التحذير في قصور الدكتاتوريين الذين لم ينتهوا من مواجهة الربيع العربي. فقد هرب من سوريا بسبب «الربيع» وبسبب السياسة الأمريكية الفاشلة التي أنبتت داعش.
والان جاء دور السؤال الاساس: هل «صورة السنة» للاجيء السوري الصغير ستحدث التغيير بالفعل؟ ماذا سيحصل، إذا كان سيحصل، بعد مئات الاف الكلمات؟ كم ممكنا الاعتماد على ذاكرة او ضمير المصدومين؟ رب المال الإعلامي المصري نجيب سواريس، عرض في نهاية الاسبوع ان يشتري جزيرة يونانية، ويسكن فيها اللاجئين من سوريا ويحرص لهم على مصدر للرزق. في هذه الاثناء يبدو هذا العرض هو الاكثر منطقا.

يديعوت 6/9/2015

سمدار بيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية