شرقي القدس هادئ نسبيا، حاليا على الاقل. وزراء في الحكومة اطلعوا هذا الاسبوع على استعراض للمحافل المهنية في أعقاب نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة، أخذوا الانطباع بأن الوضع كفيل بأن يكون مؤقتا. والجهات التي طلب منها ترسيم منظومة القوى والسيناريوهات المحتملة في شرقي المدينة، رسمت أمامهم سيناريوهين معاكسين جوهريا. فخرج الوزراء مشوشين، يتبين أن كل طرف في الجدال العظيم الذي يجري في شرقي القدس في الاشهر الاخيرة يرى في حدث نقل السفارة دليلا عن صحة طريقه، ويتمترس في مواقفه.
عن أحد التيارين، المتطرف، للإسلام الراديكالي صعب قليلا توسيع الحديث. فهو بطبيعة الاحوال لا يميل إلى المقابلات الصحافية. لغته هي لغة العنف، العمليات والإرهاب. الاحداث في الشمال، الاشتعال على حدود غزة ونقل السفارة من شأن هذه جميعا أن توقظه من جديد.
يدور الحديث عن طيف واسع من الفصائل، الحركات والمنظمات. من حماس، عبر الجهاد وحتى منطقة الاتصال للحركة الإسلامية الاسرائيلية (الجناح الشمالي). الكل يستظل تحت الاجنحة الواسعة للاخوان المسلمين ويتغذى ايديولوجيا، بل والبعض ماليا ايضا، من منظمات تركية. والخوف هو ان يسجل الاسبوع الماضي بالنسبة لهم مرة أخرى العودة إلى العنف والإرهاب. فسيفحص الامر من اليوم، يوم الجمعة الاول لشهر رمضان.
القلق كثير. حشد واسع من الاخطارات والاشعارات الاستخباراتية عن عمليات محتملة ـ مع التشديد على مناطق التماس في القدس وفي الخليل، لم تتراكم منذ زمن بعيد في جهاز الامن. فطيف التحذيرات يتراوح من عمليات الاجواء، السكاكين والدهس وحتى عمليات اطلاق النار وعمليات الاختطاف.
الحرم أيضاً مرة أخرى على بؤرة استهداف منظمات الإرهاب والمحرضين. «سنضيء الاقصى بدمائنا، لان ما يضاء بالدم لا ينطفيء أبداً»، وعد أحد الناطقين بلسان الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية وثقته محافل الامن. كما أن مسؤول حماس، خليل الحية، هدد هذا الاسبوع «باشعال القدس والضفة رداً على الجرائم في غزة ونقل السفارة إلى القدس».
تغذي النار أيضاً من جهة تركيا، تلك التي أعادت هذا الاسبوع للتشاور سفيرها في اسرائيل، واعلنت عن ثلاثة ايام حداد على القتلى في حدود القطاع. فليس اردوغان وحده يشعل الخواطر بل وأيضاً مبعوثوه ومنفذو أوامره في القدس. فقد أرسل آلاف السياح الاتراك إلى هنا في الاشهر الاخيرة «لانقاذ ولحفظ الاقصى»، وجمعيات أخرى تضخ المال إلى البلدة القديمة وإلى الحرم توزع هنا الاموال وهذه المرة أيضاً بمساعدة نشطة من النواب العرب من اسرائيل. أردوغان، الذي يعمق قبضته في القدس الشرقية يتحدث عن «مذبحة في حدود غزة»، يذكر الاقصى ويعد بأن «اسرائيل ستدفع الحساب على أفعالها في هذا العالم وفي العالم الاخير أيضاً».
الشرطة التي ستنشر في القدس اليوم 3 آلاف شرطي، واعية لما يجري. وهي ستحاول منع محاولات جعل الحرم مرة اخرى اداة منتجة للعنف، من خلال الفرية القديمة والكاذبة، فرية «الاقصى في خطر». وهي تعرف انه سيكون من سيحاول إثارتها من جديد.
إلى خريطة التهديدات والمنظمات المعروفة في العاصمة تنضم في الاسابيع الاخيرة منظمة حزب التحرير. فالمنظمة تعمل منذ سنين لاقامة الخلافة الإسلامية ومركزها القدس. في المانيا وغيرها من الدول أخرجت عن القانون، ليس في اسرائيل. وجمع نشطاؤها في الاشهر الاخيرة الجماهير في اطار مهرجانات نظمت في ساحات الاقصى. من استمع إلى الاقوال التي القيت هناك كان يمكنه أن يأخذ الانطباع بأن حزب التحرير ايضا، يوجد على شفا الانتقال من نشاط الدعوة إلى نشاط الاحتجاج العنيف وربما حتى إلى الإرهاب.
51 سنة تفعل فعلها
ولكن توجد أيضاً أنباء أخرى. فها هي شرقي القدس الاخرى التي توجد فيها تيارات عميقة تجري مسيرة معاكسة: فالكثير من سكانها العرب يجتازون في السنوات الاخيرة مسيرة أسرلة. فقد توصلوا إلى الاستنتاج بأن المصلحة تستوجب منهم الانخراط في النسيج المديني، ان مصلحتهم هي ترك استيضاح الخلاف على المستقبل السياسي للمدينة إلى أيام أبعد والتركيز على الحصول على ميزانيات تقلص الفجوات بين مستوى البنى التحتية والخدمات في أحيائهم وبين تلك في الاحياء اليهودية من القدس.
بحث شامل أجراه المركز الفلسطيني للرأي العام بادارة د. نبيل كوكالي، بعد اعلان ترامب عن الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة اسرائيل، يفيد بأن نحو 60 في المئة من سكان شرقي القدس يطلبون المشاركة في الانتخابات للبلدية في تشرين الاول/أكتوبر القريب القادم. 13 في المئة فقط يعتقدون بأنه لا تجب المشاركة في هذه الانتخابات.
نتائج الاستطلاع غير مفاجئة. وهي تفيد بأن ميل «الاسرلة» في أوساط عرب شرقي القدس يتعاظم. وهذا ناتج عن 51 سنة من الوجود معا في مدينة واحدة، بلا حدود.
المزيد فالمزيد من الشبان العرب يطلبون اليوم التعلم في مؤسسات أكاديمية اسرائيلية. ولهذا الغرض فهم يحتاجون إلى شهادة البجروت الاسرائيلية. وتقوم معاهد تعليمية في شرقي المدينة باعداد هؤلاء الشبان إلى امتحان البجروت الاسرائيلي. ومزيد من العائلات في شرقي القدس تختار اليوم ارسال ابنائها للتعلم في المدارس التي تتخذ منهاج التعليم الاسرائيلي: نحو 5.500 اليوم، مقابل اقل من 1.000 قبل بضع سنوات.
الكثير من السكان من شرقي القدس يطلبون اليوم المواطنة الاسرائيلية ـ نحو الف في السنة. ثلثهم فقط يستجابون. المعدل النسبي لعاملي شرقي المدينة في عدة فروع عمل يصبح حاسما في حجمه وفي أهميته.
هذه السياقات تتعاظم، والان، قبيل الانتخابات للبلدية، تلقى تعبيراً سياسياً أيضاً. جيرشون باسكين، من رؤساء ابكري، المركز الاسرائيلي ـ الفلسطيني للبحوث والمعلومات، ومن بادر وشغل قناة سرية مع حماس ساعدت على تحرير جلعاد شاليط، يشكل قائمة عربية ـ يهودية مشتركة.
وستتنافس القائمة في الانتخابات لمجلس بلدية القدس. شريك باسكين هو عزيز أبو سارة، من مواليد حي وادي الجوز في شرقي المدينة. وكان أبو سارة عاد الان للمدينة بعد مكوث امتد لعدة سنوات في الخارج، وهو وباسكين ـ وعشرات آخرين من النشطاء ـ طلبا لقاء مع ابو مازن، وهما يأملان بان ينتزعا منه موافقة على ازالة الفيتو طويل السنين من المؤسسة الفلسطينية على مشاركة عرب شرقي القدس في الانتخابات المحلية.
سحاب يهودي فلسطيني
أبو مازن، الذي اهتزت حالته الصحية، يعيش الآن في مزاج قتالي. ليس مؤكداً أن هذا هو الوقت الصحيح لوضع طلبات كهذه على طاولته. ربما لهذا السبب لا يسارع باسكين إلى حثه على الاجابة. ففي الاشهر الاخيرة يشدد رئيس السلطة ويتطرف في تصريحاته في مسألة القدس: الانطباع هو أنه في آخر أيامه يسعى لأن يثبت، بكل ثمن ولغة تقريبا، ولاءه للقضية التي يعتبرها الفلسطينيون، لب النزاع مع اسرائيل ـ القدس.
من هذه الناحية، فإن نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة، «المستوطنة الأمريكية»، كما سمّاها أبو مازن، سقط في يديه كثمرة ناضجة. فعباس يهاجم الأمريكيين في كل فرصة تقريبا، والقلائل أعطوا قلبهم إلى ذلك، ولكن في أثناء خطابه أمام المجلس الوطني الفلسطيني في رام الله قبل نحو اسبوعين، أبرز أبو مازن بالذات المفتي الاكبر الحاج امين الحسيني، كمصدر الالهام لـ م.ت.ف. الحسيني أثّر اكثر من كل زعيم فلسطيني آخر على تصميم الايديولوجيا التي ترفض حق الدولة اليهودية في الوجود.
باسكين واع لمزاج رئيس السلطة. وهو يقول: «حاليا نحن نحرث الميدان. فالكثير جدا من الناس في شرقي القدس يشعرون بأنهم يتامى. يوجد جيل جديد لا يفهم كيف يمكن لمقاطعة الانتخابات ان تحسن لهم. وهم يعرفون بأن مكانة المدينة لن تحسم في مجلس البلدية. وبالمقابل، فإن مجلس البلدية هو الذي يقرر الميزانيات للارصفة وللطرق وللمجاري وللحدائق. الكثير من الشبان يقولون انه يجب هذه المرة التصويت، وانهم سيجلبون عائلاتهم للتصويت».
ويوضح باسكين بأنه «على رأس القائمة سيكون فلسطيني، وأنا سأكون رقم اثنين. وبعدنا بطريقة السحاب فلسطيني ويهودي وهلمجرا. ستكون نساء أيضاً. وعلمانيون واصوليون. في هذه اللحظة نحن نحرص على توسيع دائرة الدعم لنا. كما أننا نحرص على قنوات مختلفة، لمنع التهديدات والاصابات لمرشحين ممن سيخوضون هذه الانتخابات. نحن لا نريد أن نعرض حياتهم للخطر. من أبو مازن نحن لا نتوقع التأييد. فقط ألا يعرقل».
باسكين يعرف التاريخ. في الحملات الانتخابية السابقة، تعرضت الجماهير والمرشحون المشاركون في الانتخابات البلدية إلى تهديدات من حماس، فتح ومنظمات أخرى ـ وردعوا من ذلك. في الحملات الانتخابية السابقة باستثناء واحدة في الـ 1969، نجحت منظمات الإرهاب في منع المشاركة الكبيرة لعرب شرقي القدس أو تنافس قوائم عربية في الانتخابات البلدية. ونسبة قليلة فقط من المقترعين العرب وصلوا إلى صناديق الاقتراع. وعبر معدل التصويت الطفيف عن عدم الاعتراف بالحكم الاسرائيلي وبعملية توحيد المدينة.
لعله يكون مختلفا هذه المرة، وان كان باسكين يخشى ان يكون تدشين السفارة الأمريكية هذا الاسبوع سيشدد مواقف الشارع الفلسطيني ويبعد حلمه عن التحقق. وهو يأمل على المدى الأبعد أن يفهم الشارع بأن التنافس في الانتخابات للمجلس هو خطوة صحيحة. ويوجد للقائمة المشتركة اسم: «القدس ـ يروشلايم».
الطيبي ينتظر المستثمرين
ليس باسكين وحده نشطاً في الشارع الشرق مقدسي. فتركيا التي تقود الاحتجاج ضد نقل السفارة تتواجد هناك جدا. أحد آيدين، نائب رئيس البرلمان التركي، زار في بداية الشهر القدس والحرم. ويرتبط النواب من القائمة المشتركة في كنيست اسرائيل ونشطاء مركزيين من الحركة الإسلامية الاسرائيلية بالاتراك في هذا الشأن.
وهاكم حدث مر من تحت الرادار الاعلامي تكشفه هنا حركة «لكِ يا اورشاليم»: في نهاية نيسان عقد في تركيا مؤتمر لتجنيد الاموال من أجل تعزيز الوجود الإسلامي والفلسطيني في القدس. النائب احمد الطيبي، الذي كان الخطيب المركزي في الحدث قال هناك «القدس تنتظر المستثمرين العرب… من أجل تعزيز صمود القدس كعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية». وائل يونس، عضو آخر من القائمة المشتركة، تحدث بروح مشابهة. أسامة السعدي، نائب سابق من ذات الحزب، تحدث عن «تمكين أهلنا في القدس».
200 من رجال الاعمال من 28 دولة شاركوا في الحدث بالتعاون مع سفارة فلسطين في تركيا، ورجال أعمال فلسطينيين من الشتات الفلسطيني ومن القدس. ومن القرارات التي اتخذت «اقامة صندوق استثمار يجند 100 مليون دولار في صالح القدس الفلسطينية» و «تمويل البناء والترميم في البلدة القديمة من خلال البنك الإسلامي».
الحدث هو عنصر في سلسلة عناصر اكتشفناها هنا قبل نحو سنة: جمعيات تركية، بعضها حكومية، تضخ ملايين الدولارات لتعزيز السيطرة الفلسطينية في البلدة القديمة وفي مناطق مجاورة للحرم.
مأور تسيمح، رئيس «لك يا اورشاليم»، نقل المعلومة الجديدة إلى وزير شؤون القدس، زئيف الكين. ويقول تسيمح ان باحثيه يلاحظون نشاطا ماليا ومدنيا واسعا من شرقي المدينة عبر الجمعيات التركية وعلى رأسها «تيكا». وقد تعاظم هذا مع اعلان ترامب عن القدس ونقل السفارة. ويقدر تسيمح بأن دولة اسرائيل تقترب من القرارات في الموضوع التركي. ولمّح الوزير اردان بأن النقاشات في هذا الاتجاه بدأت.
وفي القدس يعتزمون استيعاب سفارات أخرى. وزارة الخارجية تجري اتصالات مع ست دول أخرى على الاقل تنوي نقل سفاراتها إلى القدس (إلى جانب غواتيمالا وبرغواي). وها هي القائمة: رومانيا، سلوفاكيا، تشيكيا، هندوراس، الفلبين وبنما.
إسرائيل اليوم 18/5/2018