يبدو أنّ قيمة الإنسان، عند البعض، نسبية، تتحدّد وفقاً للجنسية والجنس والطائفة. هذا ما تخبرنا به مرة واحدة «فلسفة» النظام الإيراني ومقلديه وأتباعه، العابرين للبلدان وحتى القارات، المفتونين بهذا النظام وفلسفته، حقاً وباطلاً وبفهم لهذه الفلسفة أو من دون فهم، فالأمر سِيّان.
الشيخ نمر النمر أُعدم لرأي كان يقوله في النظام السعودي، وهو رأي قوي بكل المقاييس، لكنه لم يصل إلى حدّ رفع السلاح بوجه النظام، بل كان ينهى عن محاربة النظام، حتى بمجرّد الحجارة، فهو يؤمن بالكلمة، وهي لديه إزاء إطلاقة المدفع، إن لم تكن أقوى، كما يؤكّد في إحدى خطبه. وأياً كان موقف الشيخ النمر، ما الذي يجعل النظام الإيراني بهذه الحميّة إزاء إعدامه؟ هل لإيمانه بالديمقراطية وحق إبداء الرأي، أم هي النزعة الإنسانية، أم هي التقوى؟ وهذه ادّعاءات لا تصمد أمام أدنى متابعة للواقع الإيراني. هل هو، إذن المشترك بالطائفة؟ وهذا أسوأ وأخزى ما في الأمر لو صحّ، لتضئيل الإنسان بردّه الى ما هو طائفي في الأخير، فذلك ضدّ ما هو إنساني مثلما هو ضدّ قيم الإسلام العظيمة.
ويبقى حظ التفسير الطائفي للموقف الإيراني هو الراجح والشائع بين الكثيرين. لكن الأمر ليس كذلك أيضاً في حقيقته! فالنظام الإيراني لا يتوانى، ازاء مصالحه، عن إحراق الجميع، وفي مقدمتهم الشيعة، فطهران تتوخى في رفعها للّافتة «الشيعية»، قبل كلّ شيء، اثارة الطائفية، وهي مفردة من مفردات عديدة ضمن برنامج سياسي متكامل تلعبه وتنفذه طهران في كامل المنطقة، ما وجدت لذلك سبيلاً.
فلو كانت «الشيعية» الخالصة تدفعها الى موقفها هذا في قضية الشيخ النمر فهذا يُحتّم عليها، أولاً، وقبل كلّ شيء، ووفقاً لمنطقها ذاته أن تُنصف مواطنيها «الشيعة»، غير أن الوقائع تُفيد عكس ذلك، فالتنكيل والقمع والتعذيب والإعدام يطال هؤلاء مثل غيرهم، لمجرد الاختلاف في الرأي، بل على الشُبهة كما في قضية الصحافية زهرة كاظمي؟ وقضية زهرة كاظمي فاجعة بكلّ معنى الكلمة، يكفي سرد تفاصيلها لنتبيّن مقدار الوحشية التي تعامل بها هذا النظام مع امرأة عزلاء لم تحمها «شيعيتها» ولا ايرانيتها ولا جنسها، كونها امرأة، ولا جنسيتها الكندية، ولا حتى براءتها (فلم يثبت الادعاء عليها بالتجسّس)، من مصيرها المأساوي وخلال 48 ساعة من وقوعها بيد الأجهزة الاستخباراتية. وزهرة كاظمي مصورة صحافية تقيم في كندا وتحمل جنسيتها، وسبق لها وأن زارت ايران مرات عديدة لأغراض صحافية، وكانت قد استخرجت، في زيارتها الأخيرة القاتلة، قبل سنوات، رخصة صحافية من الأجهزة المختصة لمهمتها، فقامت بإجراء لقاءات مع أُهالي معتقلين نظموا مظاهرة صامتة أمام سجن ايفين، ولم تقم بتصويرالسجن، بل لم تقترب من أسواره لأنها تعرف أنه محظور، بل اكتفت بتصوير الأهالي، وفقاً لشهادة مسؤول إيراني. لكن ما الذي حدث رغم تحوّطها ومراعاتها الاجراءات الرسمية؟ بمجرد معرفة عناصر استخبارات السلطة القضائية بنشاطها هذا قاموا باعتقالها، وبعد مرور 48 ساعة على وجودها في سجن ايفين، أُدخلت المستشفى في حالة غيبوبة شديدة، يقول الطبيب الذي أشرف على حالتها: إن كاظمي تعرضت لتعذيب وحشي أسفر عن وقوعها في غيبوبة إثر اختلال في الشريان الذي يوصل الدم الى رأسها، حيث تسببت ضربة أو ضربات تعرضت لها على رأسها، (بواسطة شيء ضخم، قد يكون انبوباً فولاذياً أو هراوة) في وقف تدفق الدم الى مخها لفترة قصيرة. كما وجِد كسر في عمودها الفقري وعلى جسدها آثار حرق وضرب. وبعد وفاة كاظمي هُدِّدت والدتها بالتعرض للسجن إذا رفضت دفن ابنتها في ايران، فقد أرادت عائلتها دفنها في كندا. والشواهد على انتهاكات النظام حقوق وحياة مواطنيه لا تُحصى. وواقعة ندا سلطاني لا يمكن أن تغرب عن البال، فقد شهد العالم كله مصرعها بفعل انتشار مقطع فيديو على الإنترنت يسجّل لحظات حياتها الأخيرة، التي بددتها طلقة قناص من الباسيج، وهي في عشرينياتها، لوجودها في التظاهرات المندّدة بتزويرالانتخابات، عقب الإعلان عن فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية عام 2009.
بهذا النهج والسياسة الثابتة من القمع والقتل تريد ايران أن تُعلن نفسها حامية لحقوق الإنسان، وبشكل خاص حقوق «الطائفة»! عبر التجييش والتحشيد، في كل مكان تصله ذراعها، ضدّ اعدام الشيخ النمر، وهو عمل يستحق الإدانة والمساءلة بكل تأكيد، لكن ليس من أطراف، تأتي مسألة حقوق المواطن وحياته وكرامته في حضيض اهتماماتها. ازدواج كهذا يرقى إلى الجريمة، ومع تسخير الدين أو المذهب أو العرق، في سبيل ذلك، تكون الجريمة مزدوجة. أما ملف ايران في العراق وسوريا وما يعنيه ذلك من انتهاك ودمار، فلهذا حديث آخر.
٭ كاتب عراقي
باسم المرعبي