بين نيس واسطنبول… كيف ضاع الإعلام العربي في أسبوع!

يمكن اعتبار الأسبوع الماضي كله، أسبوع الأزمات بامتياز، وذروة المشاهدة لفضائيات الأخبار بلا منازع ولا أدنى منافسة من قنوات الترفيه الكبيرة، وقنوات الشعوذة والدجل والهبل الطائفي.
حدثان متتابعان، كانا سبب تحويل قنوات الأخبار إلى مراتع للسهر ومحطات مفضلة، خصوصا لجنرالات الـ «فيسبوك»، وسيل التحليلات المتنوعة، والتي يمتد بعضها في العمق حد العتمة في القاع!!
جريمة «نيس» الإرهابية في فرنسا، كانت عنوانا إرهابيا جديدا ومفاجئا، لكن أكثر ما يثير الاستفزاز ما بعد الجريمة، هو طريقة تناقل نشرات الأخبار والفضائيات الإخبارية سيل الأخبار المتعلقة بالموضوع.
فضائيات إخبارية عربية نقلت عن وكالات الأنباء خبرا كان عنوانه بالنص «قتيلان أمريكيان بين ضحايا جريمة نيس الإرهابية»!!
هكذا ورد الخبر على وكالة انباء و بصفة «عاجل».
طيب… ما هي القيمة المضافة في فرز الضحايا وغربلة هوياتهم، ما الفرق الذي يحدث حين يكون هناك أمريكي بين الضحايا… وما الذي يميز هذا الأمريكي أكثر عن غيره؟! ولا مؤاخذة يا أمريكان ويا وكالات أنباء هناك قتلى عرب مثلا بين الضحايا وأطفال كذلك.. وهذا فيه قيمة خبربة أكثر من ناحية المفارقة. (مع تحفظي على منهجيات الربط في تحليلات البعض).
هذا الخبر العاجل عنصري وفيه اساءة لكرامة الجميع… وللامريكيين الإثنين قبل غيرهما. لارواح كل هؤلاء الأبرياء الرحمة نستمطرها بكل صلواتنا ومعتقداتنا وإيماننا أيا كان، ولا عزاء للفضائيات.

هضبة الأناضول وهضبة الأرائك أمام الشاشات

وبينما نحن «جنرالات التحليل المباشر» ممزقون بين ضبط وسائد الأريكة أمام الشاشات، وضبط الشواحن لهواتفنا الذكية فلا ننقطع عن وسائل التواصل الإجتماعي، وملاحقة شريط الأخبار العاجل حول عملية نيس الإجرامية، وتحليلها وتحليل دوافع المجرم فيها بمنهجيات لا شك ستفاجئ أجهزة المخابرات الفرنسية والعالمية.
فجأة، يصعقنا خبر الإنقلاب في تركيا، والذي بدأ كرة ثلج ساخنة بصيغة خبر عاجل وبدأت بالتدحرج أمام أعيننا عبر الشاشات العربية والغربية، حتى كانت تجربة حية لإبراز مواهب الجميع، بلا استثناء في التحليل واستسقاء الأخبار على عجل ودون تدقيق من مصدر ثان، حتى لو كان مصدرها «جبنة الشنكليش» التركية!
عربيا، ربما أثبت الأردنيون كغيرهم حجم المفارقات الهائل على صفحاتهم الـ «فيسبوكية»، وكمية الشيزوفرينيا العنقودية التي ألمت بالشخصية الجمعية الأردنية.
وفي بدايات الانقلاب، حيث لا خبر مؤكد، كان المؤكد الوحيد حينها أن الخاسر الأكبر في تلك اللحظات النائب السابق أمجد المسلماني، صاحب «شركة دالاس» للسياحة صاحبة أكبر عروض سفر سياحي إلى تركيا.
الحدث التركي بكل تداعياته كان امتحانا مهما لكل من يرفع شعار الليبرالية «بمعناها الصحيح» عنوانا له. ولكل من يقول إنه يؤمن بدولة المؤسسات والقانون.
جماعة التيار الإسلامي السياسي ومؤيديه من عقيدة «عنزة لو طارت» موقفهم معروف ولن يروا إلا شخص أردوغان يحجب عن أبصارهم كل مؤسسات الدولة التركية التي حملته… وحمته كما حمت الدولة والديمقراطية.
لقد كان الوطن هو الحاضر في وعي الأتراك، متجليا بقوانينه ومؤسساته الدستورية، لذا رفعوا علم الدولة لا الحزب ولا صور الرئيس.
أنا مشفق على الطرف الآخر.. الذي تحول إلى الصورة المعاكسة لجماعة الخبز والحشيش والقمر المغيبين، وقد انحازوا إلى غير قيمهم الأصيلة في الدولة العلمانية المؤسساتية والدستورية، وذهبوا لدعم الانقلاب كيفما أتى!
هي فرصة دائما لنتعلم… ونقرأ خلف ما يعطيه مدى الأبصار الأيدولوجي.. خلفه أبعد بكثير.
أنا لا أحب أردوغان… ولا بعض سياساته. ومهما حاولت أنا أو سواي ممن هم مثلي ضده، ممارسة كل أنواع البهلوانية السياسية واللعب بالمفردات، فهذا الذي حدث اسمه انقلاب.
وإذا كنت أدعي انحيازه للديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون فأنا بلا شك – حتى لو كرهت – سأنحاز للديمقراطية في النهاية، وبالضرورة لن أكون مع الانقلاب مهما كان.
ملاحظة تاريخية على ضفاف التاريخ ومن بعيد: مرة ذات زمن.. حكم السودان ديكتاتور «اسلاموي» اسمه جعفر نميري، حكم بأيدولوجيا الدين، وفي الوقت نفسه كانت علاقته مع إسرائيل تحديدا ربيعا انتهى بصفقة «الفلاشا».(أدرك أنه لم يأت بانتخابات طبعا).
لكن، انتهى حكمه بانقلاب عسكري قاده جنرال جيش ذو نزعة «إسلامية» محترم ونزيه اسمه عبدالرحمن سوار الذهب، وأصدر بيانه الأول معلنا حكم الجيش، ومؤكدا أن الحكم انتقالي لفترة مؤقتة حددها فيما بعد لحين اجراء انتخابات حرة.
صدق الرجل، ولم يكذب على السودان… وانتهت الإنتخابات بفوز الصادق المهدي على ما أذكر وحزبه الإسلامي بانتخابات حرة بلا أي تشكيك بنتائجها.
انتهى حكم المهدي المدعوم بشرعية الصناديق والتصويت الحر بانقلاب عسكري آخر قاده «الإسلامي» عمر حسن البشير، الذي لا يزال يحكم بالحديد والنار بعد أن استغنى عن نصف البلاد كي يبقى في الحكم!

الإعلام المصري وسياسة النعامة

أما أكثر ما كان يخجل في كل الإعلام العربي الفضائي، فهو الإعلام المصري، إلا من رحم ربي، فكان خارج مراقبة الرقيب، حين تفاعل مع الانقلاب العسكري في تركيا بطريقة جعلت كل من يتابع إعلاميي الفضاء المصري يعتقد بأن «السيسية» تيار أممي عالمي آمن به نخبة من الأتراك فقرروا استنساخه في هضبة الأناضول، وحسب الأصول الانقلابية، كما وردت من المصدر.
حين انكفأ الانقلاب على نفسه، وتعثر وفشل، بقيت لفترة أفكر بيني وبين نفسي متخيلا جهابذة الإعلام المصري الرسمي، وقد تلقوا أسطولة المياه المثلجة فوق وجوههم، كيف ناموا ليلتهم؟ هل ناموا براحة أم بخجل ثقيل من النفس ومن المشاهد الذي يتابعهم؟
طبعا الإعلام الرسمي العربي بأغلبه تعاطى الحدث بشكل أفيوني، حسب الحاجة، لكن الإعلام المصري «ذا الريادة في الماضي» كان واضحا في تناقضاته المخجلة، إلى درجة أن «الأهرام»، صدرت صبيحة اليوم التالي مبشرة بالانقلاب، على نهج التلفزيونات الحكومية، فلا صحافة ولا إعلام بل توجيهات من الرقيب العسكري.
هي ليست سخرية بتشف، لا والله، بل ألم ووجع على ريادة صحافية نفتقد أبسط مهنيتها ومنطقها.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

بين نيس واسطنبول… كيف ضاع الإعلام العربي في أسبوع!

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية