أجلسَه في البهو وتوجه إليه كصبيِّ مشاكس:
– بْقَى هْنَا.. مَا تْمْشِي فِينْ
ثم تولى عنه تُشيِّعُه رائحةً عَطِنة. مبهوتا مكث بْلْفَقِيرْ يتأملُ الحارسَ مهرولا في وزرته الصفراء، عليها بالحرف الغليظ «زيت سرقسطة.ش.م» كان يُسمعُ للوزرة فحيحُ ثوب خشن غيرِ مُريح. إيه! مرارا أقرضه دون استرداد؛ فلوسا وسجائرَ وملابس وها هو اليومَ يَغلظ عليه كتلميذ مترصدٍ شغبَ القسم.
بوقُ سيارة يُسمع في الخارج. أحس برعشة. إنه هو. قام بْلْفَقِيرْ إلى نافذة تطل على مدخل الشركة يسترقُ النظر. البوق لا يتوقف والرجل خلف المِقْود من عَجَلٍ خُلِق وتَخلَّق. اقشعر بْلْفَقِيرْ حين اصطكت عجلاتُ البوابة فوق سِكتها ودخلت السيارة. عاد الحديد يزعق تحت الحديد، بينما يُسدَل ستارُ البوابة عَرْضًا على ممر طويل في نهايته ساحة وشاحنات ورافعات شوكية وآلات وصهاريج وأكوامٌ داكنة وأشباحُ عُمَّال باهتين. عاد بْلْفَقِيرْ لجلسته وتوجُّسِه.
السيد سرقسطة وصل. الرئيس المدير العام الذي ليس فوقه مدير وحسابُه على الله. لا أحد يعرف اسمَه الحقيقي ولا أصلَه. ذو بياض أمهق وصلعةٍ كبيضة نعامة تحمَرُّ وتتعرق عند الغضب، مشهورٌ باسم شركته الغريب المُحَيِّر. هل هو فاسي أم طَنجِي؛ أم رباطي موريسكي اختار اسم سرقسطة حنينا لِمَا قبل الطرد من فردوس الأندلس؟ لكنه يذيقُ طعمَ الطرد مرارا للناسِ؟ تذكر بْلْفَقِيرْ صديقه عَزُّوزْ. كم طرده السيد سرقسطة، ثم شغَّله ثم طردَه ثم شغله ثم طرده، يكسرُ كلَّ مرة أقدميَّتِه، وعزوز المسكين يدفعُ قَدَر الطرد بقدَر الاسترداد كموريسكي بلا أندلس. آه.. انعقدت محكمة التفتيش يا بْلْفَقِير.
السيد سرقسطة حضر قبل وقته ودخل تحت أعين مَن تجمَّع على هامش البوابة. مياومون ينتظرون ويتحدثون كالأحباب ويتضاحكون، لكن عندَ كل فتح يهرعون إلى الحارس فُرادى. نفسي! نفسي! لكن الحارس لا يحدثهم تحت طائلة الطرد. هو أصلا قرب الباب على شفا خطر؛ تكفي خطوة أو خطوات. والتعليمات صارمة. إن كانت هناك حاجةٌ للشركة وللشركة فقط، فحينَها سيبرز مسؤول اليد العاملة لينتقي حسب الحاجة. لكن المياومين رغم التعليمات يحضرون ويهرعون ويتقافزون. الانتظارات لا تنتظر وقد تسنح فرصة، قد يغيب أحدٌ أو يَموت أو يُطرد، كما راج الخبر هذا الصباح فحضر مَن حضر حاملا رخصة سياقة حمراءَ رثة.
الهدوء غير هادئ. كانت «زيت سرقسطة. ش.م.» على موعد مع تفتيش مِن شأنه أن يُنهي سلسلة اختلاسات امتدت شهورا. حين انغلقت البوابة هرع الحارسُ وفتحَ باب السيارة فنزل السيد سرقسطة وقصدَ بسرعة مبنى الإدارة عبر ممرٍّ وَقْفٍ عليه، تَلفُّهُ الأزهار والورود وإكليلُ الجبل. صعد السُّلم وعبَر الرواق ومر بالبهو. عند رؤيتِه، تجافى بْلْفَقِيرْ عن مجلسه كتلميذ ناعس باغته المعلمُ فقام يفتعل انتباها لم ينقطع حبله. حدَجَه السيد سرقسطة بنظراتٍ جافة حارقة لم يلطفها ظِلُّ العطر الغالي الذي يُشَيِّعُه..
انطبق الباب. تربع السيد سرقسطة على كرسيِّه وتحرر من هواتفه المحمولةَ الثلاثة ومن مفاتيحِه ومن غليونه ومن ولاعةٍ ثمينة تدحرجت على الأريكة ثم على الأرض. لم يأبه. سمع طرقا خفيفا. ادْخُل! فدخل مسؤول العمال يحمل ملفا في لون الخردل وخلفَه بْلْفَقِيرْ. تقدما في صمت وخشوع. كان مسؤول العمال ينحني بقدر اقترابه من المكتب حتى كاد يمشي على أربعٍ، لو طالت المسافة أكثر وكان مُقابلَ نظرية التطور والارتقاء نظريةٌ للتقهقر. وضع الملفَّ الخردلي أمام السيد سرقسطة. لفتته الولاعة على الأرض. هرع إليها ووضعها فوق المكتب وهمَّ بالانصراف في خضم تلك الحركة، لكنَّ السيد سرقسطة أشار إليه بالجلوس وأمر الآخر بالجلوس كذلك. أطل في الملف بسرعة:
سَيِّد بلفقير
ما أسرعَ ما أجاب في كامل حضوره:
– نْعَمْ أسِّي سَرَقُوسْـ..
كان ترخيما للاسم بسبب التَّرَقُّب وجفاف الحلق لا عن مدح أو غزل. التفت إليه مسؤول العمال جاحظا هامسا مُصَوِّبًا. لم يمهله سؤال المدير المتغافل ثانية:
– نْتَ شيفور هنا منذ 2001؟
– نْعَمْ أسِّي سرقسطة..
كان بْلْفَقِيرْ قيدوم السائقين ورغم أقدميته أو بسببها ربما صارت تحوم حوله الشكوكُ في أمر اختفاء شُحناتٍ من الزيت بقدْر قليلٍ لكن مستمر. التحريات لم تـقدم دليلا، لكنَّ شبهةً ما كان تنذر بكسر عِظام أقدميته. آه.. لو ثبتت التهمة، لكانت قطفتْه الشرطة من بوابة الحديد إلى بوابة الحديد بمجرد حضوره. لكنَّ أركان الجريمة منقوصة، ولعله حلقة في عصابة، لا بد من خطة وتربص ليسقطوا جملة. ولئن توقفت الاختلاسات بعد إنذاره فقد لبسته التهمة، والطرد آت، وكلُّ آت قريب!
لبث السيد سرقسطة يتأمل ورقات الملف الخردلي القليلة صامتا مترددا حائرا. كلُّ كلام ٍ مُرسَلٍ على عواهنه سيُواجَه بالبكاء والعويل والإنكار، والمُنكِرُ لا يبيت في السجن ليلة. ثم كالمستسلم، أطبق السيد سرقسطة الملف وفتح درَج مكتبه وتناولَ علبة عودِ ثقاب وضعها أمام بْلْفَقِيرْ. لماذا علبة الثقاب والولاعة فاخرة؟ قال له سرقسطة:
– فْتْحْ أسِّي بْلْفَقِيرْ .. فْتْحْ..
دون قليل من الاستغراب وقد ولى زمنُ الثقاب، تناول بْلْفَقِيرْ العلبةَ الصغيرة وما إن فتحها حتى انبعث منها صرصورٌ متوتر مستنفرٌ فارًّا من محبسه. اهتز بْلْفَقِيرْ للمفاجأة ورمى بالعلبة وقام ينفض يديه من دبيب الحشرة وكهربتها، وينفض أكمامه خشية أن تكون انسلكت بين جلده وثوبه. كل ذلك والسيد سرقسطة ينفجر ضحكا هستيريا مزمجرا، قد احمَرَّت له كل المساحات المكشوفة من بَشْرَته، ويضرب مكتبَه بقبضته ويهتز من مجلسه ويرتَجّ. لم يجرؤ السائق ولا مسؤولُ العمال على الضحك لِضَحِكه. ضحِكُ السَّادة مأدُبة.. لا تَمُدَّنَّ إليها عضلاتِ وجهك حتى يؤذنَ لك!
ما إن اطمأن في جلسته ثانيةً حتى نطق السيد سرقسطة وقد عاد لحزمه والدمعُ مِلْئَ أجفانه من الاهتياج:
– عْرْفْتِي شْنُو هَذَاكْ أسِّي بْلفَقِير؟
سؤال الأكابر عن البديهيات تُخشى مَغبَّتُه. أعاد السؤال فلم يجد بْلْفَقِيرْ بُدًّا من أن يجيب في همسٍ مرتعش:
– هذاك.. هذاك سْرَّاقْ الزِّيتْ٭٭.. نْعَمَاسْ..
جحظتْ عينَا المدير شزرًا وحنقًا كابَد لأجل إطالة أمده لكن.. لم يلبث أن تغيرت ملامحُه كأنما يخرج من دَوْر إلى دور، أو كصبي رأى ما يسُرُّه فتحول للضحك في عز البكاء. بينما بْلْفَقِيرْ يصرفُ نظرَه يمينا وشمالا كمن يتفادى رمي النبال. ثم صرخ السيد سرقسطة مُهتاجا ضاحكا مهتزا من جديد:
– لا.. لا.. لا.. لا.. أسِّي بلفقير .. هذاك ماهوش سْرَّاقْ الزيت.. أنْتَ هو سْرَّاق الزِّيتْ.. هاهاهاهاها…
٭ قاص مغربي
٭ ٭ سراق الزيت اسم الصرصور بالعامية المغربية
رضا نازه