بُعيد الانسحاب هل حققت روسيا أهدافها في سوريا؟

حجم الخط
2

■ فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المجتمع الدولي بقراره الخاص بسحب الجزء الأكبر من قواته من سوريا، بدايةً من يوم الثلاثاء 15 مارس 2016 ، وقد ورد في البيان الصادر عن الكرملين: «أن قرار الانسحاب جاء بعد أن حققت القوات الروسية الجزء الأكبر من أهدافها».
ما أثار حفيظة الكثير من الكتاب والساسة الذين استغربوا من عبارة تحقيق الجزء الأكبر من الاهداف، رغم استمرار وجود «داعش» بقوة على الأراضي السورية، خلافاً للهدف المعلن في القضاء على التنظيم، ومن هذه المقاربة يثار تساؤل مهم، وهو ما هي الأهداف الحقيقية للتدخل الروسي في سوريا؟ وما هي أسباب الانسحاب منها؟ وهل فعلاً حققت روسيا أغلب أهدافها المنشودة من التدخل؟ هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه وكشف اللبس فيه وفقاً للمحاور الآتية:
أهداف التدخل الروسي في سوريا:
رغم إعلان موسكو ان الهدف الرئيس لتدخلها العسكري في سوريا الذي بدأ في 30 سبتمبر 2015 هو مواجهة خطر تنظيم «داعش»، بدلاً من انتظار شنه هجمات داخل روسيا، إلا أن تدخل بوتين في سوريا كان لأسباب عديدة، لبعضها علاقة بالصراع الدائر على الأرض، واكثرها مرتبط بمصالح روسيا الكبرى وعلاقاتها الإقليمية والدولية، ويمكننا إجمال اهداف التدخل الروسي بالآتي:
وقف انهيار الجيش السوري واستعادة التوازن على الأرض، من خلال تركيز ضربات سلاح الجو الروسي على قوات المعارضة السورية.
الرد على الغرب والسعودية، فالغرب فرض عقوبات اقتصادية قاسية على موسكو واختطف منها أوكرانيا، الجناح الأوروبي لقلب روسيا الأوراسي، أما السعودية فتتهمها موسكو بالوقوف وراء انهيار أسعار النفط مصدر الدخل الرئيس في روسيا. استعادة سمعة روسيا وهيبتها ومكانتها الدولية، وإثبات موقعها كدولة عظمى ذات وزن مهم على الساحة الدولية، خاصة بعد استخفاف الولايات المتحدة بها في الموقف الذي عبر عنه أوباما عندما وصف روسيا استصغاراً بأنها دولة اقليمية.
الحفاظ على وجود عسكري دائم في منطقة الشرق الأوسط وإنشاء قواعد عسكرية في سوريا كقاعدة للانطلاق.
تدريب القوات الروسية واختبار كفاءة ودقة وقوة التدمير لبعض الاسلحة والمعدات الحديثة في الميدان السوري. معاقبة اوروبا على سلوكها غير اللائق في التعامل مع روسيا؛ وذلك بتهجير وتوجيه اكبر عدد من اللاجئين السوريين باتجاه تركيا، ومنها لأوروبا حتى كادت أزمة اللاجئين أن تعصف بالاتحاد الأوروبي الذي أوشك على التفكك تحت ضغط ازمة اللاجئين.. وغيرها من الأهداف.

أسباب الانسحاب الروسي من سوريا:

أعلنت روسيا ومنذ بداية تدخلها العسكري في سوريا انه سيكون تدخلاً قصير الأمد وحددته بخمسة اشهر، وعليه فقد انتهى وقت التدخل العسكري وحان موعد الانسحاب، كما حدد سابقاً، بيد إن ذلك لم يكن السبب الوحيد إنما تشترك معه مجموعة من الأسباب، منها:
سعي روسيا إلى تجنب الوقوع في الفخ الأفغاني، أي منع انزلاقها أو جرها إلى حرب استنزاف في سوريا، مشابهة لحربها في افغانستان، فروسيا ليس بوسعها التورط عسكرياً لمدة طويلة في مناطق بعيدة، فضلاً عن ضعف قدرتها الاقتصادية على التحمل. رغبة موسكو في تجنب خوض صراع سافر مع الرياض، وإعلانها الانفتاح على تسوية الأزمة السورية عن طريق المفاوضات، التي تأخذ بالاعتبار مصالح جميع الأطراف بما فيها الرياض.
اتساع حجم الخلافات بين الاجندات الروسية من جهة وبشار الأسد وايران من جهة اخرى، إذ صرح الرئيس السوري انه سيواصل القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وهو ما عده السفير الروسي في الأمم المتحدة اساءة للجهد الدبلوماسي الروسي المبذول للتوصل إلى تسوية سلمية، وعلى الصعيد ذاته شكل اعلان النظام السوري عزمه اجراء انتخابات تشريعية في أبريل 2016 ودعم ايران لهذا القرار الذي اتخذه النظام السوري بدون التشاور مع روسيا، سبباً اخر للخلاف وانزعاج الروس من ايران وبشار الأسد. اعتبرت روسيا هذه الخطوة تخالف نص قرار مجلس الأمن الدولي المرقم (2254) في 18 ديسمبر 2015 القاضي بوقف اطلاق النار وتشكيل حكومة ذات طابع غير طائفي، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال 18 شهراً، وبذلك ابدت روسيا ميلاً نحو تحقيق حل سياسي للأزمة السورية، في حين أصر بشار الأسد وايران على هزيمة المعارضة عسكريا وسياسياً، كما تتمسك روسيا بالهدنة في الوقت الذي تسعى فيه ايران والنظام السوري لكسرها وخرقها. وعليه أرادت روسيا من خلال قرار انسحابها ان تعيد لأذهان سلطات دمشق ان روسيا تسعى إلى التسوية السلمية للأزمة السورية.

مؤشرات نجاح التدخل الروسي

يمكننا القول إن روسيا نجحت في تحقيق مجموعة من الاهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية من تدخلها العسكري في سوريا، وأهمها:
سياسياً: استطاعت روسيا استعادة سمعتها وهيبتها الدولية وحفظ مكانتها كقوى عظمى مؤثرة في التفاعلات الدولية والاقليمية، إذ جر الروس الأمريكان إلى تفاهمات ثنائيةٍ معهم ذات علاقة بسوريا وغيرها من الملفات، بعد رفضهم الحديث مع روسيا مباشرةً منذ أزمة أوكرانيا، فبعد شهر من بدء الحملة الجوية الروسية انطلق مسيرة فينا التي بدأت رباعية ثم توسعت لتمثل 17 دولة بضمنها ايران في اطار (مجموعة دعم سوريا) ولكن هذا المسار سرعان ما انتهى ثنائياً بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية مستبعداً أوروبا وايران للتوصل إلى تفاهمات مشتركة للازمة السورية. ومن جهة اخرى نجحت روسيا في توظيف ازمة اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الاوروبي الذي كاد يتفكك من جرائها، لاسيما بعد تهديد بريطانيا بالخروج من الاتحاد.
اقتصاديا: حققت روسيا تفاهمت مع السعودية، حول اسعار النفط، لاسيما في اتفاق الدوحة الذي ضم كلا من (قطر والسعودية وروسيا وفنزويلا) والذي قرروا فيه تجميد انتاج النفط، وفق معدلات شهر يناير 2016 لتجنب إغراق السوق بتخمة المعروض، وهو ما انعكس ايجابياً على اسعار النفط التي ارتفعت بنسبة 40٪ من ادنى مستوى لها عند حدود 27 دولاراً لبرميل إلى حدود 40 دولاراً للبرميل الواحد.
عسكرياً: تمكنت روسيا من تحقيق مجموعة من الأهداف العسكرية أهمها: إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة وقواعد عسكرية دائمة للانطلاق منها لحماية مصالحها، وهو ما تجسد بالاحتفاظ بوجود عسكري روسي في قاعدة حميميم وميناء طرطوس، ومن جهةٍ اخرى عرض العسكريون الروس قدرتهم على إعلان وتنفيذ العمليات العسكرية خارج حدود بلادهم، وأن موسكو تستطيع تغيير الأوضاع في سوريا بغض النظر عن توجهات المجتمع الدولي. كما ساعدت روسيا عبر تدخلها العسكري نظام الرئيس بشار الأسد على استعادة جزء كبير من الأراضي السورية في الآونة الاخيرة، وتحقيق انتصارات متلاحقة على المعارضة وقوت موقف الرئيس السوري، واخيراً مثّل هذا التدخل استعراضاً عسكرياً للقوة الروسية ومعسكراً تجريبياً للقوات الروسية وتجريب الأسلحة والمعدات الحديثة من حيث الدقة والقوة التدميرية في الميدان السوري.
بعد ان حققت روسيا كل هذه الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية، من غير المعقول ان تتخلى عنها بالانسحاب الكامل من سوريا، وهو ما لم تعلنه وانما احتفظت بوجود عسكري في قاعدة حميميم وميناء طرطوس، فضلاَ عن عدم استعداد موسكو للتخلي عن التنسيق بين جيشها والجيش الامريكي، ويبدو ان الرئيس الروسي يسعى من خلال قرار الانسحاب إلى اظهار القدرة الروسية على صنع معجزة روسية في حل الأزمة السورية، سلمياً وسياسياً، بتفاهمات واتفاقات مع واشنطن بدفع أثمان لروسيا، لعل اهمها استعادة هيبتها ومكانتها الدولية، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، والسماح بارتفاع اسعار النفط تدريجياً بالاتفاق مع السعودية وفنزويلا، مقابل تخلي روسيا عن بشار الاسد والسماح بتغييره عبر انتخابات رئاسية وفقاً للقرار 2254، فضلاً عن الاتفاق على سيناريو اخر لمستقبل سوريا، ألا وهو الفدرلة والتقسيم وهو ما جسده إعلان الاكراد عن تشكيل اقليم فيدرالي خاص بهم شمال سوريا بعد اعلان الانسحاب الروسي، وما يؤكد ذلك ان تاريخ روسيا يسجل غالباً تخليها عن حلفائها مثل، صدام حسين ومعمر القذافي واخرين مقابل مصالحها القومية العليا وأهدافها الاستراتيجية. ومن هنا يتضح ان روسيا تدخلت في سوريا لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها وليس لحماية بشار الأسد، وهي لن تسمح لاحد الوقوف بوجه مصالحها او إعاقتها حتى إن كان الاسد ذاته او ايران، وعليه ينبغي عدم الذهاب بعيداً في التعويل على التدخل الروسي في سوريا أو انسحابها منها؛ لأنها تستخدم سوريا اداة لتحقيق مصالحها واهدافها ولا تقاتل دفاعاً عن سوريا أو الاسد .

٭ كاتب وباحث عراقي

همام السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية