«بُنّي 33»: هنا مصر التي تكره السود

حجم الخط
0

القاهرة – مهدي مبارك: لم ينتظر سائق الميكروباص، شخصاً بدا سودانياً أو نيجيرياً أو من دولة (سمراء)، كي يمر، حتى صرخ: «عدِّي يا زنجي يا ابن الوسخة». توقف الرجل قليلا وعاد للسائق، مستوضحاً «أنت تشتمني أنا يا أخي؟»، فشتمه مرة أخرى بالعاميّة المصرية. رمى الشاب ما يحمله على الأرض، وأوسع السائق ضرباً حتى ضاعت ملامحه.
المشهد، الذي انتشر على مواقع «فيسبوك» وسجَّل 22 ألف «لايك»، كان حجة مناسبة لفريق عمل وثائقي «بني33» لعرض فيلمهم في جامعة القاهرة، لإثبات أنّ العنصرية مرض لم يشفَ منه المصريون حتى الآن ، لكن أغلبية أعضاء لجنة التحكيم اعتبروا أن «الفيلم غرضه تشويه مصر».
زاد الاتّهام سخونة إن قصي أسعد، مخرج «بني33»، سوري نزح إلى مصر ليدرس الإعلام في جامعة القاهرة، فقالت إحدى عضوات لجنة التحكيم: «الدليل إن مصر بلا عنصرية إنك سوري، وهنا في مصر آلاف السوريين».
على طريقة «كيف تعضّ اليد التي امتدت لك؟»، بدأت مناورات اللجنة، التي تتكوَّن من أساتذة إعلام وصحافيين، لإثبات جناية «قصيّ السوري» على مصر، وعلى نفسه.
تحوَّلت مناقشة الفيلم، الذي يروي فيه مصريون من أصحاب البشرة السمراء معاناتهم من السخرية، إلى استفتاء عام بين الحضور: «هل مصر بها عنصرية ضد السود؟».
أغلب الإجابات جاءت بـ«نعم»، خاصة على لسان «المصريين السُمْر»، الذين رووا جانباً من تجاربهم، فكان الردّ يشبه البيانات الحكومية: «كلها حالات فردية».
لم يشفع للفيلم مستواه الفني، التصوير والإخراج و«الاسكريبت»، وفقًا لوجهة نظر الأغلبية، فسقط في مصيدة «تشويه مصر»، وبُتِر منه 4 دقائق – من أصل 15 دقيقة – قبل العرض، لكن أحمد فايق، الناقد السينمائي وعضو اللجنة، كان له رأي آخر: «عمل استثنائي وجبار، لمسات المدرسة الفرنسية في السينما المستقلة واضحة عليه».
لم ينزعج فريق عمل «بني33» من الهجوم الذي تعرَّض له، واتهامات تشويه مصر، رغم إن به 13 مصرياً آخرين، قدر انزعاجه ممَّا سمع من تجارب، بعضها كان أكثر قسوة من عرضه في الفيلم.
روى رامي يحيى، شاعر العاميّة المصري، إنه فوجئ بزملائه في القاهرة يعايرونه بأنه «أسود» بينما زملاء قريبه في «بور سعيد» يسخرون منه: «يا بُنِيّ»، فبدأ رحلة البحث عن لونه حتى اكتشف إنه «بنيّ درجة 33».
لم يسلم مصري واحد من أهل النوبة من السخرية، فتقول فاطمة علي، إحدى شخصيات الفيلم، إنها، في الشارع، تسمع من يناديها: «يا شيكابالا» في إشارة إلى لاعب الزمالك، أو «جيلبرتو» في إشارة إلى لاعب الأهلي السابق، ويزفّها الأطفال بالحجارة.
التحرش بالفتيات «السود» – وفق قولها – له أشكال أخرى: «الشباب المصري عنده يقين إن السمراء (جامدة في السرير)، ويتداولون الأفلام الجنسية للسود، ويحبونها أكثر من أي أفلام أخرى، ويبحثون عن تجربة ليتأكَّدوا».
اعتبرت لجنة التحكيم الفيلم تمّ إنتاجه بغرض مغازلة «جوائز المهرجانات»، وكانت وجهة نظرها إن «المهرجانات تحبّ نوعية أفلام الأقليات التي تهين مصر».. الاتهام لم يعجب قصيّ: «من حقي أن أقدّم فيلمًا يشارك في مهرجانات، ولكن (بني 33) قائم على دراسات ولقاءات بالسُمر في مصر، وتمّ إخراجه كما درست في مدرسة إخراج فرنسية بطريقة الواقعية والاندماج مع الشخصيات، التي تقول ما تريده دون تدخّل.. وهو ما لم يستوعبه أحد».
ويضيف: «المشكلة بسبب عدم قدرة الناس على التفريق بين الفيلم التسجيلي السينمائي (سينما مستقلة)، والوثائقيات المخصصة للعرض التلفزيوني، فالأولى أجرأ، وهدفها تعرية المجتمع، والثانية متحفِّظة».
أصحاب البشرة السمراء خارج «النوبة» أغلبهم بمنطقة «حدائق المعادي» التي تحوَّلت إلى «غيتو» لـ«السود»، لأنها ، وفق قصي، «قريبة من منطقة السفارات الإفريقية في ضاحية المعادي جنوب القاهرة ويروي أحد سكان المنطقة، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه، إن العنف ضده لم يكن من جهة حكومية، إنما يتكفَّل به الشباب والأطفال، الذين لا يتوقفون عن التحرش به وبشقيقته في الشوارع».
ويشير إلى أنّ «المشاهد العنصرية في الافلام المصرية مصدر «إفيهات» السخرية من السود. تتعمّد أفلام الكوميديا المصرية صناعة مفارقات على حساب السُمر».
ليست هذه المشاهد فقط، فأدوار الخادمات والخدّامين والسفرجية والبوَّابين – منذ سنوات الأبيض والأسود – احتكار لأصحاب البشرة السمراء، ويحملون غالباً أسماء عثمان وإدريس، وأشهرها «البيه البواب» بطولة أحمد زكي.
وسجَّل غرق مركب «رشيد» المصرية للمهاجرين غير الشرعيين آخر مشاهد اضطهاد السود في مصر، حيث تمّ وضعهم – بأعداد ضخمة وصلت إلى 200 شخص – في ثلاجة السمك بالبدروم، أسوأ مواقع المركب، وفقًا لروايات شهود عيان أكَّدوا إنه «تمّ انتقاؤهم لأنهم سود وأغلبهم من السودان».
فيما أصدر موقع «أتلانتا بلاك ستار»، الأمريكي المتخصص في الدفاع عن حقوق السود، أواخر 2015، قائمة بـ6 دول إفريقية تسجِّل «عداء تجاه ذوي البشرة السمراء»، وجاءت مصر في المركز الثالث بعد المغرب وليبيا.
وفقًا للتقرير، فإن «العمال المهاجرين من بوركينا فاسو وغانا والكاميرون يتعرَّضون للتميز والضرب بشكل يومي على أيدي مصريين، حيث يتمّ قذفهم بالحجارة ويطلق عليهم (سمارة)، ويتم توقيف المصريين منهم بشكل عشوائي على أساس لون البشرة».

«بُنّي 33»: هنا مصر التي تكره السود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية