تأسيس رابطة الإعلاميين الجزائريين: عندما تجمعنا التاء المربوطة

حجم الخط
4

وأخيرا أعلن عن تأسيس رابطة الإعلاميين الجزائريين في الخارج بعد سنوات من المخاض، فكان لهذه الولادة زمان وأماكن عدة.
لقد وافق الملتقى التأسيسي لهذه المبادرة اليوم العالمي لحرية التعبير، وهو موعد سيؤرخ لها إن كتب لها النفع والبقاء، أما ولادتها فقد جاءت طبيعية ولا يمكنها أن تكون إلا خارج الوطن، حيث يقيم من آمن بها من الإعلاميين في أكثر من دولة، غير أنها تكتسب الجنسية الجزائرية بامتياز، ولكن ماذا بعد هذه الولادة؟
لنقف برهة عند أبعادها، ولا أعتقد أن هناك اختلافا بين الجزائريين في أنها خطوة تاريخية فاجأت من في الداخل والخارج بحجم التجاوب، الذي لاقته بين زملاء المهنة، لا سيما أنها جاءت بجهود فردية متطوعة، واستطاع خلالها اللقاء التأسيسي في لحظة واحدة فتح نافذة التواصل بين دبي والدوحة وموسكو وباريس ولندن، ليعطي نموذجا عن إرادة التواصل مع الآخر بشرط واحد هو الانتماء للمهنة تحت شعار الوطن.
لقد تميز الإعلام الجزائري داخليا وخارجيا بملامح تراوحت جغرافيتها الافتراضية بين ضفة وقطاع وشتات.. ضفةٌ يمارس الصحافي فيها عمله مع مؤسسات عقيدتها مستمدة من وحي السلطة السياسية، وقطاعٌ يمتهن فيه الصحافي مهنته داخل مؤسسات انتزعت شيئا من استقلاليتها، وما زالت تناضل بالكلمة، لكنها ظلت تعمل في ظلال السلطة الحاكمة، وشتاتٌ تتفرق فيه الكفاءة بين مؤسسات إعلامية عدة بعيدا عن الوطن وسلطاته؛ منهم مخضرم هجر مسقط الرأس ولم يهجر صنعته، ومنهم من لم يمتهن الصنعة إلا في مهجره.
وها قد جاءت رابطة الإعلاميين في الخارج اليوم لمد الجسور بين أهل المهنة المغتربين؛ أملا في التعارف والتضامن وتبادل الخبرات، وربما في مرحلة لاحقة ستمتد جسور الشتات نحو الضفة والقطاع لو وجدت لها أرضية إيجابية، لكن يكفي مبدئيا أن يكون للإعلاميين في الخارج كيان وهمي في فضاء افتراضي.
لقد بات على عاتق من يعتقد بضرورة اللحمة في ظل هذه الرابطة كثير من الامتيازات وهي واجبات لا حقوق، وتكليف أكثر منه تشريفا. 
دورنا اليوم أن نجعل هذا الفضاء مناخا صالحا لاحتضان الأجيال الجديدة، ونحن في سنوات كثرت خلالها الكفاءات في الداخل وتكاثرت في الخارج، ومن دون شك فإنها ستكون بحاجة إلى خيمة متماسكة قوية.. وبات علينا زرع أفكار التواصل والتقارب والتكامل والتقدير، وبعث روح المنافسة الشريفة تحت مبدأ «جسور لا حواجز» وشعار «اختلاف لا خلاف»، وأرى أن لزملائنا في المهجر الذين عايشوا سنوات الجمر في الجزائر، وأنا لست منهم؛ الأولوية في طليعة هذه المبادرة حتى يبقى منهجها موصولا بمبادئ الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لحرية الكلمة.
هذه الرابطة ولدت اليوم، وصار أمامها مجال لخوض تجربة جماعية سيتضح مسارها وتنضج خبرتها عبر الأيام، وصار من حقها أن تخفق في شيء وتنجح في أشياء، لكن يجب عليها أن لا تعترف بالفشل أو تستسلم له. من دون شك ستجد هذه المبادرة تحديات ومعوقات، وربما قد تواجه انتقاصا أو تشويها، ولعلها تسقط في مطبات ما بعد الحواجز، لكن بات عليها أن تحدد هويتها كي تعرف وجهتها ولا تضيع في متاهات التائهين.. لا نريد منها أن تحبو طويلا بل أن تقف على قدميها بهوية مهنية ثابتة وعزيمة صلبة.
لقد سجلت فعلا سابقة تاريخية نفتخر بها وبروادها، ونرى أن دعمها بين الزملاء واجب مهني من دون أن يسمح بالخلاف مع من اختلف معها أو تخلف عنها مترددا أو متحرجا في الالتحاق بركبها. وبقي أن أقول إن لكل حكاية بداية، وإن بدايتنا اليوم يوحدها حرف واحد هو التاء المربوطة، إنها الرابطة.

عبد الفتاح بوعكاز – رئيس تحرير قناة «العرب»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية