تأملات في راهنية الواقع العربي

حجم الخط
1

في الحقيقة أن الديمقراطية تنعدم في كل مجتمع لا تكون فيه السيادة للشعب، والقوانين ذات حدود متباينة، والقضاء على الخرافة السياسية وسلطة الأشباح، ذلك أن الديمقراطية بمعناها السياسي الفلسفي هي، ذلك الشكل من الحكم الذي تمارس فيه السلطة من قبل الشعب «عندما يكون الشعب هو صاحب السيادة، فإن هذه السيادة تأخذ كامل أبعادها، ولا تتحمل أي حدود تفرض عليها… إنها الديمقراطية».
ثمة إذن اتفاق على أن الحكم الاستبدادي التعسفي هو الشكل الرديء من أشكال الحكم، «فالحاكم يفعل ما يحلو له من دون التقيد بالقانون»، بل أنه يمثل سلطة الله على الأرض، ولذلك يفرض على الشعب طقوساً مقدسة تقوده إلى نسيان حقوقه السياسية، ثم إلى عبودية مطلقة، تضمن على الدوام سيطرة الأقلية على الأكثرية، وبعبارة أخرى، يستعين المستبد بحكومة الأعيان ورجال الدين، من أجل فرض الطاعة والهيمنة، لأن: «النظام المستبد لا يقوم على عقد اجتماعي، بل على العنف، وغالبا ما يكون هذا العنف مغلفا بتقاليد مجردة من كل قوة قانونية، أو بوهم الأصل الإلهي للسلطة». والأخطر من ذلك أن المواطنين الذين يرزحون تحت نير حاكم مستبد لا وطن لهم، إنهم ليسوا أساسا مواطنين، بل مجرد رعايا، يخضعون للمستبد وكأنهم قطيع يقاد إلى الرعي في مراع خصبة: «ففي حين يخضع المواطنون الحقيقيون للدولة، أي لشخصية معنوية، فإن الرعايا يخضعون للعاهل، أي لشخصية مادية، وفي حين يعتبر المواطن إنسانا اجتماعيا، يعتبر الرعية مجرد فرد».! فكيف أمكن لشعب بكامله أن يتنازل عن حقه في المواطنة، والوطن في الوقت ذاته؟ ألا يكون هذا الشعب قد خربته الأشباح ونالت منه سموم الإكليروس؟ ألا يكون الحس المشترك وطغيان الحدس الديني، على الوعي المدني وراء هذه المأساة؟ ولماذا لا يطالب بالسلطة، الرعية التي تجعل منه إنساناً اجتماعيا وليس مجرد رعايا؟
والحال أن عقل الأنوار هو الذي يخلص الشعب من الأصفاد، لكنه لن يحل في شعب يدير ظهره للمعرفة والعلم، لأنه كلما تقدم العقل البشري، إلا وتقدمت الأنوار، التي تسمح بإمكانية إقامة نظام اجتماعي أكثر منطقا وعقلانية يستمد قوته من القانون المدني: «لأن الخطأ يسقط، يقول ديدرو، فيعقبه خطأ آخر يسقط بدوره، لكن الحقيقة التي ترى النور، والحقيقة التي تعقبها، تشكلان حقيقتين دائمتين». ومهما يكن من أمر، فإن الحقيقة تتحرر من كل القيود، وتظهر حين يأتي وقتها: «والحقيقة كفيلة مع الأيام بتحقيق كل ما تقتضيه مصلحة البشرية، لأنها تنتصر دوما في آخر المطاف، وأنها ستظل تنصهر مع الأيام، باعتبارها صراعاً طبقيا».
بيد أن الحقيقة لا تظهر في أمة، إلا عندما تصبح عقلانية، فتقدم العقل دواء فعال ضد جميع أمراض المجتمع، إذ لا بد من القضاء على هذه الأمراض: «يا أيها الرجال الأفذاذ، يا من منت عليكم الطبيعة بالعبقرية والشجاعة، إن مصيركم مضمون، ذكرى مديدة عبر الأجيال، وتكريم لا ينتهي، وأنتم يا أيها الحاقدون، يا أيها الجهلة، المخادعون، المتوحشون والجبناء، إن مصيركم أنتم أيضا مضمون؛ فلعنة الأجيال تنتظركم».
هكذا يكون الصراع بين أنصار الأنوار وأنصار الجهل والظلمات، صراعاً من أجل الحقيقة، ومن أجل كرامة الإنسان، ولذلك فإن التغيرات السياسة لا تتم دائما بالطرق السلمية، على الرغم من أن هناك بعض الشعوب المسكينة ميالة إلى الطاعة والخضوع، بيد أنها حين تتدمر تثور على المستبد: «كل حكم لا يقوم إلا بالقوة، لا يزول إلا بالقوة»، فالشعب المستاء لن يقنع دوما بالتعبير همسا عن تذمره، بل يأتي يوم ينتقل فيه إلى الفعل والعمل، ففي ظل الحكم الاستبدادي، يسترد العقل والطبيعة حقهما في مقاومة العسف: «فإن انعدمت المقاومة، تحول الرعايا في نظره إلى قطيع من الأغنام»، لكن بأي معيار تصبح المقاومة هي محرر الشعب من الحكم المستبد؟ وكيف يمكن أن يكون الحاكم مستبداً، من دون أن يحول الدولة إلى دولة استبدادية؟ وبعبارة أخرى، هل يستطيع الفرد أن يؤثر بطبيعته على الدولة بكاملها؟
والحق أن مشيئة الحاكم المستبد إذا ما انحطت وفسدت تعرضت الدولة إلى الفساد والانحطاط، فالحاكم: «إذا ما غلب سلطته على سلطة القانون.. وضحى بأموال الدولة لنزواته، وبالسلم لمجده وعزه.. إذا ما أصبحت المناصب ومظاهر التكريم من نصيب الدساسين والكائدين، وإذا ما تضاعفت الضرائب واضمحلت الروح الجماعية، سقطت الغشاوة عن أعين الرأي العام». هكذا تصبح الثورات ضرورية، من أجل إسقاط الأنظمة الاستبدادية، لأنها كالأوبئة التي ينبغي التخلص منها بواسطة انتشار الوعي بين أفراد الشعب، إذ لا يهم من هذا الشعب إلا تلك النخبة التي أضحت تدافع عن حقوقها السياسية، أما الذين تلتهمهم نيران الوجدان، فلا مجال لإقناعهم، فلعنة العبودية تلاحقهم.
كم أعجبني ديدرو حين قال: «خير للإنسان أن يكون مجنوناً بين المجانين من أجل أن ينفرد بالحكمة»، ولعل هذا يعني الشك في إمكانية تغيير المجتمعات المقهورة التي امتزج فيها الحلم في اليقظة، بالعقل، لأنها حرمت من هذا النور الفطري، وبدأ غروبها مبكراً في شفق الوجدان، مملكة الوجدان المشتعلة؛ تعين النساء لها عاداتها وتقاليدها.
وبما أن الشعب المقهور لن يحب القوانين، ولن يحترمها ويطيعها ويدافع عنها، إلا إذا كان هو صانعها، لأن الصانع يكون دائما منتشياً بمصنوعه.. ولذلك: «ينبغي انتخاب ممثلي الشعب من بين المواطنين العقلاء الأكثر استنارة والأكثر حرصاً على السعادة العامة»، وهؤلاء هم صناع إرادة الشعب، والروح الجماعية المنصهرة في الحرية والمساواة: «فالمواطنون عندهم أصدقاء القانون، لا عبيده، إنهم يدركون أن كل ضرر يلحقونه بالمجتمع لا بد أن ينعكس سلبا على مصالحهم بالذات، لأن مصلحة الأفراد وثيقة الصلة بالمصلحة العامة». هكذا يتحول حب الوطن إلى شغف، يمنع استفحال الخلافات بينهم، وتقل المشاجرات واللجوء إلى المحاكم إلا عند الضرورة. ذلك أن المجتمع الذي تسوده الروح الجماعية وأخلاق الواجب، تنتصر فيه المشيئة العامة، على الارادة الخاصة، ينصهرون في نزعة إنسانية، تجعل منهم أجساداً متعددة، ولكن بروح واحدة، اسمها حب الوطن، فكيف يمكن لهذا الحب أن يقتحم قلوب البؤساء و الأشقياء؟ هل تستطيع هذه الطبقة المتنورة تعميم هذا الشغف؟

٭ كاتب مغربي

د. عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية