تأملات مصرية في الدراما التونسية

كثيرا ما يقال إن التجربة التونسية بعد الثورة أكثر نضجا من التجربة المصرية، وقد يكون ذلك صحيحا في الإجراءات، خاصة بعد إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تونس، التي جرت بنظام القوائم النسبية، المتفوق بطبعه على نظام الانتخاب الفردي.
كل ذلك صحيح ومقبول، ويستحق الشعب التونسي عليه عظيم التهنئة، لكنه لا يلغي الحقيقة الأكثر رسوخا، التي أكدتها نتائج الانتخابات التونسية، وهي أن ما يسقط في مصر لا ينجح في غيرها، وأن الإيقاع المصري هو الأصل، وهو الذي يعيد رسم خرائط السياسة في المنطقة، وبكافة أقطارها مشرقا ومغربا، بما فيها تونس.
وقد تكون أسباب تونسية محضة وراء إخفاق حزب «النهضة» ذي الجذور الإخوانية، والنكسة الظاهرة التي أصابته، وتحوله إلى المركز الثاني بعد حزب «نداء تونس» حديث النشأة، وفقدانه لعشرين مقعدا برلمانيا من أصل 89 حصل عليها في المجلس التأسيسي السابق، ونزول نسبة تمثيله البرلماني من 41٪ إلى 31٪، فيما لم يحصل شعبيا سوى على نسبة 26٪ من الأصوات، وقد بدا التراجع مؤثرا وغائرا، وأصاب منتسبي «حزب النهضة» بصدمة عنيفة، فهو الحزب الأكبر في تونس، وعدد أعضائه يفوق المئة ألف، ويمتلك تنظيما حزبيا فائق التماسك، ويروج لنفسه بالشعارات الدينية في مجتمع كله من المسلمين، وتمويله بالمليارات، ويحظى بقيادات رشيدة متنورة من نوع راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، ويعود ظهوره على الساحة التونسية إلى سبعينيات القرن العشرين، وبعد تحول قائده الغنوشي من الفكر القومي الناصري إلى الفكر الاخواني، وكلها عناصر ومؤهلات، جعلت «النهضة» أفضل أحزاب التيار الإسلامي العربي عموما، وجعلته في موقف متقدم فكريا عن التنظيم الدولي للإخوان الذي تركه الغنوشي من زمن، وإن احتفظ بعلاقات قرابة فكرية وتنظيمية مع حزب الإخوان في مصر، في حين نظر له قادة الإخوان بعين من نقص الرضا، وأتذكر أن أحد قادة الإخوان وصفه بأنه يمثل «الإسلام الاوروبي»، وهو وصف أراد به القيادي الاخواني انتقاصا من مكانة الغنوشي، وإخراجه بالجملة من زمرة ما يعرف بحركات الإسلام السياسي، وقد حاول الغنوشي ترشيد سلوك حزب الإخوان في مصر، ونصحهم بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة الأولى في مصر بعد الثورة، لكنهم لم يستمعوا لنصائحه، ولا لنصائح نائبه الشيخ عبد الفتاح مورو، وواصلوا غيهم، ومحاولاتهم أخونة الدولة المصرية، على ظن أن شعبيتهم التي توافرت في لحظة عابرة من الزمن المصري قد تدوم، وهو ما ثبت ضلاله، فقد انهارت شعبيتهم مع الحكم الرديء قصير العمر، ورفضوا إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبإحساس غريزي بتدهور الشعبية التي راكموها عبر 85 سنة من الوجود التنظيمي والاجتماعي، ثم انتهت القصة إلى العصف بهم شعبيا، وبانحياز الجيش المصري إلى الشعب.
وكان الغنوشي يدرك أن ما جرى في مصر سوف يلقى صداه في تونس، وسوف يؤثر سلبا على مكانة «حزب النهضة»، ولم تكد تمضي أسابيع على ما جرى في مصر مع ثورة 30 يونيو 2013، حتى اشتعلت الأوضاع في تونس القلقة، وتكونت جبهة إنقاذ تونسية على طريقة جبهة الإنقاذ المصرية، وتدفق عشرات الآلاف إلى الشوارع، في مشهد فاق مشاهد الثورة التونسية التي خلعت بن علي، وكانت الشرارة هذه المرة في اغتيال النائب الناصري التونسي محمد البراهمي بعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، وكان للتحرك الشعبي التونسي هدف مماثل مستلهم من التحرك الشعبي المصري، وهو خلع «النهضة» وشركائها من الحكم، وهنا ظهر رشد قيادة الغنوشي، فقد أحنت رأسها للعاصفة الشعبية، ولم تتمسك بحكومة «حزب النهضة» رغم استحقاقه الانتخابي، وكانت النهضة قد شكلت حكومتين بعد فوزها بالأكثرية في أول انتخابات جرت بعد الثورة، واحدة برئاسة قيادي النهضة حمادي الجبالي، والثانية برئاسة القيادي علي العريض، ولم تستأثر بمقاعد الحكومة، وأتاحت الفرصة لشريكين علمانيين، أحدهما هو حزب المنصف المرزوقي الذي صار رئيسا للجمهورية، والثاني هو حزب مصطفى بن جعفر، الذي صار رئيسا للمجلس التأسيسي، ورغم الانفتاح الواسع لحزب النهضة، فقد كانت قيادته تدرك الحقيقة، وهي أن ما جرى في مصر لن يمر بدون عقاب حركة النهضة من الشعب التونسي، ولذلك فضلت إيثار السلامة، والخروج من الحكومة التي استمرت في حوزتها لعامين، وتركت العام الثالث لحكومة كفاءات من المستقلين، ولم تفكر في إدارة صدامات على طريقة اعتصام «رابعة» الاخواني، وفضلت سلامة تونس على بقاء النهضة في الحكم، وقدمت تنازلات هائلة في صياغة الدستور التونسي، وتصرفت كأنها حزب ليبرالي علماني تماما، ورفضت مجرد الإشارة إلى «الشريعة الإسلامية» في نص الدستور، مع أن مادة «الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع»، ظلت تتصدر الدساتير المصرية قبل وبعد ثورة يناير، وقبل وبعد خلع الإخوان، وربما لإلحاح قضية الهوية القومية والحضارية عند المصريين بأكثر مما يبدو عند النخبة التونسية الفرانكفونية الهوى.
المهم أن قيادة «حزب النهضة» واصلت ما تصورته تحسينا لصورتها عند الجمهور التونسي، وباعدت بينها وبين جماعات التطرف الدموي التي جعلت تونس أكبر بلد عربي مصدر للإرهابيين، وأرادت امتصاص صدمة ما جرى في مصر بالذات، والنفاد بجلدها من المحرقة الشعبية، وهو ما أسهم بالفعل في تقليل خسائر «النهضة» بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، فقد تجنبت مصائر الفناء والعزلة الشعبية التامــــة، وحصلت على نسبة معقولة من أصوات الناخبين، لا تمكنها من الحكــــم ثانية، لكنها تبقي على وجودها كرقم مهم في المعادلة التونسية، وإن كانت الإبادة الشعبية مصير الذين تحالفوا مع حـــزب النهضة، فقد لحقتهم توابع الزلزال المصري، وذهب حزب المـــرزوقي ومصطفى بن جعفر إلى مقابر السياسة، وإلى حيث لا يبكي عليهم أحد، ولا حتى «حزب النهضة» الفرِح بأهون الضررين، وبالطبع بدون أن يتذكرهم التنظيم الدولي للإخوان الذي لا يرضى عن الغنوشي نفسه.
قد يفوز الباجي قايد السبسي في انتخابات الرئاسة التونسية الوشيكة، بعد أن فاز حزبه «نداء تونس» في انتخابات البرلمان، وبنسبة تمثيل تناهز الأربعين بالمئة، وهو ما يعطيه حق تشكيل الحكومة، وبدون حاجة للتحالف مع «حزب النهضة» غالبا، وبالاعتماد على ما يسميه بالعائلة الديمقراطية، وهو ما قد يثير سؤالا عن السبسي نفسه، وهل هو من «الفلول» على طريقة التعبير المتداول في الساحة المصرية؟ لا يبدو الوصف منطبقا تماما في حالة السبسي، بالقياس إلى تاريخ تونس المعاصر، فالسبسي ليس من فلول المخلوع بن علي، وبالطبع لم يشارك في الثورة التونسية، تماما كما لم يشارك حزب النهضة، وقد وقع اختيار أحزاب تونس على السبسي بعد هروب بن علي، وجعلوه رئيسا لأول حكومة مؤقتة بعد الثورة، وهو الذي أشرف على الانتخابات الأولى التي فاز بها «حزب النهضة»، لكن السبسي الذي يقترب عمره من حاجز التسعين سنة، أثبت أنه سياسي محنك، لم يتفرغ الرجل لكتابة مذكراته، بل بدا شابا طموحا مليئا بالحيوية، وأدرك مبكرا أن حكم «النهضة» إلى زوال، وراقب ما جرى في مصر بالذات، وتجاوب مع الرغبة الشعبية لإجراء انتخابات مبكرة، وأسس في نهاية 2012 حزب «نداء تونس»، وبدا متأثرا بميراث الحبيب بورقيبة، وقد شغل السبسي منصب وزير خارجية تونس في سبعينيات القرن العشرين، وله كتاب ضخم عن بورقيبه بعنوان «المهم فالأهم»، ولم يشغل مناصب تنفيذية في عهد بن علي، الذي انقلب على بورقيبه سنة 1987، واكتفى بمناصب منتخبة جعلته رئيسا لمجلس النواب، وهو ما مكن السبسي من الاحتفاظ بصورة سياسية معقولة، ثم بذكاء نادر، جعله يؤلف حزبا تحت صورة بورقيبه المعاصرة لصورة عبد الناصر في مصر، جمع فيه أشتاتا من البورقيبيين والنقابيين والليبراليين واليساريين، وابتعد عن الأنصار الظاهرين لابن علي، الذين شكلوا بدورهم أحزابا أخرى فلولية بامتياز، سقطت جميعا في الانتخابات الأخيرة، بينما حقق حزب السبسي فوزه الكبير، الذي عكس تطورا سياسيا لافتا في وعي الناخب التونسي، الذي أعطى «الجبهة الشعبية» مركزا متقدما في نتائج الانتخابات. و»الجبهة الشعبية» إطار جامع لأحزاب ونزعات يسارية وناصرية وبعثية، تشكل البديل الأفضل لحكم اليمين السياسي التونسي، سواء كان في صورة «النهضة» أو «النداء»، وكلاهما يتبنى برنامج الليبرالية الجديدة، ومع فوارق تجعل «النهضة» أفضل لأمريكا، و»النداء» أفضل لفرنسا، لكن الأفضل لتونس لم يأت بعد.

٭ كاتب مصري
[email protected]

عبد الحليم قنديل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية