الرزنامة الإسلامية لا تراعي تبديل الوزراء، حتى ولو كانوا وزراء دفاع. رمضان، شهر الصيام الإسلامي الذي يحل بعد نحو اسبوعين، سيكون الاختبار الاول لافيغدور ليبرمان. في السنة الماضية، مثلما في غير قليل من السنوات الماضية، كان هذا الموعد مؤشرا لبداية موجة عمليات.
الان ايضا توجد مؤشرات مقلقة. في الشهر القريب سيكون الشارع الفلسطيني عرضة بعدة اضعاف للتحريض في المساجد والشبكات. مواقع حماس والجهاد لا تنتظر بداية رمضان. ومثلما في السنة الماضية، بدأت منذ الان باشعال النار والشرح بانه في رمضان، شهر الجهاد والانتصارات اللامعة في الإسلام، يتعاظم الاستعداد للتضحية بالنفس.
وحقيقة أن جهاز الامن في اسرائيل الان بالذات ينفذ قرار السماح لـ 30 الف فلسطيني آخر العمل في اسرائيل، ترفع أكثر فأكثر مستوى المخاوف.
يدور الحديث عن سياسة وضعها الجيش الاسرائيلي ووزير الدفاع المنصرف موشيه يعلون. وتبناها المجلس السياسي الامني؛ وتستند السياسة إلى فرضية عمل تقول ان التسهيلات الاقتصادية ستساعد في منع التصعيد في العنف، وان سياسة الحفاظ على اماكن العمل للفلسطينيين في اسرائيل ستلجم الإرهاب. وفي زيادة العدد تندرج ايضا الخطة لرفع مستوى المعابر في الضفة، تلك التي يأتي منها الفلسطينيون للعمل في اسرائيل. ومن شأن رفع مستوى المعابر هو ايضا ان يزيد عدد العاملين في نطاق الخط الاخضر.
اللقاء الزمني بين رمضان وبداية تطبيق هذه السياسة يستدعي لقوات الامن اختبارا غير بسيط. فالمرشح الامني لا ينجح دوما ومع ذلك فان محافل الامن مستعدة للمخاطرة.
طرأ في الاشهر الاخيرة انخفاض دراماتيكي في عدد العمليات القاسية. من 59 عملية قاسية في ايلول 2015 طرأ انخفاض إلى 41 في تشرين الثاني، 34 في كانون الاول، 26 في كانون الثاني، 21 في شباط، 21 في اذار و 5 فقط في نيسان. غير أن ايار ـ سجل مرة اخرى ارتفاع في عدد العمليات القاسية، ولا سيما في القدس وفي غلاف القدس.
يوم الاثنين فقط اطلقت النار فقتلت مخربة حاولت الطعن في حاجز شرطي قرب جفعات زئيف. وفي نهاية السبت الماضي اطلق مخرب النار على باص محصن للاطفال كان يسافر من الجنوب إلى القدس بين تقوع وافرات. وبالمعجزة انتهى الحدث بلا اصابات. وكان الباص يقل تلاميذ مدرسة مكور حاييم الدينية، ذات المدرسة التي اختطف ثلاثة من تلاميذها وقتلوا قبل نحو سنتين.
ينبغي ان يضاف إلى هذا سلسلة أحداث إرهابية اخرى في القدس والمحيط: تفجير العبوة قرب حزما، والتي اصيب جراءها ضابط من الجيش الاسرائيلي بجراح خطيرة؛ عملية طعن في شارع الانبياء في القدس، قرب باب العمود (اصابة طفيفة)؛ عملية الطعن التي اصيبت فيها امرأتان بعمر نحو 80 سنة في حي ارمون هنتسيف؛ اطلاق النار على مركبة لحرس الحدود في مدخل مخيم قلنديا للاجئين؛ عبوة جانبية القيت نحو افراد من الشرطة في منطقة جبل المشارف قرب العيساوية؛ وكذا احباط عملية خطط لها مقيم من بيت لحم، شرطي من الشرطة الفلسطينية. كل هذا حصل هذا الشهر، في فترة زمنية من اسبوعين.
دعوة حاخامية صريحة
مصدر آخر للقلق هو الاحتكاك المتعاظم المتوقع في يوم القدس، الذي يحل هذه السنة قبل بضعة ايام فقط من بداية رمضان. هذا القرب، كما تعتقد اوساط جهاز الامن، يخلق امكانية كامنة لمشاكل في المنطقة الاكثر حساسية في القدس: البلدة القديمة والحرم.
مسيرة الإعلام التقليدية التي تجري في يوم القدس تمر في كل سنة في داخل البلدة القديمة في منطقة الحي الإسلامي. ومنذ الان تنطلق مطالب لتغيير المسار هذه السنة منعا للمواجهات بين اليهود والعرب. وبالمقابل، يعمل اليمين في بلدية القدس، على ابقاء المسار على حاله.
في منطقة باب العمود يسود التوتر أيضا. فالعروض التي تبادر اليها شركة تطوير شرقي القدس في مغارة صديقياهو المجاورة ـ في الاسبوع الماضي فقط عرض هناك في امسيتين منفصلتين ميري مسيكا وماتي كسبي ـ وان كانت تجتذب الجمهور؛ إلا انه نشر حاخامون دعوات للجمهور الاصولي للامتناع عن الوصول إلى حائط المبكى من جهة باب العمود.
والدعوة الاكثر صراحة اطلقها الحاخام الرئيس اسحق يوسف. وذلك على خلفية حقيقة انه في الشهرين الاخيرين كانت معظم اهداف عمليات الطعن في منطقة باب العمود ومحطات القطار الخفيف المجاورة له، هي اهداف اصولية؛ اولئك الذين برز مظهرهم ولباسهم الاصولي.
المظهر الاصولي، كما تبين في موجة الإرهاب الاخيرة، يسجل لمنفذي عمليات الطعن هدفا، دون خوف من الوقوع بالخطأ فطعن عربي.
على هذه الخلفية توجه ايضا حاخاما حارة اليهود، افيغدور نبنتسال والياهو مدينا إلى الشرطة، وطلبا اغلاق حارة اليهود امام المسلمين الوافدين والخارجين من الحرم في اثناء شهر رمضان.
في الحرم نفسه تعتزم الشرطة ان تقيد في اثناء شهر رمضان عدد الزوار اليهود، وعند الحاجة ـ وفقا للمعلومات الاستخبارية ـ اغلاقه في وجههم تماما. فالاتفاق بين الاردن واسرائيل لنشر 55 كاميرة في الحرم لم يخرج إلى حيز التنفيذ، عقب المعارضة الشديدة من الفلسطينيين.
وكانت حماس والجناح الشمالي من الحركة الإسلامية هما من تصدرا هذه المعارضة، خوفا من أن توثق الكاميرت اعمال الاخلال بالنظام واحداث العنف التي تبادران اليها. وفي اعقابهما سارت السلطة الفلسطينية ايضا.
وقد فعل الضغط الثلاثي فعله. فتراجع الاردن عن طلبه نصب الكاميرات في الحرم. فريق الخبراء الاردني، الذي تواجد في القدس لغرض تركيب الكاميرات، عاد إلى عمان.
وأعلن الاردنيون رسميا بان المعارضة الفلسطينية هي التي اسقطت الخطة. في اسرائيل خاب ظنهم؛ فغياب الكاميرات سيجعل صعبا على الإعلام الاسرائيلي ان يوثق بشكل مرتب ومنهاجي الاعمال الاستفزازية وفي غير مرة العنيفة لجماعات المرابطين والمرابطات في الحرم، او مخزونات الحجارة، الزجاجات الحارقة والالعاب النارية التي تستهدف المس والتشويش على زيارات اليهود إلى الحرم.
تغيير واحد على الاقل من الطرف الاردني متوقع مع ذلك في الحرم: فالاردن يعتزم توسيع طواقم المراقبين من الاوقاف بنحو مئة شخص وذلك «لتشديد الرقابة على اليهود الذين يزورون هناك والتأكد من عدم صلاتهم في المكان».
لاعبة اخرى تحاول مؤخرا ايجاد مكان لها في شرقي القدس ولا سيما في الحرم هي تركيا. بنحاس عنبري، محلل كبير في «المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية»، يرسم مؤخرا خريطة كل اللاعبين العاملين اليوم في شرقي القدس. فقد وجد عنبري ضمن امور اخرى بان رائد صلاح والجناح الشمالي من الحركة الإسلامية الاسرائيلية (والذي اخرج مؤخرا عن القانون) هم الذين وضعوا الجسر، الذي تسللت اليه تركيا إلى شرق المدينة بشكل عام، والى ساحة الاقصى بشكل خاص.
يتبين أن رجال صلاح هم الذين يعلقون مؤخرا إعلام تركيا في الحرم. ويشير عنبري إلى سلسلة من المؤسسات التركية او ذات الصلة بتركيا، العاملة بشكل مستقل او بالتعاون مع محافل في شرقي القدس. ويوجد بينها ـ «جمعية المحبة لرعاية الاطفال في ضائقة» في راس العمود ـ والتي تعمل ايضا على حفظ الطابع الإسلامي للقدس؛ جمعية باسم «TIKA» تتماثل مع الرئيس التركي اردوغان، تعمل على اعادة بناء موقع النبي موسى، الذي كان موقعا للاحتفالات الصوفية في عهد الحكم العثماني في البلاد؛ ومؤسسة أخرى باسم «مصابيح» تدعم مؤسسات تعليمية إسلامية في القدس.
ويتنافس النشاط التركي عمليا مع نشاط الاردن في الحرم، وبشكل غير مباشر يتآمر ايضا ضد اسرائيل. وكما هو معروف تشجع اسرائيل النشاط الاردني في الحرم وتسنده، على خلفية سلسلة من الاتفاقات، التفاهمات والمصالح المتبادلة التي لها مع الاردن.
مصلحة البرغوثي
قبيل رمضان تتطلع الانظار الاسرائيلية إذن إلى الحرم وفي نفس الوقت ـ تتابع حماس ونشاطها هناك.
وتشدد محافل الامن على أن حماس حاولت وتحاول وستحاول في المستقبل ايضا نقل «الانتفاضة الشعبية» من مستوى السكين والسيارة الداهسة إلى مستوى البندقية والنار الحية.
العملية التي نفذتها حماس في خط 12 في القدس في الشهر الماضي من خلال نشيط المنظمة عبد الحميد محمد ابو سرور من بيت جالات، وكذا حدث اطلاق النار في نهاية السبت بين افرات وتقوع، هعبر عن هذا الميل.
والسبب الوحيد لقلة العمليات «الحارة» نسبيا من مصنع حماس هو عدد عمليات الاحباط العالي التي تقوم بها المخابرات والانتشار الاستخباري الجيد لها.
مثال عن هذا الانتشار حصلنا عليه مؤخرا فقط عندما رفعت الدولة لائحة اتهام إلى المحكمة المركزية في القدس ضد تاجر السلاح حسام الاشهب من قلنديا، مما كشف عن سعر السلاح الذي يمكن لمحافل الإرهاب المختلفة الوصول اليه. وحسب لائحة الاتهام، فان الاشهب نفسه اطلق النار مرتين في نهاية السنة الماضية على قوات الامن، ولكن اساس نشاطه انصب على بيع السلاح.
يتهم الاشهب في انه باع بنادق كارل غوستاف بسعر 4 الاف شيكل للواحدة، 750 رصاصة لبندقية ام 16 بسعر 3 الاف شيكل، و6 قنابل صوت بسعر 5.500 شيكل. وفي احد الحالات على الاقل استخدم السلاح الذي باعه الاشهب في عملية اطلاق نار في القدس، عندما اطلق فلسطينيان النار على المسافرين في محطة باس في مفترق راموت في القدس وعلى شرطي حرس الحدود في منطقة «شمعون الصديق».
من يدفع نحو توسيع «الانتفاضة الشعبية»، فضلا عن حماس، هو مروان البرغوثي، مسؤول فتح المحبوس في اسرائيل خمسة مؤبدات على تخطيط عمليات في الانتفاضة الثانية.
ويعتزم البرغوثي كما تقول زوجته فدوى عرض ترشيحه لرئاسة السلطة. وهو يحظى بتأييد صائب عريقات وامين سر المجلس الثوري لفتح امين مقبول، وهو يعرض اكثر من مرة بصفته «نلسون مانديلا الفلسطيني».
مؤخرا نشر البرغوثي مقالا واسعا في صحيفة «القدس» الصادرة في شرقي القدس، وتحدى البرغوثي في المقال السلوك الحالي للسلطة الفلسطينية ورئيسها ابو مازن. وهو يطالب باستئناف «خطاب التحرر الوطني»، ووقف التنسيق الامني مع اسرائيل والتحرر من التعلق بها.
كما يهاجم البرغوثي طريق المفاوضات ويصفها بانها عديمة الجدوى وتحرمنا بقدر كبير عناصر خطاب التحرير في صالح الخطاب القانوني وقرارات الأمم المتحدة المنقطعة عن الواقع.
وتتعرض السلطة الفلسطينية إلى «هجوم» من إيران ايضا. فهذه تهاجم خط ابو مازن وتوضح بان الاموال المخصصة لعائلات الشهداء الفلسطينيين (7 الاف دولار للعائلة) والعائلات التي هدمت منازلها (30 الف دولار للعائلة) ستنقل بغير طريق السلطة بل من خلال صندوق الشهيد الإيراني، والذي يحول المساعدات المالية لحزب الله، لحماس والجهاد الإسلامي ايضا.
إرهاب بلا قيادة
وفي هذه الاثناء نشر مركز الاستعلامات للإرهاب خلاصة للاشهر السبعة من موجة الإرهاب الاخيرة. ويقول خبراء المركز ان الهجمة الإرهابية الاخيرة لم تبدأ في اعقاب تخطيط مسبق او تعليمات من السلطة الفلسطينية، من منظمة تخريبية ما، وان «ليس لها قيادة».
ويقضي المركز مع ذلك بان تعريف ابو مازن للاحداث بانها «مقاومة بالطرق السلمية» او «مقاومة غير مسلحة» ليس له ما يستند اليه، وان هذه هجمة عنف وإرهاب بكل معنى الكلمة.
عدديا يدور الحديث عن 248 عملي كبيرة، منها نفذ عمليا 204، واحبط ما لا يقل عن 45. وهذه العمليات هي بالاساس عمليات طعن (144)، عمليات دهس (28) وعمليات اطلاق نار (19). وكانت عمليات اطلاق النار هي الاكثر فتكا وتسببت بموت 16 شخصا، من اصل 35 من قتلى الهجمة الإرهابية الحالية.
76 من اصل 204 عمليات هامة نفذت في القدس الموسعة وفي مدن اسرائيلية اخرى. 128 عملية نفذت في مناطق الضفة، مع التشديد على مدينة الخليل. ولا يتضمن هذا الاحصاء احداث كثيرة من رشق الحجارة والقاء الزجاجات الحارثة.
ويجمل المركز معلوماته بان المخربين الذين نفذوا العمليات كانوا بشكل عام شبانا، بعضهم تلاميذ مدرسة وطلاب عاطلين عن العمل بل ماض في العمليات وبلا انتماء سابق لمنظمات إرهاب. نحو 50 في المئة منهم كانوا في اعمار بين 16 و 22. معظمهم جاءوا من شرقي القدس ومنطقة القدس (60). وفي المكان الثاني (59)، يوجد المخربون من الخليل ومحيطها. وفي المكان الثالث (نابلس 16).
ويقول التقرير ان «السلطة الفلسطينية وفتح لم تبادرا إلى هجمة الإرهاب الحالية، ولكن السلطة تؤيدها، تمتنع عن شجبها وتتطلع إلى ربطها مع احتياجات الكفاح الذي تخوضه ضد اسرائيل. اما حماس ومنظمات الإرهاب فتتطلع إلى تعزيز هجمة الإرهاب الشعبي وجعلها انتفاضة ثالثة ـ وتشجيع العمليات ذات الطابع العسكري.
«لقد فشلت حماس في مهامها اساسا بسبب النشاط الناجع لقوات الامن الاسرائيلية، وبقدر ما لاجهزة الامن الفلسطينية. ولكن في ضوء خبو هجمة الإرهاب الشعبي، من المتوقع لحماس ومنظمات إرهابية اخرى أن تصعد في الاسابيع الاخيرة جهودها لمنحها زخما متجددا».
اسرائيل اليوم 27/5/2016