لندن ـ «القدس العربي»:تجاوزت وتيرة زيارات الوفود الأوروبية إلى إيران المنافسة السياسية والحزبية بين الجمهوريين والديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين حول تمرير أو عدم تمرير الاتفاق النووي. وتزامنت التطورات السياسية والدبلوماسية بين إيران والغرب مع حدث في غاية الأهمية أظهر تفعيل البُعد الأمني للعلاقات الثلاثية بين طهران وواشنطن وتل أبيب. مصادر مطلعة كشفت أن إلقاء إيران القبض على أحد جواسيس تل أبيب في إيران، أي مسؤول قسم إسرائيل في استخبارات الحرس الثوري، تم بواسطة المعلومات الدقيقة التي وفرتها واشنطن لطهران. والتضحية بعميل سري مهم وبهذا المستوى في عمق الأروقة الأمنية للحرس الثوري تعطي دلالة واضحة على مدى تقارب «محور الشر» و»الشيطان الأكبر» و»الشيطان الأصغر»، وانتهاء الحاجة للعمل السري ضد طهران بعد الآن. وهذا الأمر يعتبر مؤشراً على أن النظام الإيراني أصبح جزءاً من الحلف الأمني والعسكري الغربي في المنطقة.
وتؤكد مصادر إعلامية وسياسية أمريكية عديدة أن الإدارة الأمريكية لا تواجه مشكلة كبيرة في تمرير الصفقة الغربية مع إيران في بيتها الداخلي وإن اضطرت لاستخدام حق النقض. وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» المقربة من الحزب الجمهوري أن الإدارة الأمريكية ستحصل على النسبة اللازمة من أصوات الكونغرس ومجلس الشيوخ لفرض حق النقض لأوباما من أجل إلغاء الرفض المحتمل للاتفاق النووي من قبل المجلسين الأمريكيين، وأيضاً منع معارضي الصفقة النووية مع إيران من عرض قرار بديل أو معدّل آخر.
وفي واقع الأمر فان جزءا من الصراع الدائر في الولايات المتحدة الأمريكية حول الاتفاق النووي هو بسبب المنافسة السياسية بين أكبر حزبين والتقليل من شأن الصفقة مع إيران لسحب ورقة رابحة من يد الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبلغت عاصفة زيارات المسؤولين الأوروبيين المتواصلة إلى طهران ذروتها بالزيارة الأخيرة لوزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، حيث كشف الوزير عن متغير جديد في العلاقات الإيرانية الغربية الذي بدأ يلوح بالأفق منذ فترة، أي ضرورة تغيير السياسة والخطاب الرسمي الإيراني تجاه «الشيطان الأصغر» إسرائيل. وشدد وزير خارجية بريطانيا من طهران على أن «إيران لا تشكل تهديداً لإسرائيل، وأنها غيرت من مواقفها تجاه تل أبيب قليلاً». وأكد فيليب هاموند أن الغرب لن يغض الطرف عن أخطاء إيران، وأضاف أنه «يجب الحكم على طهران من خلال تصرفاتها تجاه إسرائيل». وهو ما أكده وزير الاقتصاد الألماني خلال زيارته إلى إيران قبل ما يقارب شهر، حيث قال»كل من يبحث عن علاقة دائمة ومستقرة معنا، لا يمكن له أن يرفض شرعية وجود إسرائيل». وحث زيجمار جابريل طهران على وضع حل لعلاقتها مع تل أبيب لتطوير علاقاتها مع الغرب، وأضاف أن ألمانيا لن تقبل بالتشكيك في حق إسرائيل بالوجود. واشترط الوزير الألماني الاعتراف بالكيان الصهيوني كشرط أساسي لإنشاء علاقة دائمة بين إيران وألمانيا والغرب.
ولا تقل درجة حرارة إعداد الطبخة الداخلية في إيران عن غليان الأحداث والتطورات بشأن الموضوع في أوروبا والولايات المتحدة. وبعكس عادتها وأسلوبها، لم تتخذ وزارة الخارجية الإيرانية أي موقف تجاه تصريحات وزير الخارجية البريطاني حول تغيير موقف طهران تجاه إسرائيل، بينما سارعت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية، مرضية أفخم، في إعلان رفضها تصريحات وزير الاقتصاد الألماني. وهذا الأمر يؤكد تأييد طهران لما قاله فيليب هاموند. وتواصل الغليان الداخلي الإيراني بإزالة شعار «الموت لأمريكا، والموت لإسرائيل» من المساجد، والتخلي عن الهتاف به خلال الصلوات اليومية. ما أكده رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، نقلاً عن آية الله الخميني أنه وافق على إزالة شعار «الموت لأمريكا» في نهاية حياته، الأسلوب الذي تتوخاه الجمهورية الإسلامية من خلال نقل تصريحات شفهية منسوبة لمؤسس الجمهورية الإسلامية، للعبور من المواقف الحرجة والخطيرة.
هذا النشاط المتعدد الجهات وسرعته المدهشة وتداعياته المفاجئة وغير التقليدية، تظهر أنه يتم الإعداد لطبخة كبيرة ومهمة جداً. وتردد تصريح «أمريكا بحاجة إلى الاتفاق النووي أكثر من إيران» يفسر جزءاً كبيراً مما يحدث. وقال الرئيس الأمريكي أن عقوبات أحادية الجانب على إيران زعزعت سيطرة الدولار الأمريكي في أسواق النفط، ودول كبرى مثل الصين والهند بدأت تقايض النفط الإيراني بالذهب، وشدد باراك أوباما على، «هذا الموضوع يثير التساؤلات الدولية حول دور الدولار كعملة احتياطية في العالم، ما يؤدي إلى اضطرابات شديدة في اقتصادنا». ومن الزاوية الثانية، تعد الولايات المتحدة لبناء حلف استراتيجي أمني عسكري مع طهران، بحيث تتحول إيران إلى البوابة التي تمنع واشنطن من خلالها تمدد حلف شنغهاي للتعاون الأمني ومجموعة بريكس الاقتصادية في اتجاه الغرب والشرق الأوسط، وستلجم اقتصاد الصين من خلال الاستعانة بقدرات إيران للسيطرة على الأسواق في المنطقة. وتوافد الشركات الكبرى النفطية والغازية لطهران والعقود التي تريد إيران عرضها في لندن قبل نهاية العام الحالي، تكشف الغطاء عن مخطط كبير لضرب اقتصاد روسيا من خلال النفط والغاز الإيراني. ومن جانب آخر، ستواصل واشنطن استغلالها ودعمها للمشروع التوسعي الإيراني العابر للقارات لتسخين الأرض في المنطقة العربية والمحاولة لإحياء مشروع الشرق الأوسط الجديد، ورفع العقوبات الدولية والغربية عن الحرس الثوري وذراعه الإرهابي فيلق القدس ودعم إيران اللوجستي للقاعدة والجـمــاعــات الإرهابية الأخرى يؤكد ذلك. وبطبيعة الحال، رفع العقوبات عن فيلق القدس واقتصاد إيران يفسح المجال واسعاً للنشاط الإرهابي الإيراني أكثر مما كان عليه.
والنتيجة، السرعة الكبيرة للنشاط السياسي والدبلوماسي والفني والتنسيق الأمني لإعداد طبخة «ما بعد النووي»، تظهر مدى حاجة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لتأهيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإدخالها في لعبة الكبار لصالح حفظ سيطرة الدولار المتزلزلة على الاقتصاد العالمي، ومنع صعود قوى عالمية جديدة إلى ساحة المنافسة مع واشنطن.
محمد المذحجي