الأزمة الحالية في حركة فتح ليست جديدة. لكن الخلاف الحالي بين رئيس الحركة محمود عباس الذي يشغل مناصب أخرى عديدة وبين عضو اللجنة المركزية المطرود محمد دحلان يمثل مرحلة أعلى من الخلاف العلني بين تيار يعتبر نفسه ممثلا للقيادات التاريخية للحركة التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى أزمته الوجودية الحالية وبين تيار يتماهى أكثر مع أجندات بعض الدول العربية التي تريد أن تستعمل القضية الفلسطينية شماعة للتطبيع العلني مع إسرائيل. الخلاف ليس على أجندة النضال وسبل تحقيق الاستقلال الوطني، بل على تنافسات شخصية وتدخلات إقليمية ألحقت أكبر الضرر على مجمل القضية الفلسطينية.
في ما مضى كانت الخلافات في الساحة الفتحاوية عادة حول البرامج والخطط والتحالفات. وحول موضوع الكفاح المسلح والثورة الشعبية الجذرية مقابل عقلية التسوية والارتباط ببرامج الأنظمة العربية للوصول إلى حل براغماتي يحقق جزءا من الحقوق على جزء من الأرض لجزء من الشعب. لقد أدت الخلافات الحادة إلى عدد من الانشقاقات داخل الحركة بعد الخروج من الأردن عام 1971.
من برنامج التحرير إلى مطب التسوية
أطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» رصاصتها الأولى في الأول من كانون الثاني/يناير عام 1965 معلنة بذلك بدء الكفاح المسلح لتحرير ما كان محتلا آنذاك أي فلسطين 1948. واستطاعت هذه الحركة أن تجذب قلوب الملايين من الفلسطينيين والعرب حولها وفي فترة وجيزة. الحركة تتسع للجميع كأفراد لا كتجمعات. لذلك انضم إلى حركة فتح الشيوعي والقومي والوطني والإسلامي والمسيحي والماوي والعربي والباكستاني والإيراني واليساري واليميني وكل من يريد أن يساهم في تحرير فلسطين.
أكدت فتح في نظامها الداخلي على أن إحتلال فلسطين لا يموت بالتقادم وأن «المشاريع والقرارات التي تنفي أو تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في وطنه وأيا كان مصدرها دولياً، عربياً أو فلسطينياً هي باطلة ومرفوضة ومدانة» حسب البند 6 من النظام. أما أهداف الحركة فتتلخص في تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافيا وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة على كامل التراب الفلسطيني تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة، وتكون القدس عاصمة لها، وبناء مجتمع تقدمي يضمن حقوق الإنسان ويكفل الحريات العامة لكافة المواطنين».
كيف وصلت حركة فتح التي قادت مرحلة النضال الفلسطيني المعاصر إلى هذا المستوى من الانهيار والتراجع عن كل ما جاءت به من مبادئ وأهداف وأساليب؟ كيف إنقلبت على نفسها ومبادئها واستراتيجيتها لينتهي بها الأمر لتصبح حارسا على الاتفاق الأمني مع عدوها وتعيش على المساعدات التي تقدمها الدول المانحة عن طريق إسرائيل وتعلن قيادتها نهارا جهارا أن هدفها فقط ينحصر في إقامة دولة فلسطينية على 22٪ من فلسطين التاريخية عن طريق المفاوضات والمفاوضات فقط؟ السبب بكل بساطة هو فكر التسوية أو التحول من حركة تحرير إلى حركة استقلال، فكيف تم ذلك؟
بدأت مسيرة التسوية تطل برأسها بعد الخروج من الأردن عام 1971 والتموقع في لبنان. طرح نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية، وأحد المتحمسين للتسوية السياسية، ولأول مرة في محاضرة في مدرج جامعة بيروت العربية في نهاية 1971 فكرة إقامة «سلطة وطنية» على أي شبر يتم تحريره، فما كان من الجمهور إلا أن طرده من القاعة ولم يتمكن من إنهاء المداخلة بل وهرب من الباب الخلفي. لكن فكرة التسوية تم تمريرها ببطء من خلال المجلس الوطني الفلسطيني الفضفاض وليس من خلال المجلس الثوري لحركة فتح. ففي عام 1974 أقر المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة في القاهرة مشروع النقاط العشر الذي تضمن فكرة قيام «سلطة وطنية» على أي أرض يتم تحريرها. وفي دورته الثالثة عشرة عام 1977 في القاهرة أقر المجلس الوطني فكرة تحقيق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.
وفي دورة المجلس الوطني الفلسطيني السابعة عشرة التي عقدت في عمان في تشرين الثاني/نوفمبر 1984 كادت أن تتبنى فكرة المملكة المتحدة التي كان قد طرحها الملك حسين في خطابه أمام المجلس. حيث تم تثمين مقترحات الملك حسين للتحرك المشترك للأردن مع منظمة التحرير.
لقد أعطت الانتفاضة الأولى في 9 كانون الاول/ديسمبر 1987 فرصة للقيادة لتقديم تنازلات حقيقية بشكل غير مسبوق حين عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسعة عشرة في الجزائر بين 12 و15 تشرين الثاني/نوفمبر1988 وأعلن عن قيام دولة فلسطين وفي صخب البهرجة الإعلامية تم الاعتراف بقرار 242 (1967) أساسا لحل الصراع، والإعتراف بحق جميع الدول في العيش ضمن حدود آمنة معترف بها ونبذ الإرهاـــب والعــنــف. لقد عبدت تلك الدورة الــطـــريق لمؤتمر مدريد عـــام 1991 ثم لرسائل الإعتراف المتبادل ثم إتفاقية أوسلو 1993 التي أغفلت كافة حقوق الشعب الفلسطيني.
بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993 وإنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994 بدأت إسرائيل مسيرة تثبيت الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس ومصادرة المزيد من الأراضي وزج الآلاف في السجون. وعندما اكتشفت القيادة الخديعة الكبرى التي تورطت فيها وورطت معها الشعب الفلسطيني حاولت أن تتراجع وتعيد الاعتبار للمقاومة من خلال الانتفاضة الثانية لكنها فشلت فشلا ذريعا وانتهى الأمر بطريقة مأساوية كما هو معروف. وتجسد ذاك التراجع بهزيمة الحركة في انتخابات عام 2006 وانشقاق الساحتين الأساسيتين غزة والضفة سياسيا وأيديولوجيا وجغرافيا وإلى الآن.
الانشقاقات الداخلية
لقد كان مخترعو الشعارات في حركة فتح يرددون دائما أن الحركة لا تقسم إلا على واحد أي أنها عصية على التشرذم والانشقاقات وهذا الكلام غير دقيق ابدا. فقد شهدت فتح العديد من الانشقاقات التي شكلت حركة بديلة أو موازية كما أنها شهدت تجمعات تنظيمية داخلية عديدة حاولت أن تفرض رؤيتها على مسيرة الحركة.
وسأتوقف عند إنشقاقين مهمين (أبو نضال وأبو موسى) وأتجاهل إنشقاقين آخرين (أبو سائد وأبو الزعيم) وذلك لضيق المساحة.
– حركة صبري البنا المعروف بـ «أبو نضال» والذي أطلق عليها إسم «فتح ـ المجلس الثوري». ففي المؤتمر الثالث لحركة فتح في نهاية عام 1971 في درعا وبعد الخروج من الأردن إتهم صبري البنا قيادة فتح بالفشل والتآمر وطالب بعزلها ومحاكمتها. ولكن تم إستيعاب التمرد الكبير داخل المؤتمر بطريقة ذكية أرسل بعدها البنا إلى العراق ممثلا للحركة ومن هناك أعلن عام 1974 إنشقاقه وتحول إلى قوة تدميرية تغتال المناضلين وتخدم الأنظمة العربية لتصفية حساباتها مع بعضها البعض أو مع الفصائل الفلسطينية.
– إنشقاق العقيد أبو موسى والعقيد أبو خالد العملة في 10 أيار/مايو 1983 في ما سمي ـ فتح الانتفاضة. وجاء الانشقاق على خلفية معارك بيروت ورحيل المقاومة إلى تونس وبقية المنافي. رفض عدد من الضباط وخاصة المجموعة التي إنشقت عن الجيش الأردني اللحاق بالقيادة إلى المنافي وصمموا على البقاء في سوريا ولبنان ومواصلة الكفاح المسلح. عندما عين ياسر عرفات قيادات وبعد قرار الانسحاب الفوري من الجنوب اللبناني تمردت المجموعة على الأوامر وأطلقوا ما سموه الانتفاضة. وقاد الحركة سياسيا مجموعة مهمة من قيادات فتح من بينهم أبو صالح وقدري وأبو مجدي وإلياس شوفاني وغيرهم. وحظيت هذه الحركة بزخم كبير وتأييد واسع بين مقاتلي حركة فتح والتنظيمات السياسية.
حركة فتح بعد أوسلو
بعد التوقيع على أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية تغيرت شروط اللعبة تماما. الكفاح المسلح الذي أطلقته الحركة أصبح إرهابا وممنوعا ومن واجب السلطة أن تتعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية لاعتقال الذين على إستعداد لممارسة النضال المسلح. كان رد فعل المئات من كوادر الحركة الانسحاب كأفراد أو عدم الانصياع لأوامر القيادة. وقاد هذا التيار فاروق القدومي وأبو ماهر غنيم الذي عاد بعد سنوات طويلة إلى صفوف قيادة محمود عباس في رام الله عند إنعقاد المؤتمر السادس في بيت لحم عام 2009. وظل عباس مسيطرا على الحركة التي تغيرت كثيرا في عهده وباعدت نفسها أو أبعدت عن كل ما يتعلق بالكفاح المسلح. لكن المردود السياسي لهذا التوجه ظل ضئيلا والإنجازات المتواضعة لا تقارن أبدا مع الخسائر التي مني بها الشعب الفلسطيني وخاصة في مواضيع الاستيطان وتهويد القدس والأسرى والجدار العنصري والحروب على غزة.
بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وحسب مجلة «فانيتي فير» أوكلت مهمة زعزعة الأوضاع في غزة لمحمد دحلان بتكليف من إليوت أبرام مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط. ووضعت خطة تحت إسم «عملية الانقلاب القاسي» ورصد لها مبلغ 58 مليون دولار. رغم كل الحشد الذي أعده دحلان في غزة والمظاهرات الاحتجاجية ضد حماس التي كان ينظمها إلا أن الخطة فشلت فشلا مهينا وإستولت حركة حماس على القطاع وارتكبت الفظائع في جماعة دحلان الذي لم يكن ساعة الصفر موجودا في غزة. إستقال دحلان من جهاز الأمن الوقائي وبدأت بعدها أسهم دحلان تتراجع داخل الحركة وتطور خلاف تحميل المسؤولية إلى العلن. لكن دحلان عمل على تكوين جماعات موالية له شخصيا وخاصة أن لديه وسائل تمويل لا أحد يعرف مصادرها. جاء إلى مؤتمر فتح السادس هو ومجموعات موالية وكان دخولهم المؤتمر أشبه بالإقتحام. فبينما كان عباس وأنصاره يريدون أن يقلموه تماما من الحركة وإذا به ينتخب عضوا في اللجنة المركزية وبنسبة عالية. وبعد انتخابه بدأ يعزز من نفوذه داخل الحركة وخارجها مستندا إلى دعم إقليمي ودولي وميزانية لا أحد يعرف حجمها. كما أنه ليس سرا أن دحلان يتمتع بعلاقات مميزة مع الأمريكان والإسرائيليين لدرجة أن الرئيس بوش حاول مع محمود عباس أن يعينه نائبا له عام 2007 إلا أنه رفض. أحس أبو مازن بأن دحلان يلعب دورا أكبر بكثير من حجمه فما كان أمامه إلا تجريده من كافة صلاحياته وطرده من الحركة في حزيران/يونيو 2011 وأثيرت حوله شبهة التآمر على تسميم ياسر عرفات. أجريت محاكمة غيابية لدحلان في كانون الاول/ديمسبر 2014 بتهم الفساد وتم تجريده من عضوية اللجنة المركزية وحركة فتح.
توسعت الخلافات بين عباس ودحلان الذي استقر في دولة الإمارات العربية وبدأ من هناك يرسل أموالا طائلة لأنصاره في الضفة وغزة تحت غطاء جمعيات خيرية. وكانت أجهزة المخابرات التابعة لعباس ترصد كل تحرك لدحلان فتم إغلاق عدد من الجمعيات وتم طرد ياسر عبد ربه من موقعه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كما أبعد أبو مازن رئيس وزرائه السابق سلام فياض وفصل مؤخرا أربعة من كوادر فتح تحت حجة أسماها «التجنح» والمقصود إعطاء الولاء لمن هو خارج الحركة.
الخلاف ما زال قائما لكن الجديد أن لجنة رباعية مكونة من مصر والأردن والسعودية والإمارات تضغط الآن على عباس ليعيد تأهيل دحلان خاصة بعد ما قيل أنه متورط في إنقلاب تركيا، حيث أحرج فشل الانقلاب هذه الدول خاصة الإمارات ومصر وتسعى للتخلص منه وإعادته إلى الضفة الغربية لتأهيله لوراثة عباس وبالتالي يسهل بناء الجسور بين هذه الدول وإسرائيل لتسهيل عمليات التطبيع العربي الإسرائيلي وبغطاء فلسطيني.
هذه الخلافات كما يقول العديد من المحللين في فلسطين تسيئ للقضية الفلسطينية أكثر بكثير من الانقسام الذي حدث بين فتح وحماس. فقد يجد المرء بعض الأسباب الموضوعية للإنقسام الحاصل بين الضفة وغزة ولكن كيف سيبرر أحد إنشقاقات ما تبقى من حركة فتح. أليس هذا ما تريده إسرائيل لتقول للعالم «ألم أقل ليس عندنا شريك للسلام لنتفاوض معه؟».
عبد الحميد صيام