تالا حديد: ومضة الفيلم بدأت من حروب العالم العربي المشتعلة منذ زمن

حجم الخط
0

بيروت -«القدس العربي»: شاهد الجمهور اللبناني مؤخراً فيلم المخرجة العراقية المغربية تالا حديد الذي حمل عنوان «إطار الليل» وأثنى على موهبة عربية تعرّف إليها في فيلم طويل لأول مرة. فيلم شكلت الصورة فيه لغة مميزة ومؤثرة، لغة تساوت في تعبيرها مع الحوارات غير المستفيضة، لا بل تفوقت عليها. إذ من البيّن تماماً ومع بدء المشاهد الأولى للفيلم مدى انحياز المخرجة للصورة، وللجماليات البصرية. صورة الواقع، والصورة الداخلية لمشاعر البشر، والتي تظهر بشفافية وشاعرية. الشخصية الرئيسية في «إطار الليل» هو زكريا «العراقي المغربي»العائد من أوروبا بطلب من زوجة أخيه. أرادت عودته للبحث عن شقيقه الذي اختفت أخباره في آتون الحرب في العراق. ومن أجل هذا الهدف لا يتردد في خوض رحلة بحث تقوده من تركيا، إلى سوريا، العراق وكردستان.
من البداية، ومع إنطلاق الكاميرا ندرك أننا حيال سيرة متصلة بكائنات بشرية هشّة وتائهة. وندرك أن المسار السينمائي الذي نتابعه ليس سياقاً كلاسيكياً. هو سفر داخل النفس البشرية، ويعبر عن قلق مقيم وموجع. هي شخصيات نتابعها بانتباه، وعلينا الاجتهاد في البحث عن ملامحها، إذ هي تختصر في الانباء عن ذاتها. في هذا الشريط لقاء الصدفة الذي يجمع بين زكريا العائد إلى موطنه، والقواد عباس الذي خطف بالتعاون مع صديقته الطفلة اليتيمة عائشة ليبيعها مقابل 100 ألف يورو لمن يمتهن التحرش بالأطفال. ومن خلال تلك الطفلة تضيء حديد على مأساة الإتجار بالبشر وبخاصة الأطفال. إذا هي قصص متشابكة من التيه، توصلها حديد للمتلقي، بلغة شاعرية تغوص في أعماق البشر. هم بمجملهم بشر خلّفت الفوضى المسيطرة على العالم جروحاً في نفوسهم من الصعب شفاءها. انما زكريا الكاتب والمثقف يتمكن من تخليص عائشة من قبضة خاطفها ولو إلى حين.
كثيرة هي اسئلة القلق، ولا إجابات لها. قلق يسيطر على عباس المدمن على المخدرات، وعلى صديقته التي تدرك عيوبه، لكنها تخشى الوحدة إن هو تركها. هو قلق أيضاً يلازم الكاتبة الفرنسية «ماري جوزيه كروز» التي لا نعرف لماذا هي في الريف المغربي النائي جداً؟ امرأة تتقن الصمت والتفرغ لنفسها. ولا نلمس تغيراً في مشاعرها حين يأتي إليها زكريا بالطفلة عائشة بعد تخليصها من عباس. وحدها عائشة تعرف أن عليها تخليص نفسها من قبضة عباس. وعندما يقتفي أثرها ويجدها، تخطط لهربها من جديد، وتقرره في زحمة المدينة، وتركب باصاً إلى حيث لا تدري. اسئلة القلق تكبر في مواجهة زكريا بوصوله إلى العراق. هناك يجد آثاراً لشقيقه. ينظر في غرفته المفترضة بحشرية علّه يجد ضالة. مكان تعمّه الفوضى. قصاصات ورسوم هندسية تفترش المساحة. لقاء مع نبيل المالح السوري المقيم في العراق. هو التداخل بين أزمات المنطقة، وأزمات شعوبها. في العراق تضع المخرجة بطلها زكريا في عمق التيه، وتزاحم المشاعر، التشظي الداخلي، حيث لا جواب مطلقاً. في المسلخ المهجور حيث يبدأ زكريا مسيرة حزينة بين الجثث بحثاً عن شقيقه، تنجح المخرجة في تقديم مشهد غاية في التعبير عن واقع الموت المقيم في أكثر من بلد، وفي أعماق أكثر من شعب عربي. ويلي ذاك المشهد من حيث التعبير الرمزي آخر لا يقل عنه تأثيراً فيما ترغب المخرجة قوله. أنه الدوار الذي يدخله زكريا بوصوله إلى كربلاء، وسط عاصفة من تزاحم العباءات السوداء التي تلف أجساد النساء.
تالا حديد العراقية المغربية والبريطانية المولد، والتي وجدت تمويلاً فرنسياً، بريطانياً وأمريكياً لفيلمها ذهبت في الوقت عينه إلى تعدد في هويات ممثليها. هو زكريا الممثل خالد العبدالله البريطاني المصري، عباس هجنة الجزائري الأرجنتيني. نبيل المالح سوري. ماري جوزيه كروز الفرنسية. والممثلة المغربية ماجدولين الادريسي، إضافة إلى هندي زهرة. وفي خياراتها هذه، مع التأكيد على حضور الطفلة بوجوان، كانت حديد بمواجهة كاستينغ ناجح ومؤثر في وصول فيلمها إلى العديد من الجوائز. ويذكر أن لحديد أفلاماً قصيرة سابقة منها «شعرك الأسود احسان» و»البيت في الحقول». وفيهما وصلنا إنحيازها نحو الذائقة البصرية.
في بيروت كان هذا الحوار مع تالا حديد:

○ هو التيه والضياع الذي يعيشه الإنسان العربي يضج به فيلم «إطار الليل». لماذا هذا الكم من السواد في الصورة؟
• يقدم الفيلم شخصيات رئيسية عربية موجودة في مجتمعنا بكثرة، وتتمثل بزكريا الذي قرر البحث عن أخيه الذي فقدت آثاره. وهو قرر البدء برحلة البحث عنه في تركيا والعراق ومناطق أخرى في الشرق العربي. فهذا الأخ الضائع ربما قصد العراق للقتال، وترك خلفه طفله وزوجته في المغرب. الأخ التائه هو مثال لعشرات بل مئات الحالات من الشبّان في المغرب العربي والتي قصدت الـــشــرق للــقـتال على أراضيه. في «إطار الليل» نـلمس رمـــزياً وكأن زكريا هو نفسه الأخ الضائع.
○ لماذا فكرة هذا الفيلم تحديداً؟
• توقفت ملياً خلال السنوات العشر الماضية عند الحروب التي لا تنتهي في الدول العربية. كما توقفت كذلك عند العلاقة بين العالم الإسلامي والغربي. من هنا كانت الومضة الأولى للفيلم. ولهذا تشكلت شخصيات الفيلم من أكثر من جنسية عربية مع وجود ممثلة أوروبية.
○ هل مثّل هذا الفيلم كونه الروائي الأول لك تحدياً؟
• نعم وعلى أكثر من مستوى. أولاً لأن النساء عددهن قليل في مهمة الإخراج على صعيد العالم اجمع، وفي الدول العربية بشكل خاص، التحدي والاجتهاد لإثبات الذات أكثر من ضروري. ولا ننسى المقاومة لكافة محاولات احباط العزائم. فقد استغرق عملي على هذا الفيلم ثماني سنوات، بين كتابة، وبحث عن تمويل.
○ هي القضايا الانسانية تتشابك وتتعقد أكثر في هذا الفيلم ولا حلول. هل هذا قرار؟
• نعم، تتراكم الأسئلة ولا إجابات. المهم بنظري ليس النتيجة، ففي المشهد السياسي العام على صعيد العالم، لكل إنسان جوابه الخاص. المهم أن السؤال مطروح على الدوام وله أهميته، إنما طبيعة العصر الطاحنة تجعله دون إجابة.
○ القهر سيطر على ناس الفيلم فهل جميع الضعفاء خاضعون للمافيا التي يمثلها عباس رمزياً؟
• زكريا وعباس يمثلان في الواقع فئات من الناس ملحوظة في مجتمعنا. عباس رجل تائه، وكذلك زكريا. إنما فدوى ليست كذلك، لكن أن تسلك الطفلة عايشة الطريق نفسه، فهو احتمال. شاهد زكريا الممثل «خالد العبدالله» بطل الفيلم الشريط مرات متعددة، وفي نهاية كل عرض له كان يخوض نقاشاً مستفيضاً مع الجمهور. بعض الجمهور كان يرى في فدوى السوداء شخصية ايجابية، والبعض الآخر شخصية سلبية. لكل من المتلقين وجهة نظره وتحليله الخاص. وفي النهاية يقف زكريا وحيداً في مساحة مظلمة. في المرة الأخيرة التي شاهد فيها الممثل خالد العبدالله الفيلم كان مشهد الأطفال مؤثر جداً، لأن هؤلاء يمثلون مستقبل أطفال العالم العربي.
○ في «إطار الليل» تحكي الصورة أكثر مما ينطق به البشر. هل هو اسلوبك في التعبير؟
• لأن الصورة بالنسبة لي هي اللغة والأيديولوجيا معاً، تماماً كما هي الكلام. في السينما نرى أفلاماً كثيرة عن العالم، حيث تشكل الصور اللغة المشتركة. فنحن نعيش حالياً مجتمع الصورة. عندما وجد زكريا جثة أخيه في بغداد، كانت الصورة هي الناطقة بمعزل عن أي كلام مسموع. في أحيان تحتل الصورة مرتبة متقدمة جداً في التعبير.
○ حاولت الولوج إلى أعماق الناس الذين عبّرت عنهم في الفيلم. أن تقدمي نساء العراق في العباءات السوداء فهل هذا يعني أننا في قلب الإعصار؟
• هذا المشهد مفتوح على تفسيرات وقراءات متعددة. بالنسبة لي أرى المشهد وكأنه يحمل امكانية الاتجاه يميناً أو يساراً. ولأن المشهد مفتوح يعتقد بعض الأشخاص أنه خال من أي خيارات، أو أنه مشهد أسود مظلم وسيئ. بالنسبة لي أرى المشهد والصوت المرافق له وكأنه خريطة. والآن هذه الصورة هي الواقع، في العراق، سوريا، لبنان، وفي ليبيا. انه تاريخ. وفي العالم العربي أجمع أرى الصوت الحالي مختلفا عن ما كان عليه قبل أشهر قليلة. ومن هنا يرى كل إنسان تلك الأحداث بصورة مختلفة وخاصة به. وهذا يعبر عن انعكاس الخلفيات الفكرية لكل من البشر. وكما نرى، فإن الأمور في هذه المنطقة تتبدل سريعاً، وفي مختلف البلدان العربية المضطربة. ويكون لتلك الأحداث انعكاسات واسعة على البشر. بعض من تلك الأحداث تطرح اسئلة مفتوحة حيث لا إجابات لها.
○ نلاحظ في العديد من الأفلام التي توقعها نساء مخرجات أنهن تقدمن للمشاهد أحلاماً مكسورة. فهل هذا ما تريدين إيصاله؟
• بالتأكيد لست بصدد تقديم أحلام مكسورة. فالشمس والضوء والطفولة والإمكانيات والحب بين الناس، ليست أحلاماً مكسورة. لا شك أن بعضها مكسور، ولكن الأشياء دائماً تنطوي على احتمالات وإمكانات متعددة.
○ أنت من أب عراقي وأم مغربية وولدت في بريطانيا. كيف تعبرين عن جذورك في أفلامك؟
• عندما كان والدي طالباً في العراق تعرض للإعتقال، وعندما تمكن من ترك بلده كان مستحيلاً عليه أن يعود إليه. ورغم نشأتي بعيداً عن العراق إلا أنه يشكل جذوري الأساسية كما هي المغرب كذلك. لهذا وفي كل أفلامي أحاول الغوص في قضايا عربية، قد تكون مشتركة بين أكثر من بلد.
○ لماذا تنوع هويات العاملين في الفيلم من ممثلين وتقنيين؟
• لقد مشى الفيلم من المغرب نحو العراق. الممثل خالد عبد الله مصري. وقد اجتهدنا لتعلميه اللهجة المغربية. ونبيل المالح سوري ويعيش في العراق. وهو ما أرى وجوده مهماً في الفيلم لأن سوريا هي جزء من الحكاية. سمير الحكيم ممثل عراقي وسبق له التمثيل في عدد من الأفلام. وهناك عدد من الفنيين في الفيلم من جنسيات عربية مختلفة.
○ ما هو مشروعك المقبل؟
• الفيلم التالي أصبحت قصته منجزة. فيلم يبحث في السلطة. الشخصية الرئيسية امرأة تتحدى التقاليد العربية التي أصبحت بالية. إذا فيلمي المقبل عن المرأة والتسلط الذكوري عليها، وممارسة العنف بحقها. قصتي للفيلم المقبل مغربية. أنا بصدد البحث عن قرية نائية في جبل الأطلس لتصويرها.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية