الرباط ـ «القدس العربي»: يطرح واقع الفقر والبطالة وغيرهما من مظاهر الفوارق الاجتماعية في المغرب أسئلة عديدة حول فعالية برامج محاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية، كما ان الواقع الاجتماعي يشهد تحولات عميقة باتت تسائل منظومة القيم المغربية. وإذا كانت الزكاة في مقاصد الشريعة الإسلامية تشكل حقا للفقراء والمساكين من أموال الأغنياء، فإنها في المنظور الاقتصادي أصبحت تشكل آلية اجتماعية قادرة على المساهمة في تقليص الفوارق الطبقية وضمان توزيع الثروة بشكل عادل بين أفراد المجتمع. وحسب التقرير الوطني حول السياسة السكانية في المغرب فإن (780.000) ألف أسرة تعيش فقرا مدقعا في «مساكن» هامشية، وأن تراجع نسبة نمو الدخل الفردي وصل إلى 0.1 ٪ بسبب فقدان العمل والبطالة طويلة الأمد والمرض المزمن والترمل والطلاق وغيرها. وتقدر مصادر شبه رسمية، أن عدد السكان الفقراء الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، قد يصل إلى ستة ملايين نسمة، يمثل سكان العالم القروي منهم حوالي سبعين في المئة.
لا يختلف أهل المغرب عن باقي دول العالم الإسلامي والعربي في تقدير قيمة زكاة الفطر الدينية المترسخة في وجدان عموم المسلمين، وهي تلازم شهر الصيام الذي يحظى بقدسية خاصة تعكسها العادات والتقاليد المتبعة خلال رمضان. ولا يستقيم حال الصائم إذا لم يخرج فريضة الزكاة تزكية وتطهيرا لنفسه.
كانت عادة المغاربة قديما إخراج زكاة الفطر من قوتهم اليومي تماشيا مع روح المذهب المالكي الذي يعتبر ذلك أحسن من إخراجها من قوت أهل البلد، حيث كانت غالبية البيوت تخرجها قمحا أو شعيرا وفي بعض المناطق زيتونا أو زيوتا وفق خصائص المناطق الفلاحية وبما تزخر به الأرض. غير أن هذه العادة شهدت تراجعا واندثارا فرضته التغييرات الاجتماعية والتحولات المجالية والتوسع العمراني الذي حول القرى إلى مدن والأسرة الممتدة إلى أسر نووية، وتغير معها نمط العيش والاستهلاك، ولم يعد أهل القرية يعرفون فقيرهم، حيث تغيرت ملامح الفقير واختلطت بوجوه أخرى احترفت التسول في إطار شبكات منظمة. هذا الواقع الجديد غير من نمط العيش كما غيّر من عادات الاستهلاك التي لم تعد تقتصر على تقاليد قوت البلد التقليدية التي كانت تزخر بها الموارد الطبيعية بتنوع خصائصها المحلية.
الزكاة نقدا
في ظل هذه المتغيرات الاجتماعية التي مست السلوك الاستهلاكي خلال رمضان الكريم، تغير مفهوم إخراج الزكاة التقليدي الذي كان يعطي الأولية في بعده الشرعي لإخراجها من القوت اليومي على حساب حتى قوت البلد، كما أن معدل القيمة المادية التي تتراوح منذ عقد من الزمن بين 10 و15 درهما (حوالي دولار ودولار ونصف) يطرح علامة استفهام حول معدل القيمة الحقيقية التي تعكسها أصناف قوتنا الرمضانية وتنوعاتها المتعددة. وهو الأمر الذي انتبه إليه العلماء المغاربة خلال السنوات الأخيرة، حيث أفتى المجلس العلمي الأعلى بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً رفعا للحرج، وتيسيرا على الناس، لأن حـاجـــة الفــقــير اليــوم لم تعد تقتصر على الطعام فقط بل تتعداه إلى اللباس وحاجيات أخرى، بالإضافة إلى متطلبات أخرى قد تسهم زكاة الفطر في تلبيتها.
ورغم ان المجلس العلمي الأعلى أجاز إخراج زكاة الفطر نقدا، فإن الكثيرين ما زالوا يعملون بمعيار «الصاع» من أجل دفع الزكاة وإخراجها اقتداء بما كان يقوم به أسلافهم، في إطار ملاءمة قوتهم مع القيمة النقدية. ويحدد الصاع في أربع حفنات بكفي رجل معتدل الخلقة، تخرج من قوت أهل البلد، أي ما يعادل 2.250 كيلو غرام قمحا حبا وما يعادل 1.850 كيلو غرام قمحا مطحونا، ويجوز إخراجها دقيقا صافيا.
وإذا كانت القيمة النقدية للزكاة تثير جدلا في الأوساط المجتمعية نظرا لهزالتها مقارنة بحجم الاستهلاك الذي يشهده شهر رمضان الكريم بالمغرب ناهيك عن المتغيرات التي طرأت على قوت أهل البلد ونوعية أصنافه، فإن هناك من يرى انه لا بد من مراجعة معدلها حتى نضمن عدالة الجباية الشرعية، في حين يرى بعض المختصين ان مراجعتها تحتاج إلى دراسات وأبحاث علمية تسائل الحالة الاجتماعية المغربية.
ويرى الدكتور منصف بن الطيبي، الباحث في الاقتصاد الإسلامي، ان تغيير نمط استهلاك المغاربة خلال شهر رمضان مس أصناف قوتهم المستهلك خلال هذا الشهر وبات يسائل القيمة المالية لمعدل استهلاك المغاربة نظرا لطبيعة التحولات السلوكية التي مست سلوك الاستهلاك والمتغيرات التي عرفتها الأصناف، ما يستدعي الوقوف عند هذه التحولات الاجتماعية العميقة من خلال شروع المجلس العلمي الأعلى في انجاز دراسات وأبحاث في صميم موضوع له صلة بنشاطنا الاقتصادي وحياة امتنا. موضحا ان هناك مؤسسات لها من الإمكانات والكفاءة ما يساعد على ذلك في إشارة إلى دور «المندوبية السامية للتخطيط» (مؤسسة حكومية مكلفة بالإحصاءات) التي يمكنها ان تكون مفيدة من أجل تحديد معايير موضوعية تساهم في تقليص التفاوت الاجتماعي.
آراء وشهادات
حملنا بعض الأسئلة إلى المواطنين حول فعاليات زكاة الفطر بشكلها التقليدي المتعارف عليه مغربيا، كما طرحنا بعض الاقتراحات التي تهم دور الوساطات المؤسساتية في تحقيق المقاصد الكبرى لزكاة الفطر من خلال نموذج مؤسساتي يحمل على عاتقه تقديم زكاة عينية ومادية تستجيب لتلبية حاجة الفقراء والمساكين.
بالنسبة للحاج احمد الذي التقيناه بعد صلاة العصر مرفقا بثلاثة أصدقاء له قرب مسجد بدر بحي اكدال أحد الأحياء الراقية بالعاصمة الإدارية الرباط، يرى ان فريضة زكاة الفطر تدخل في علاقة الفرد بربه، وهي بركة قليلة حسب تعبيره لا تغني ولا تسمن من جوع، لكنها واجب ديني ندفعه حتى يتقبل الله منا صيامنا. أما زميله عبد الله فيرى ان الزكاة قد تكون مفيدة إذا تم تنظيمها وتحصيلها في إطار مؤسسات رسمية، لكن في الوقت نفسه طرح إشكالية الثقة في المؤسسات قائلا: المشكلة الكبيرة هي من الجهة التي يمكنها ان تقوم بهذا الدور بأمانة ومسؤولية وتوصلها إلى أهلها دون محسوبية أو غش.
ونحن نتجول في المدينة العتيقة اقتربنا من سيدة تجلس قرب مسجد في باب الأحد (الرباط) رفقة طفلتها الصغيرة تنتظر ما يجود به عليها المصلون، بعد أداء صلاة التراويح سألناها عن زكاة الفطر وهل يقبل المغاربة على أدائها بشكل تلقائي ردت: أجلس أمام المسجد منذ عشر سنوات. يعرفني جميع أهل المدينة القديمة، أنا أرملة ولي ثلاثة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر 16 سنة وأصغرهم هي هذه الطفلة اليتيمة، أعيش مع (الجواد) ـ أي الكرماء ـ وأكتري غرفة مع الجيران. في مثل هذه المناسبات أحصل على بركة لا بأس بها وخصوصا مع حلول العيد، الناس يدفعون زكاة الفطر والحمد الله. لكن في المقابل أخبرتنا بقدوم العديد من الغرباء يتسولون قرب المسجد «ماشي ولاد البلاد» ولكنها رغم ذلك لا تحسد أحدا بقولها كل واحد يأخذ رزقه.
وبينما نتحاور معها، كان بجانبها رجل تجاوز الخمسينيات من عمره، سألناه: ما رأيك مثلا إذا أصبحت الزكاة تسلم لكم من المسجد مباشرة أو أي مؤسسة أخرى؟ ابتسم وقال: أنا ابن المدينة، هل تعلم ان إعانة شهر رمضان التي تسلمها البلدية لا تصلنا نحن الفقراء المعدومين؟ ببساطة ينظرون إلينا كمجرد متسولين لا قيمة لهم ولا منفعة منهم، إنهم يحتقروننا وأغلب الأسر التي تتسلم بطاقات المساعدة ليست ميسورة، ولكنها ليست بحاجة إلى تلك المساعدات. وإذا تم تحويل زكاة الفطر إلى المسجد فالأمر جيد، شريطة ان يكون هناك عدل ومعرفة من هو المحتاج الحقيقي.
بالنسبة للعضو المؤسس للجمعية المغربية للدراسات والبحوث في ركن الزكاة، فإن تحقيق المقاصد الكبرى من زكاة الفطر يتطلب من الدولة إخراج مؤسسة زكاة الأموال أولا التي تقدر حجم قيمتها الإجمالية ما يقارب 30 مليار درهم، أي أننا سنكون أمام مؤسسة حقيقية تستمد شرعيتها من مقومات مرجعيتنا الدينية وقوانين البلاد وتستطيع ان تحقق العدالة الاجتماعية من خلال مبدأ إعادة توزيع الثروة والحد من التفاوتات الاجتماعية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية بتكلفة معقولة وموضوعية.
ولا يرى منصف بن الطيبي، الباحث في الاقتصاد الإسلامي، أي مانع في تنظيم وتحصيل مداخل الزكاة، وإعادة النظر في طريقة دفعها للمحتاجين، وفق شروط تضمن الكرامة الإنسانية بالرفع من قيمتها المادية والعينية تماشيا مع مقاصدها الشرعية في شقها المادي الذي يدعو إلى التضامن وتقاسم الخيرات، حتى تعم الفرحة الجميع في يوم العيد لمن لا يستطيع ضمان قوته خلال العام.
ورغم تباين الآراء بين عموم الذين حاولنا استجوابهم واستقصاء آرائهم في موضوع مأسسة زكاة الفطر والتي تراوحت آرائهم بين تأييد تنظيم مجالها وهيكلته وبين معارضة ترفض أي وساطة بينها وبين واجبها الديني، إلا أن الجميع يتفق حول ضرورة مراجعة معدلها الذي لا يتجاوز 15 درهما (حوالي دولار ونصف) تؤدى عن كل فرد من أفراد الأسرة، مع إقرارهم بأن واقع الحال والاستهلاك ونمط عيش المغاربة قد تغير سواء قوتهم اليومي أو حتى قوت أهل البلد، كما ان أصناف الطعام تنوعت وتعددت. بالإضافة إلى ذلك فهناك شبه إجماع حول أن معالم الفقير لم تعد واضحة نظرا لانتشار ظاهرة التسول الذي يرى البعض انه أصبح منظما ومحترفا بشكل يسيء إلى المقاصد الكبرى لقيمة الزكاة مما أصبح في نظر البعض يستدعي شروطا جديدة عنوانها مأسسة الزكاة وتنظيمها ضمن مجال مؤسسة زكاة الأموال التي يمكنها ان تلعب دورا إيجابيا يضبط توازنات الواجب الشرعي وفق آليات اقتصادية تضامنية تستجيب للتنمية المستدامة والعيش الكريم لجميع أفراد المجتمع المغربي.
عزالدين مليري