كلما قرأت إشارة إلى مشاركة محمود عباس (أبو مازن) في «التعزية» بالسفاح شمعون بيريز «والد القنبلة الإسرائيلية النووية» والعدواني بالقفازات المخملية تهطل دموعي ولكن إلى الداخل.. فأنا ما زلت من الذين يسمون إسرائيل «فلسطين المحتلة» وما زلت أنفر من تعابير مثل (الخلاف الفلسطيني – الإسرائيلي) إذ لا «خلاف» بل «احتلال وطن». وكلما شاهدت صورة أبو مازن وهو يصافح المجرم بحق الشعب الفلسطيني نتنياهو تتحول حنجرتي إلى مغارة يهطل فيها مطر مالح يدعونه دمعاً سرياً.
معظم المقالات التي كتبها فلسطينيون حول ذلك تفيض بالغضب على تلك الزيارة البائسة لتعزية القاتل أما المعزي فهو القتيل..
«ومن نكد العيش على الحر»…
أجل! يوم شاهدت صورة أبو مازن يقدم التعازي ويصافح السفاح الآخر نتنياهو تذكرت بيتاً شعرياً قديماً يقول:
ومن نكد العيش على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بد..
نعم. بيريز هو عراب السلاح الإسرائيلي النووي. نعم. أعطيت له جائزة نوبل للسلام وكانت كمن يُعطي الجائزة لبرميل من البارود، أي لمفاعل ديمونا النووي. وثمة دائماً ثرثرة من نمط «أهمية الثقة بين الطرفين» نتنياهو وأبو مازن هذا بينما المستوطنات الصهيونية ما تزال تبنى كالسرطان في خطة كبرى تشتهي ابتلاع القدس وتحويلها إلى عاصمة متصهينة، وتحويل المسجد الأقصى إلى كنيس يهودي (سيناغوغ).
نعم. تم رفع لافتات فلسطينية ضد محمود عباس بصفته «رمزاً للعار والخيانة الوطنية» تماماً كما نتهم البومة بأنها المسؤولة عن كارثة ما، لأننا بحاجة دائمة إلى من يقوم بحمل مسؤولية العار عنا ـ ولكن دعونا نواجه الحقيقة بلا اقنعة. زيارة التعزية إياها مثلاً كل منا مسؤول عنها كعرب، نحن الذين يلتهم بعضنا بعضاً (سني/شيعي/تقدمي/رجعي/إيراني/سعودي) نحن الذين قدنا خطوات أبو مازن الى تلك التعزية المشؤومة وما فعله الرجل نتيجة حتمية لتصرفاتنا منذ يوم اغتصاب فلسطين قضمة بعد أخرى..
بحثاً عن البطل (الفرد)
البطل الفرد «السوبرمان الحربي» السياسي غير موجود إلا في أحلام الكسالى الذين يريدون إلقاء مهمة تحقيق رغباتهم الوطنية والتحريرية على عاتق آخر يرشونه بتسميته بطلاً والذين يتقنون الانتقاد والسخرية ولا يحاسبون أنفسهم، وعقدة «البطل الفرد» هي الذريعة لكي لا نقدم للقضية الفلسطينية شيئاً ملموساً بل نقوم عاماً بعد آخر بتهميشها.
«السوبرمان» جميل على شاشة السينما والاوهام لكن «السوبرمان» لا يحرر وطناً سليباً على أرض الواقع. أما التشرذم العربي والتمزق الداخلي الفلسطيني وغير ذلك من عوامل الإضعاف فهي ضمير مستتر يصب لعناته على شخص سلوكه هو محصلة طبيعية لأفعالنا..
كأس السم تجرعناه معه
وما كان ليشرب سم «كأس المصافحة» لو لم نعدها له بأنفسنا وبأيدينا. ومن السهل انتقاد سلوك أبو مازن ولكنه (يجرصنا) جميعاً ونحن نرى الموت الفلسطيني العاري تحت الشمس وفي الظلام وفي حطام البيوت التي يتم هدمها والأطفال الذين يُقتل آباؤهم في سجون الهمجية الإسرائيلية ويُحرقون أحياء. وصدمني ان احداً حتى الآن لا يتحدث عن مسؤوليتنا، مسؤولية كل منا دونما استثناء وبدرجات متفاوتة عن ذلك الانهيار الكبير والمشهد الأليم حيث المقتول يعزي قاتله مصافحاً وريثه السفاح.. متى نتعلم محاسبة أنفسنا قبل إلقاء اللوم على الآخر؟ متى نرضى بالاعتراف بالتقصير؟
يقول هاملت: كلمات. كلمات. كلمات
تذكرت مسرحية شكسبير وقول هاملت بطلها في معرض تكذيب مخادعة الابجدية، حين قرأت قول أوباما الذي يؤكد فيه حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. (كلام جميل وكلام معقول) ولكن ما الذي فعله الرفيق أوباما لنا طوال سنوات ولايته؟ كم تعبنا من ذلك الخندق بين القول والممارسة الذي تهوي فيه أحلامنا، وكم تأملنا خيراً منه بعد خطابه الشهير في «جامعة القاهرة» في بدايات عهده… ولعل «اللوبي الصهيوني» استطاع تعديل بوصلته.
والسؤال هو: ماذا ينقصنا ليكون لدينا نحن ايضاً «اللوبي العروبي»؟
الإجابة للأسف واضحة. فهمنا الشاغل هو تدمير بعضنا بعضاً في حروب عبثية وثرثرة «قرون وسطوية» وشهوات للسلطة بأردية تقديسية.. وأتذكر القول «رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه» فهل سنبكي على أوباما حين تتحفنا الولايات المتحدة الامريكية (بالرفيق) ترامب رئيساً لجمهوريتها وهو الذي وعد إسرائيل بالقدس عاصمة لها، كما سبق وفعل بلفور الذي وعد الصهيونية بوطن ليس لهم هو فلسطين (بدلاً من مقاطعة ما بريطانية) أي اعطى «ما لا يملك لمن لا يستحق» كما كان يردد غسان كنفاني غاضباً..
وماذا عن السيدة كلينتون التي كان موقفها أكثر خبثاً في التعبير عن أمر مشابه لوعد ترامب؟
وحتى لا نظل رهائن الوعود وسجناء الأقوياء، ماذا ينقصنا لنكف عن التهام لحم بعضنا بعضاً والتضامن في لحظة صحو عربية؟ ام ان (الكوما) القومية ستطول وسجادة الأرض العربية تُسحب من تحت اقدامنا؟
تبويم: حزن أكبر من الكلمات
ثمة لحظات يكون فيها الحزن أكبر من الكلمات.. ويكون تصديق هول ما يدور في اوطاننا العربية (سوريا ـ العراق ـ اليمن ـ ليبيا…) مرادفاً للجنون.. وتحاول ان تحمي نفسك من الجنون في ردة فعل عفوية: لا تصدق ما يدور. ولا تريد ان يلصق أحد برأسك مسدساً أبجدياً ويقول لك: هيا.. اكتب هذا واكتب ذاك بأساليب تشبه أساليب من يزعم كراهيتهم!!
الكلمة المذبوحة ألماً من الوريــــــد إلى الوريد ترتدي ثوب الصمت، حين يكون ما يدور شاسعاً بالهول وألمك لا تتسع له الابجدية.
غادة السمان