العالم يجتهد بقوة للإبداع في نشر الإبادة والرعب. لم يعد هناك شك في أن البشرية تبيد نفسها ويبيد بعضها البعض الآخر، وتحاول أن تجعل من هذه الإبادة فعلا مقبولا. هناك أكثر من طريقة. الجفاف والكوارث الطبيعية والفقر في النصف الجنوبي من الكرة الأرضي، ثم الحروب والأزمات المفتعلة بيد الإنسان، في المساحة الجغرافية نفسها، لكن بأدوات وفكر وتخطيط مسرحه الجزء الشمالي من الكرة الأرضية ومختبراته ومصانعه.
لنضع الفياضانات والمجاعات والزلازل والجفاف على كاهل الطبيعة ونقل، مجازاً، إنها المسؤولة عن ذلك. ماذا عن الحروب التي لا تهدأ منها واحدة حتى تشتعل أخرى؟
قبل عقدين من الزمن وأكثر، كانت الدنيا تهتز لمجرد تهديد عابر باستعمال سلاح كيمياوي هنا أو هناك. كان مجرد ذكر هذا المصطلح يزرع الذعر بين عامة الناس ويحرك همَمَ القادة الدوليين والإقليميين.
وكانت القنابل والصواريخ الخارقة للملاجئ والتحصينات مرادفا للرعب والإبادة هي الأخرى، ومثيرة للرفض والاشمئزاز، بالمقابل. كان استعمالها يشكل خطوة جريئة في انتهاك قواعد الحروب، خصوصا أن الملاجئ ارتبطت في لاشعور العامة بالعائلات والنساء والأطفال والناس العزّل الذين لا دور ولا ذنب لهم في القتال.
صحيح أن ذلك لم يغيّر الكثير من واقع الحروب، لكن الرأي العام حول العالم كان، على ما يبدو، أكثر إنسانية ورفضا لتلك العبثية والقسوة. وفي ذلك شيء من العزاء.
اليوم، لا عزاء! منذ تسعينيات القرن الماضي، ربما من حروب البلقان وحرب الخليج الثانية والحرب الأهلية في روندا، تغيّرت أشياء كثيرة في يوميات الحروب وخطابها.
بدأنا نسمع عن القنابل الذكية، والصواريخ الليزرية التي تقطع آلاف الكيلومترات لتصيب هدفا قطره عشر أمتار مربعة، والقنابل الصوتية، والطائرات بدون طيار التي تصيب الهدف بدقة لا نظير لها، وأدوات التجسس الصغيرة جدا والمخيفة، وغيرها من تقنيات يجري تطويرها بشكل يومي.
ثم شيئا فشيئا حدث تطبيع مع «فنون» وأدوات الحروب الجديدة، حتى وصل العالم إلى أن يسمع عدة مرات عن استعمال السلاح الكيميائي في خمس سنوات هي عمر الحرب السورية. هذا إنجاز كبير.. إلى الوراء.
نسمع اليوم أن أيًّا كان يستعمل الكيميائي ضد أيّ كان أينما كان! (آخر الأخبار: الحكومة السودانية متهمة باستعماله في دارفور). نسمع عن صواريخ وقنابل تستعملها روسيا في حلب لا تُصدر أصواتا وبلا مقدمات، كل ما في الأمر أنها تُحدث زلزالا يحول المباني إلى ركام على رؤوس من فيها. ونسمع أيضا أن روسيا تستغل سوريا لتختبر أسلحة جديدة لم يسبق استعمالها ولا يوجد ميدان حقيقي وفرصة أكثر ملاءمة من الحرب السورية لتجريبها.
قبل عام بدأت روسيا حربها في سوريا بطريقة تقليدية: طائرات تقلع من قواعد معينة لتطلق صواريخ وقنابل على أهداف معينة، ثم تعود. لم يشتهر الروس بالنجاعة والدقة في إصابة الأهداف خلال الحروب التقليدية لأنهم أصلا لم يشاركوا بشكل قتالي مباشر في حروب خارج أراضيهم. لهذا كانت بدايتهم في سوريا حذرة ومحتشمة، فكانت أخطاؤهم بدورها أقل كارثية.
لكن بعد أن تمرسوا، اكتسب الروس ثقة في النفس تعززت بتفوقهم الدبلوماسي العائد إلى تراجع الدور الأمريكي وعجز الدور الإقليمي وضبابية الموقف الأوروبي الذي بات ينظر إلى الحرب السورية باعتبارها أزمة إنسانية تصدّر اللاجئين.
في هذه الثقة يجد استعمال الأسلحة الجديدة في سوريا تفسيره. ويجدها أيضا في صمت العالم باستثناء بيانات تنديد لا تغيّر من الواقع شيئا واجتماعات لمجلس الأمن معروف فشلها سلفا. لقد استغل الروس كل مساحة فارغة، دبلوماسيا وعسكريا، فملأوها.
عندما لا يثير استعمال سلاح كيميائي يذهب ضحيته مدنيون إلا احتجاج منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومجموعات طبية وإغاثية بالكاد يُسمع صوتها، فمعنى ذلك أن العالم يعيش أزمة إنسانية وأخلاقية عميقة تضاف إلى الحروب.
وتزداد فداحة هذه الأزمة لأن الموضوع بوجهين، واحد سياسي وآخر قانوني يتقاطعان في أكثر من مكان. كما يجعل التوظيف السياسي والدبلوماسي لموضوع استعمال هذه الأنواع من الأسلحة المساءلة شبه مستحيلة ويقضي على حق الضحايا في العدالة والانصاف.
إن السوريين يدفعون ثمن هذه الحقيقة المُرّة: السلاح الكيمياوي بُسِّط في أذهان الناس والخطاب الإعلامي اليومي. فقد تناقلت الأخبار أكثر من مرة أن السلاح الكيمياوي ومكونات تصنيعه لم تعد حكرا على الدول والحكومات، بل أصبح في متناول مجموعات تحارب الدول مثل «داعش». وكثيرا ما تناقلت الأخبار أن تصنيع هذا السلاح لا يحتاج إلى عبقرية ولا إلى أموال طائلة، وأن كيفية تصنيعه متاحة على شبكة الإنترنت. عندما يترسخ في أذهان الناس أن «داعش» مثلا يملك سلاحا كيميائيا، يترسخ معه، في المقابل، أنه من حق الدول والحكومات حيازته وحتى استعماله، لأن الحكومة والدولة، أيًّا كانت، تمثل الشرعية بينما يمثل «داعش» التمرد والخروج عن النظام.
لا أدري هل هذا التبسيط تقدمٌ أو تأخرٌ. النتيجة في الختام هي سقوط المحاذير وميلاد ثقافة التسامح والصمت تجاه إبادة الآخر طالما كان في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي