تتويج الملك… قراءة في صور قديمة

للصورة الفوتوغرافية سحرها القائم على أنها لحظة فارقة يتوقف فيها الزمن ويتجمد الحدث، لتبقى وثيقة قابلة لقراءات متعددة مع مرور الزمن، صورتان تفصل بينهما سنة وبضعة أشهر، والحدث يكاد يكون واحدا؛ تتويج الملك فيصل بن الحسين، الصورة الاولى في الثامن من مارس 1920، مكانها دار البلدية وسط دمشق، والصورة الثانية في الثالث والعشرين من اغسطس 1921، مكانها سراي الحكومة وسط بغداد.
في الصورة الاولى التي تؤرخ لبداية العصر السوري المنعتق من القيد العثماني الطامح لبناء امة، انطلاقا من عبق الارث الشامي، الذي تموج فيه نفحات العروبة التي مثلها مجموعة شباب من مختلف الاقطار العربية، التي التفت حول الامير فيصل في معاركه التي توجوها بدخول دمشق من الجنوب قبل أن تدخلها القوات البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي من الغرب، الامير الشاب في الصورة الاولى يرفل بملابسه العربية ويعتمر الكوفية والعقال الحجازي، يأتي الى دار البلدية مقر حفل التتويج على صهوة جواده العربي، يمخر جموع الهاتفين والمهللين والمستبشرين بغد عربي قادم على يد حفيد الرسول الكريم، الرضا والحبور يظهر على وجه الامير الشاب بلحيته السوداء المشذبة بأناقة، يقف على منصة التتويج في قاعة داخلية فيها حنو الاحتضان، توحي بدفء خاص في آذار دمشقي بارد، وحيدا يقف الملك، خلفه مرافقه فقط، بينما يحيط به صفان على اليمين وعلى اليسار، تجمعت فيهما شخصيات المجتمع الشامي بمختلف طوائفة واعراقه وطبقاته، فلاحين وافندية، مدنيين وعسكريين، الكل ينظر في عين الكاميرا مثبتا لحظة فارقة في عمر الزمن، هي لحظة ولادة المملكة السورية، الحزم يتجلى في نظرة الامير الشاب الموجهة الى اللانهاية، رغم المعاناة والتعب ومحاولة سبر ما كان يجري في أروقة السياسية الدولية، إلا ان الامير الذي اصبح ملكا توا كان عازما على قيادة جناح الامة الذي كلفه والده الملك حسين بن علي – ملك العرب حينذاك- بقيادته.
انها صورة ملك شاب في الخامسة والثلاثين من عمره رفعه الشعب على اكتافه ونصبه في مكان يليق به وحمله مسؤولية بناء الامة، تحيط به مجموعة شباب متحمس مندفع لا يقبل لجاما لطموحه ولا يعترف بسطوة فرنسا وبريطانيا المنتصرتين في الحرب العالمية الاولى والمتفقتين على توزيع تركة المنهزمين، شباب مثل يوسف العظمة، جعفر العسكري، نوري السعيد، رستم حيدر… وغيرهم، ومن ورائهم جماهير الشام تهتف للعصر الجديد. في الصورة الثانية، المنظر خارجي، باحة سراي الحكومة وسط بغداد تصطلي بشمس اغسطس العراقي الحارقة، الامير الشاب كأنه كبر عشرات السنين، يجلس على كرسي عرش متواضع، على يمينه السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني ونائب جلالة الملك جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى، وعلى يساره الجنرال هالدن قائد القوات البريطانية في العراق، بينما يجلس خلفه شخصان الاول شيعي شامي هو رستم حيدر، سكرتير الملك الخاص. والثاني بهائي قادم من فلسطين هو حسين افنان سكرتير مجلس الوزراء. اللون الكاكي يسيطر على فضاء الصورة، الملك يرتدي الكاكي ويعتمر خوذة الخيالة العراقية التي ولدت من مزج القبعة الكولينالية مع الكوفية العربية، بينما يجلس على يمينه المندوب السامي ببدلة عسكرية مرصعة الصدر بالنياشين، ويعتمر القبعة الكولينالية وعلى يساره الجنرال هايدن باناقته الانكليزية الباذخة وحذائه طويل الرقبة المخصص للفروسية، بينما يجلس الشابان (رستم حيدر وحسين افنان) في الصف الثاني وهما يرتديان الكاكي على طرفي الكرسي، وكأنهما يهمان بالوقف في اي لحظة، ولا يكسر سطوة الكاكي الذي تطفح به الصورة الا شيخ يعتمر الجبة والعمامة وقف في زاوية الصورة، انه السيد محمود النقيب، أكبر ابناء رئيس الوزراء – نقيب اشراف بغداد – السيد عبد الرحمن النقيب، الذي منعه مرض الروماتيزم من الحضور، فارسل ابنه الاكبر لينوب عنه وليظهر في الصورة، وهو ينظر نظرة ملؤها التساؤل لهذا الامير الذي اصبح ملكا للعراق بالاتفاق مع بريطانيا، هذا السيد المتحدر من نسل الرسول الكريم، السيد (السني) الذي اختار يوم 23 أغسطس 1921 لتتويجه لانه يتصادف مع 18 ذي الحجة 1239، وهو يوم عيد الغدير بالنسبة للشيعة الذين يحتفلون به باعتباره يوم مبايعة علي بن ابي طالب (رض) بالخلافة بعد الرسول، نظرة السيد محمود النقيب الى الجالسين خلف الملك تضرب اخماسا باسداس، فسكرتير الملك، الشاب الشامي الوسيم رستم حيدر، الشيعي الذي ولد في مدينة بعلبك عام 1889، والذي تحول الى كاتم اسرار الملك منذ ان تعرف عليه في الشام، رستم حيدر الذي يجيد الفرنسية والانكليزية والتركية، اضافة الى العربية، الشخصية الفذة التي ستلعب دوراً بارزاً في تاريخ سوريا والعراق، الذي درس في اسطنبول في (المدرسة الملكية الشاهانية) وتخرج منها عام 1910، ثم ذهب الى باريس لمتابعة دراسته هناك في (السوربون)، حيث التقى وعمل مع بعض الشخصيات العربية في المجال السياسي والوطني للدفاع عن القضايا العربية في جمعية (العربية الفتاة)، وفي عام 1912 عاد من باريس للعمل في وطنه (الشام) في حقل التعليم الى ان التحق بالامير فيصل، وفي 23 يونيو عام 1921 وصل رستم حيدر إلى العراق مرافقاً للامير فيصل، الذي لن يفارقه حتى آخر لحظة في حياة الملك فيصل بن الحسين، التي انتهت مبكرا وهو في الحادية والخمسين من عمره، اذ كان رستم حيدر اخر من رأى الملك قبل ان يتوفى على سريره في فندق (بيل فو) في مدينة بيرن في سويسرا. رستم حيدر الذي انتهى به المطاف مقتولا بعمر مليكه نفسه (51 عاما)، ففي 18 يناير 1940 وبينما كان بمكتبه بوزارة المالية دخل عليه مفوض مفصول من الشرطة واطلق عليه النار واصابه في خاصرته اليسرى، فنُقل الى المستشفى ولكنه توفي متأثراً بجراحه في 22 يناير 1940.
أما الشاب الآخر الذي كان يجلس بجوار رستم حيدر فقد كان السيد محمود النقيب يعرفه جيدا، لانه كان يأتي الى بيت النقيب مرتين في الاسبوع لحضور جلسات مجلس الوزراء – بوصفه سكرتير مجلس الوزراء – التي يعقدها النقيب الاب في بيته لانه لا يستطيع مغادرة المنزل بسبب الروماتيزم، هذا الشاب الطموح المولود في عكا بفلسطين عام 1889، وهو ابن علي افنان الشيرازي، وامه ( فروغية خانم) ابنة البهاء واخت عباس افندي عبد البهاء المؤسس الحقيقي للديانة البهائية، الذي توفي عام 1921 فرشح البهائيون اكثر من اسم لخلافة عبد البهاء، ومنهم حسين افنان، غير ان الاختيار وقع على ابن عمه شوقي ابن هادي افنان الشيرازي، وامه (ضيائية خانم ) بنت عباس افندي المذكور، الذي سمي شوقي افندي رباني. لقد درس حسين افنان في الجامعة الامريكية ببيروت وكان من المتفوقين فيها، فنال شهادتها في الفنون بدرجة متقدمة اهلته للتدريس في الجامعة نفسها، غير انه آثر دراسة الاقتصاد السياسي في جامعة كمبريدج، وحقق ما يريد.
وعندما انشأت الحكومة البريطانية (مكتب القاهرة) لرسم سياستها في الشرق الاوسط، عين حسين افنان مترجما في هذا المكتب الذي تشرف عليه دار الاعتماد البريطانية في القاهرة، ولعب دورا كبيرا في توجيه السياسة البريطانية تجاه القضية العربية. وعندما قامت الثورة العربية ضد الاتراك بزعامة الشريف الحسين بن علي عام 1916، عين افنان سكرتيرا للمعتمد البريطاني في جدة، وقد لعب دورا مهما في ما عرف بمراسلات (مكماهون – حسين)، ويذكر الاستاذ رفعت عبد الرزاق في مقال له عن حسين افنان، انه نقل معاونا لامر معتقل الاسرى في ( سمربور) في الهند. وقد ضم هذا المعتقل ضباط الجيش العثماني في الحرب العالمية الاولى، واغلبهم من الضباط العرب، فتعرف على عدد من الضباط العراقيين الذين اهلتهم الظروف لان يكونوا في ما بعد من رجال الدولة العراقية الناشئة، ثم نقل افنان الى مكتب الحاكم الملكي البريطاني ببغداد، واصدر في الثلاثين من أغسطس جريدة «الشرق»، ويستشف من مذكرات رجال السياسة العراقيين ان افنان كان في حقيقة الامر صلة الوصل بين الوزارة العراقية ودائرة المندوب السامي البريطاني. وقد ذكرته المس بيل في رسائلها فقالت يوم 10 اكتوبر 1920، جمعت مائدة العشاء في داري النخبة المعتادة من زملائي وهم الرائد يتيس والنقيب كلايتون والرائد موري، بالاضافة الى السيد حسين افنان رئيس تحرير إحدى الجرائد العربية التي تصدر هنا. انه لا يكاد يقل عني اجادة في مجال التحدث باللغة الانكليزية، كما انه يحسن اللغتين العربية والفارسية، بالاضافة الى ما لديه من معلومات واسعة حول الشرق الادنى وتفهمه التام لوجهة النظر الاوروبية وتعاطفه المطلق معها.وقد بقي افنان في سلك الخدمة الحكومية العراقية حتى وفاته ببيروت عام 1940، فالشابان الجالسان خلف الملك في صورة التتويج في بغداد ولدا في بلاد الشام في السنة نفسها وتوفيا وهما في خدمة الحكومية العراق في السنة نفسها، فهل رأيتم كم المفارقات عندما نقرأ صورنا القديمة؟
كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية