■ قبل نحو شهر واحد من موعد الانتخابات البرلمانية في تركيا، تزداد التوترات اللفظية بين الأحزاب السياسية المعارضة، وذلك في طريقة تفاعلها مع الانتخابات البرلمانية الرابعة، التي يشارك فيها حزب العدالة والتنمية.
فالحزب خاض انتخابات 200، و2007، و2011، وهي الانتخابات الثالثة التي تجريها حكومة العدالة والتنمية، وفي كل الانتخابات السابقة البرلمانية والمحلية والرئاسية حقق حزب العدالة والتنمية فيها فوزا كبيرا ومتزايدا باطراد، وهو اليوم أمام انتخابات برلمانية رابعة في يونيو 2015، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي واجهت الحزب في الانتخابات الماضية، إلا أنه تجاوزها بنجاح، ليس بقدراته كحزب سياسي وأعضاء وانصار فقط، وإنما من خلال ما قدمه للشعب التركي من برامج ومشاريع ووعود، تمكن من الوفاء بها بنجاح وصدق، وضعت تركيا على مصاف الدول المتقدمة عالمياً. والغريب أن الأحزاب السياسية المعارضة لم تتعلم من كل الانتخابات السابقة، ولم تخلص إلى النتائج التي كان ينبغي أن تتوصل إليها، وهو أن صراع الأحزاب السياسية المعارضة لم يعد مع حزب العدالة والتنمية وإنما مع الشعب التركي، لأن الشعب التركي اعطى أصواته وعلى وتيرة واحدة، وخلال ثلاثة عشر عاماً، معلناً على الملأ أنه مع الحزب الذي يخدم الشعب، والحزب الذي يفكر بمعيشة الشعب، والحزب الذي يسعى لرفع دخل المواطن، والحزب الذي يحل للمواطنين مشاكلهم الاجتماعية، والحزب الذي يحقق التقدم الاقتصادي لتركيا عالمياً، والحزب الذي يعمل لتحقيق الاكتفاء والتصنيع الذاتي للأسلحة الدفاعية المتقدمة، والحزب الذي يعمل لجعل تركيا ضمن الدول العشر الأوائل في العالم خلال الدورة البرلمانية المقبلة، والتي تليها، أي لعام 2023، في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية.
إن احزاب المعارضة لا تفكر بمستقبل وحاضر تركيا، وإنما تفكر بمستقبل وحاضر حزب العدالة والتنمية، فلا هم لها إلا إضعاف حزب العدالة والتنمية فقط، حتى بلغ الأمر بأحد الأشخاص المعارضين للدعوة إلى التخلص من رئيس الجمهورية أردوغان ورئيس الوزراء أوغلو بأي طريقة كانت، بينما الأصل أن تركز المعارضة التركية على برامجها الانتخابية، وكيف يمكن جعل تركيا في حال أفضل من المستوى الحالي الذي صنعه حزب العدالة والتنمية.
إن حالة التوتر السياسي التي سعت لها أحزاب المعارضة في المرات السابقة بحجة الانتخابات، أضرت بالاستقرار السياسي والأمني، وأضرت بالاقتصاد التركي وسعر الليرة التركية، والأهم من ذلك أيضاً أنها أضرت بصورة تركيا الحضارية، فتركيا هي نموذج العالم الإسلامي في الحرية والديمقراطية والانتقال السلمي والديمقراطي للأحزاب التركية في السلطة والمعارضة السياسية، والمأمول أن تبقى كذلك، بل وتطور دورها وأداءها السياسي الديمقراطي والاقتصادي. إن الصورة الحضارية التي ينبغي أن تقدم بها الأحزاب السياسية التركية حملاتها الانتخابية هي التي تحكم على نجاح الحياة السياسية في تركيا، وهي التي تحكم على تقدم تركيا، واعتبارها من الدول المتقدمة العشر في العالم، وليس فوز الحزب الفلاني أو غيره، فالحزب الحاكم، سواء كان حزب العدالة والتنمية أو غيره لا يستطيع وحده ان يرسم الحياة السياسية السليمة، وإنما بمشاركة كل احزاب المعارضة أيضاً، والانتخابات الديمقراطية لا بد ان تؤدي إلى فوز الحزب الذي يختاره الشعب، ومعركته الحقيقية هي الحملة الانتخابية أمام الشعب التركي، وليس منافسة الأحزاب لبعضها بعضا في توجيه التهم او الشتائم أو تحريض الشعب ضد حزب معين، فقد تم تجريب هذه الأساليب في الانتخابات السابقة ولم تؤد إلى شيء ايجابي لأحزاب المعارضة ولا للشعب التركي، بل كانت نتائجها عكسية، فقد ادت إلى فوز كاسح لحزب العدالة والتنمية في كل الانتخابات السابقة، وإلى خسائر بعشرات المليارات اقتصادياً، وتشويه صورة تركيا سياسياً أمام العالم الخارجي لعدة أشهر على أقل تقدير، بينما كان يمكنها تجنب ذلك.
وقد يقال بأن الشعب التركي قد أرهق من توالي الانتخابات العامة، ففي العام الماضي كانت هناك دورتان كبيرتان من الانتخابات التي تنافست فيها أحزاب المعارضة مع الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، بداية الانتخابات البلدية في نهاية شهر مارس 2014، والثانية الانتخابات الرئاسية في شهر أغسطس 2014 ، وها هو الشعب يدعى إلى انتخابات برلمانية بعد بضعة أشهر فقط، وهذا يعني أن الشعب التركي قد ارهق من الانتخابات، ولكن هذا الرأي لن يكون صحيحاً لو أن الانتخابات السابقة تمت في اجواء سليمة، وبدون العمل من قبل أحزب المعارضة لتوتير الشارع التركي، وإلى إحداث خسائر كبيرة في اقتصاده، وجعل الحملات الانتخابية في تركيا وكأنها في دول العالم الثالث، وليس في دولة أوروبية متقدمة، فحتى المعارضة السياسية في الدول المتقدمة هي صورة متقدمة في المعارضة السياسية، ولا تعكس حالة من الفوضى والهيجان والاضطرابات الاجتماعية بالضرورة مع كل انتخابات حرة وديمقراطية.
إن إصرار المعارضة على لعب دور فوضوي والتخطيط لاضطرابات عامة في البلاد مع كل عملية انتخابية ستؤدي حتماً إلى كراهية الشعب للعملية الانتخابية نفسها، لأنها ستصبح ذكرى للفوضى والمخاوف على الأمن الشخصي والممتلكات العامة، وحتى المواطن الذي لا يهتم بالانتخابات ولا يشارك فيها، سوف ينتظر الانتخابات بالرعب والخوف والتوجس من الازمات الاقتصادية والمصاعب الأمنية، ولا يتوقف الأمر على المشاكل الداخلية، وإنما تحاول دول منافسة أو معادية لتركيا استغلال هذه الأحداث لبث دعايتها المنافسة والمعادية للسياسات التركية، سواء كانت اقتصادية منافسة، او سياسية معادية، فهذه الدول ووسائل إعلامها تنتظر مواسم الانتخابات التركية لبث سموها الإعلامية، وادعائها بأن الحكومة التركية ضد الديمقراطية، وضد حقوق الإنسان، وضد حرية الاعلام، وضد حقوق التظاهر السلمي والقانوني، وغيرها من التهم المغرضة.
إن كل الأحزاب السياسية التركية الحاكمة والمعارضة، التي كانت في السلطة السياسية يوما ما، أو في المعارضة أيضا، معنية أن تعمل على إنجاح العملية الانتخابية البرلمانية من أجل تركيا ومستقبلها وشعبها، وأن تتعلم من العمليات الانتخابية في الدول المتقدمة الأوروبية والأمريكية، فالعمليات الانتخابية في تلك الدول لا ترهق البلاد ولا تتعب الشعب ولا تضعف اقتصاده ولا تشوه صورة الدولة، وقد خطى الشعب التركي خطوات كبيرة لتقدم تركيا إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذا يتطلب من أحزاب المعارضة أن تلعب اللعبة الديمقراطية بأرقى صورها، وان تحضر للانتخابات وتشارك فيها بأجمل الصور الديمقراطية للدولة التركية.
٭ كاتب تركي
محمد زاهد جول