تجاهل وإحباط وحواجز ذاتية ومجتمعية تعيق الإبداع… كاتبات خليجيات يكشفن التحديات التي تواجه انتاجهن الأدبي

حجم الخط
0

الكويت ـ «القدس العربي»: وسط إيقاع الحياة الضاج بالفوضى والضغوط اليومية، ومحاولة فصل الخاص المرهف عن العام الحاد، الخاص الذي يضعنا في ترسانة من الهموم الحياتية الملحة والسريعة، والعام الذي يشكل غيمة سوداء تلف العالم بأخبار الحروب والنزوح ومشاعر الأسى.
تبقى للكاتبة الخليجية همومها الذاتية، أهمها التعاطي مع التحديات التي تواجهها من أجل البقاء في الكتابة، الكثيرات ينسحبن من المشهد الثقافي بعد أن يقدمن منجزا يتيما لأنهن لم يصمدن في العراك اليومي مع أدوارهن في الحياة، وأمام المجتمع الاستهلاكي أو المحافظ، حيث تأتي الكتابة إما على خجل لا قيمة فعلية تدر دخلا لها، أو على وجل حين تعلق أمامها مشانق تأويل المعنى، إضافة إلى هموم أخرى تحدثت عنها الكاتبات الخليجيات في هذا التحقيق.

باسمة العنزي: تهميش وإحباط وايقاع الأدوار الحياتية السريع

الكاتبة الكويتية باسمة العنزي قالت:هموم الكاتبة الخليجية لا تختلف كثيرا عن هموم الكاتبة العربية، حيث لا تفرغ للكتابة، ولا وجود للوكيل الأدبي، على الكاتبة أن تبحث عن الناشر، وتلاحق تفاصيل طباعة وتوزيع كتابها، محاولة الوصول برسالتها لقاعدة من القراء صار المعروض أمامهم أكثر من الطلب! وأن تدور في فلك مسؤولياتها اليومية التي لا تنتهي، خاصة إن كانت امرأة عاملة وأما، تكون الكتابة في الفائض من وقتها المقسم بين عدة أدوار حياتية مهمة. ربما الاختلاف الوحيد أننا في مجتمعات صغيرة ومنغلقة إلى حد ما، وعندما تكتب مستلهما من واقعك تحاصرك أسئلة من نوع «من تقصد بهذه الشخصية؟ هل هو فلان؟». ومن يعرف معلومات ولو كانت بسيطة عن الكاتب يحاول الربط بينها وبين شخصياته، فأنت بالضرورة، إما تكتب عن نفسك أو عن محيطك الخاص. لم نسمع يوما أن كاتبة ضحت بأطفالها أو عائلتها أو وظيفتها من أجل الكتابة، لكننا نسمع عن كثيرات هجرن الكتابة من أجل الأطفال والعائلة والوظيفة. التحدي الأكبر لنا ككاتبات ألا تكبر بقعة الإحباط في داخلنا، وألا نهمش موهبتنا لصالح رتم حياتنا السريع وشروط مجتمعاتنا الاستهلاكية التي لا تقدر القراءة كثيرا.

تسنيم الحبيب: ضياع الصوت الروائي في زحمة النشر

الكاتبة الكويتية تسنيم الحبيب قالت :ككاتبة متوجهة إلى السرد أجد أن أبرز مشكلة هي ضياع الصوت الروائي في زحمة الروايات المتكاثرة، بالطبع هنالك تجارب جميلة وجادة تأخذ حقها، وأسماء لامعة رسخت في ذاكرة القارئ الجاد فصار يبحث عن إصدارتها الجديدة، لكن زحمة الروايات غمرت بعض النتاجات الجيدة ولم يلتفت إليها. خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اضطرار بعض دور النشر لمسايرة الذوق الغالب، الذي لا يبحث عن الإصدارات الرصينة بقدر بحثه عن روايات العواطف والهموم السطحية. أجد أيضا مشكلة ما في نظرة القارئ الخليجي للكاتبة الخليجية، بحيث لا يستطيع البعض تجاوز ما تكتبه، من دون تطبيقه على حياتها الشخصية، ما يقيد بعض الكاتبات ويجعلهن يتحرزن من نشر فكرة ما أو الكتابة عن ظاهرة ما تستحق المعالجة، من دون التفكير في عواقب هذا العمل وأثره على حياتها الاجتماعية .

مريم الزهراني: مقارنتها بالرجل إعاقة فكرية

الكاتبة مريم الزهراني من السعودية أدلت بدلوها: تعتبر الآونة الأخيرة ساحة خصبة لإبراز إقلام نسائية خليجية عديدة، خصوصا في مجال الأدب والرواية والقصة والمقالة، وتحضرنا أسماء مميزة وتغيب أخرى، فالكاتبة الخليجية بصفة عامة جعلت لها صوتا ومكانة رفيعة في هذا المجال وأصبح لها ظهور لافت على الساحة العامة، لدرجة أنه شد اهتمام الكثير من المفكرين والأدباء وانبهارهم لأدائها المميز، رغم كل ذلك فهي تصارع كثيرا من أجل الحفاظ على هذا المستوى الرفيع أمام تحديات تعوقها عن الظهور ومنها :عدم الاستقلالية بحريتها الفكرية ولا أجدها تغوص في الكتابة والفكرة والتعمق فيها، ما ويصيب الأسلوب بالركاكة والضعف، وما يعمل على قلة التأثير الإيجابي على المتلقي والقارئ، كما أنه يصعب عليها كيفية توصيل رسالة أدبية مباشرة للمجتمع فنجدها تختبئ وراء ستار لأسماء المستعارة خوفا من النقد المجتمعي، إذ أنها تسلبها كيانها ككاتبة وتحول دون انطلاقها بشكل واضح، كما أنها تعاني من الفكرة الخاطئة ممن يفرق بين لغة المرأة ولغة الرجل واعتبارها لغتين مختلفتين، مع أنني أرى أن الإبداع من الكاتبة أو الكاتب هو الحاسم في الموضوع.
ولا ننسى الجانب الأقوى في التحديات، وهو النظرة القاصرة لدور المرأة في الكتابة الأدبية وجعلها حكرا على الرجل فقط، كل ذلك جعلها تقاوم بكل قوة وجدية لإثبات وجودها ودورها الفعال لتخرج من شباك الإعاقة الفكرية فقذفوها بالتمرد .
كما أنها تتعرض لكثير من الضغوط المجتمعية التي تحول دون حضورها الملتقيات والأندية الأدبية واللقاءات الثقافية في الداخل والخارج .
الضغوط المجتمعية التي تتعرض لها الكاتبة الخليجية تسبب لها أحد أمرين إما الإحباط الشديد والاعتزال، أو المقاومة والمواجهة. .
وكما أن للفكرة والقلم هموم فإن للنشر همومه أيضا فقد تواجه الكاتبه الخليجية مشاكل تمنع توثيق العمل وانتشاره وظهوره للساحة بأسرع وقت ممكن، أحيانا يحتاج ذلك خروجها وسفرها للإشراف على الإصدار وتوزيعه للنشر وتحول دونها أمور محبطة، كالنظرة الذكورية والغيرة من المنافسة والتفوق على الرجل .
ختاما أرى أن الصرح الثقافي أيا كان نوعه فهو مجال لكلا الجنسين وعلى الكاتبة الخليجية عدم التخلي عن الاستمرار، لكونها نصف المجتمع ولها رؤية مختلفة عن رؤية الرجل وبذلك تفيد مجتمعها، ولا يحق للرجل التحيز والقمع .

استبرق أحمد: ثقة المجتمع بالمبدعة وحواجز ذاتية أخرى

القاصة استبرق أحمد من الكويت قالت: الكاتبة الخليجية تتقاطع كثيرا مع غيرها من الكاتبات، في قضية ثقة مجتمعهن بما تكتب ومدى تقديره لمنجزها. ففي ظل مجتمعات تعتبر المرأة «ناقصة عقل» بمفهوم مهين، تجابه الكاتبة الخليجية في بعض المجتمعات الخليجية حزمة «أفكار بالية» لإثبات أنها امرأة تكافح لتأكيد مساواتها ونديتها للرجل أولا، قبل أن تصنع وجودها كصاحبة نص يحمل همومها ورؤيتها، وتمتد جهودها لتأكيد نتاجها حتى تجاه المجتمعات العربية، بل وحتى تجاه كاتبة عربية تحمل هموم ومعضلات مشتركة معها. يعود ذلك في جانب منه لنوعية القضايا التي تتناولها بعض الكاتبات الخليجيات، من دون التعاطي معها بصورة عميقه في عالم من التحولات ومن دون نبش في السواكن. طبعا من البديهي التشديد بعدم تعميم هذه الفكرة على جميع الكاتبات الخليجيات، ولا أنها تشمل جميع المتعاطين مع كتابتها في أي مجتمع كان. لكن ما ذكرته هو مجرد بروفايل مقتطع من الوجه الكامل للأسباب.
أما القول بأن الكاتبة الخليجية تعاني صعوبة النشر، فذلك غير صحيح ماديا من وجهة نظري إزاء القدرة المادية الجيدة للغالبية، كما أنه لو تباينت هذه الإمكانيات يظل حاجزا يمكن تفاديه بالنشر الإلكتروني، لكن حواجز أخرى رقابية، سواء ذاتية أو مجتمعية هي ما يؤثر جدا في تدبيج ونشر ما تريد أن تسربه في نصها.

هدى الدغفق: هناك تجاهل غير مبرر لحقوق المثقفة والمرأة بشكل عام

الشاعرة هدى الدغفق من السعودية: قبل الحديث عن التحديات التي تواجه الكاتبات في الخليج فلنتحاور حول موقع المرأة من مراكز صنع القرار لدينا، الذي مازال متأخرا حتى اليوم، وهي المعضلة الكبرى التي مازالت المرأة الخليجية تعاني منها .واعتقد أن الإشكاليات الاجتماعية التي تواجهها الكاتبة هي تحديات أكثر وأعقد من تلك التي يواجهها الكاتب الخليجي. وإن كنا في الهم شرقا، ابتداء من محدودية الحركة والموضوع، وانتهاء بالثمن الباهظ الذي يدفعه الكتاب في حياتهم الخاصة ثمنا للمواجهة الاجتماعية مع مجتمع لايزال معظمه ينظر إلى الكتابة كعادة اجتماعية مستهجنة .أما التحديات التي تواجه الكاتبة الخليجية فتتصدرها الظروف العائلية، فحتى اليوم مازال الكثير من النساء المثقفات في الخليج غير قادرات على القيام بدورهن الفكري الثقافي والاجتماعي لتحكم الطرف الآخر بهن، وأعني وصاية الذكر عليهن من حيث طلب موافقته في كثير من الأمور مثل السماح لهن بالسفر والمشاركة في المناسبات الثقافية أو حضورها أو نشر صورهن في وسائل الإعلام، أو حتى الخروج عبر حوار تلفزيوني أو إذاعي حتى. فكيف ستعرف المثقفة بفكر بلادها وهي محاطة بسياج من هذا النوع؟ وما يؤسف له أن تناول قضايا المرأة في الصحافة الخليجية لم يزل مجرد استعرض سطحي استغلت فيه المرأة لتحسين صورة بلادها حضاريا لتلميع النظرة العالمية إلى تلك البلاد وحسب.
هناك تجاهل غير مبرر لحقوق المثقفة والمرأة بشكل عام، وتجاوز في التصرف بشؤونها العامة والخاصة، وهي سلطة وهبت الرجل إياها القوانين والأنظمة في بعض الدول الخليجية، كما أن المثقفة لم تزل عاجزة عن إدارة شؤونها الفكرية باستقلال تام من حيث تناول بعض الموضوعات الحساسة، كالكتابة عن حقوق النساء أو الكتابة في الجنس أو نقد المنظومة القبلية أو الكتابة العاطفية وما شابه ذلك. تبقى الرقابة العائلية والوصاية عليها معضلة لابد من تأطيرها، بل والتخلص منها وبغير ذلك فلن تبرح الكاتبة الخليجية مكانها. ومايؤسف له أننا مازلنا نعيش جاهلية معاصرة لا تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، فهذه التحديات الصعبة والأزلية لم تتنح عن كاهل المثقفة الخليجية إلا في بعض الدول التي تمنح المرأة حقوقا من خلال أنظمتها وقوانينها. ولذلك فالمرأة الخليجية محط تناول ساخن في الصحافة العالمية، وهي مادة شهية للكتابة بالنسبة إليهم. فلا ينبغي أن نناقش ما هو أعلى من ذلك السقف، ونحن لم نبرح مكاننا الداخلي .
من ناحية النشر أرى أن الكاتبة الخليجية كلما تخلصت من الذاتية البحتة كانت كتابتها أكثر عمقا وشفافية، كما أن الذاتية ليست أمرا سلبيا، ولكنها بحاجة إلى تهذيب في طريقة تناولها ثقافيا وإبداعيا، بحيث تخدم قضايا المرأة بشكل عام .وفي الآونة الأخيرة برز جيل من الكاتبات الجريئات، ولكن لم تزل جرأتهن تتستر خلف الأسماء المستعارة وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على رواج الاسم المستعار للكاتبة مجددا بعد أن قل استخدامه، ولكن يبقى السبب وراء ذلك أن الكاتبة الخليجية مازالت تعاني من كثرة التابوهات الاجتماعية والقبلية التي تلاحقها، ليس رغبة في تشجيعها واهتماما بما تكتب، بل للترصد والوصاية والمنع والتحذير. وفي الطرف الآخر نشأت بعض الكاتبات في بيئة منفتحة مرنة وفرت المناخ الصحي لبناتها الكاتبات ونجحن وبرزن ثقافيا .لم تحد وسائل التواصل الاجتماعي من انتشار قلم الكاتبة الخليجية، بل على الضد من ذلك فقد كشفت تلك الوسائل التقنية عن لاوعي اجتماعي قبلي لم يزل يتعامل مع قلم الكاتبة بعصبية وعنصرية بحتة، فيشن عليها النقد السلبي والتجريح، بل وصل الحد به إلى اتهامها عقديا ووطنيا بأنها لا تحب مجتمعها وبلادها إذا ما طالبت بالإصلاح وبتصحيح أوضاع المرأة وتغيير الأنظمة المتعلقة بأحوالها الشخصية مثلا.

منى الشمري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية