٭ ٭ ٭
من اتيح لهم مشاهدة طقس عزاء تمارسه الأرملة في بعض الأرياف العربية يدرك على الفور ان هذا التانغو الفريد يكون بلا شريك على الاطلاق، فالمطلوب من الارملة ان تعيد الرقصة السوداء ذاتها مع كل قادمة الى العزاء، وهذا ما يسمى مَسْرحَة العاطفة وليس التعبير البريء عنها، والرقصة السوداء هي ما يُسمى «الحَجْلْ « اي الدوران حول الذات حتى فقدان التوازن والاغماء. ان العدد الهائل من المواعظ والامثال الشعبية في موروثنا عن مديح العزلة والاحتراز من الاخرين ليس عابرا، بل هو بحاجة الى تحليل تحت مجهر سايكولوجي، فهل كان السبب البعيد لذلك حياة الصحراء وثقافة الغزو المتبادل؟ أم الريبة في كل ما هو خارج الذات؟
الاجابة انثربولوجية بامتياز وتستحق مقاربة أخرى لكن ما يعنينا في هذا المقام هو الافراط في الاشفاق على الذات الذي قد يصل حدّ عبادتها، مما يجعل من رقصة التانغو التي تشترط الثنائية امرا غير مألوف، وينوب عن هذه الرقصة المونولوج او الرّقص الذاتي، وهناك مقاربة تستحق التذكر في هذا السياق حول الرقص بمجمله قدّمها سلامة موسى في النصف الأول من القرن الماضي، قارن من خلالها بين الرقص الشرقي وانماط الرقص الاخرى، وأول ما لفت انتباهه، كما قال، هو ان الراقصة الشرقية لا تستغرق في التعبير بالجسد عن الانفعال، فهي ترقص وتتلذذ بالنظر الى جسدها لأنها ترقص للاخرين. وحين كتب كل من ادوارد سعيد وغابرييل ماركيز عن الرقص على تباعُد المسافة الزمنية وتباعد المُقارَبَتيْن ايضا، كانت الراقصة تحية كاريوكا هي التي اجتذبت انتباه سعيد عندما شاهدها وهي ترقص في احدى ليالي القاهرة، وقدم قراءة غير مُتعالية عن ادائها بدون ان يخفي انفعاله بها، اما ماركيز فقد كتب عن شاكيرا شيئا مُغايرا، وأصغى لايقاعات في جسدها هي البديل الصامت لكن الثرثار عن اللغة، وكأن صمت الجسد اكثر صخبا من صوت الغناء !
٭ ٭ ٭
اتساءل أحيانا، هل تمدد تعاطي الذات وإدمانها على الرّقص ايضا ؟ بحيث يكون الآخر صنيعة الذات او نتوءا منها، لأن التانغو رغم الإسفاف في استخدامه كمصطلح حتى في عالم الانترنت يبقى الاختبار الأعسر للاعتراف بالاخر بوصفه شريكا وندّا وفاعلا ومنفعلا في آن.
واجادة رقصة التانغو هي المرادف لاجادة الديالوج، ومغادرة الذات ولو لبعض الوقت، فمن يرقصون مع انفسهم هم ايضا الذين لا يصغون لغير اصواتهم ما دام الآخر مجرد مخاطب وكائن افتراضي، فالشاعر الجاهلي الذي كان يبدأ قصيدته مخاطبا الاطلال بكلمة خليليّ او اصحابي كان يمارس تقليدا نمطيا، وعلى الاغلب لم يكن هناك خليل او صاحب، لهذا سخر ابو نواس من الواقفين على الاطلال قائلا : ما ضرّه لو كان جلس!
من غربة الراعي ورقصته الشجية مع ظله وعلى إيقاع نايه الى اللحظة الطللية التي استوطنت الذاكرة ولم تعد حجرا او خيمة او روث غزلان او رماد موقد، كان المونولوج هو قدر الراقص مع نفسه وما ترسّب في اللاوعي تفتضحه بين وقت وآخر اختبارات التانغو، سواء كان عاطفيا او سياسيا او حتى ثقافيا. ان الآخر الغائب حينا والمُغَيّب أحيانا هو شرط استكمال الرقصة كما هو شرط استكمال الحوار، لكن فائض الاشفاق على الذات افرز هذه الفوائض من العُزلات!
٭ كاتب اردني