تجديد الخطاب الديني معركة «الرئاسة والأزهر»

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: أكثر من عامين مرا على دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني، دعوة تعامل معها المصريون باعتبارها موجهة لمؤسسة الأزهر الشريف المنوط بهذا الأمر باعتباره أكبر مؤسسة دينية في مصر.
ومع كل حادث إرهابي يضرب مصر أو آخر يتعلق بفتنة طائفية، يتجدد الحديث عن تجديد الخطاب الديني، وتوجه أسهم الانتقاد من قبل مؤيدي وإعلاميي نظام السيسي إلى الأزهر، باعتباره فشل في تحقيق ما دعا إليه السيسي، بل يصل الأمر إلى اتهام البرامج التي يدرسها الأزهر في مؤسساته التعليمية بالمسؤولية عن الإرهاب.

هجوم إعلاميي النظام على الأزهر

وكانت حادثة تفجير كنيستي مارجرجس في مدينة طنطا والمرقسية في الإسكندرية بالتزامن مع احتفالات الأقباط بأحد السعف، كأنها إشارة البدء لهجوم إعلاميين مقربين من نظام السيسي على الأزهر الشريف، وقال الإعلامي أحمد موسى، أحد أكبر مؤيدي النظام الحاكم في مصر في برنامجه الذي يحمل اسم «على مسؤوليتي» المذاع على فضائية «صدى البلد» إن تشكيل الرئيس عبد الفتاح السيسي مجلسا أعلى لمواجهة الإرهاب، يعني فشل مؤسسة الأزهر الشريف في مواجهة الإرهاب، مشدداً على أنه لا يوجد في مصر خطاب ديني قادر على مجابهة الفكر المتطرف.
وأضاف موسى: «بح صوت السيسي على مدى عامين ونصف من أجل تجديد الخطاب الديني، ولم يفعل أحد شيئا، البقاء لله في الأزهر، والسيسي أعلن وفاته اليوم»، مشيرا إلى أن «الأزهر فشل في مهمته الرئيسية لتجديد الخطاب الديني وحقن دماء المصريين».
وأضاف أن «كثيرا من مناهج الأزهر تحتاج إلى النسف»، مشيراً إلى أن «الأشخاص الذين نفذوا عملية اغتيال النائب العام هشام بركات من خريجي الأزهر الشريف».
ولم يكن موسى وحده الذي شن هجوما على الأزهر، حيث هاجم الإعلامي عمرو أديب مقدم برنامج «كل يوم» على فضائية «أون تي في»، الأزهر، عقب حادث تفجير الكنيستين، قائلاً إن «الرئاسة قررت التحرك في ملف تجديد الخطاب الديني بمفردها دون انتظار الأوقاف أو الأزهر لإقرار مجلس أعلى لتجديد الخطاب الديني». كما نشرت جريدة «اليوم السابع» المقربة من النظام الحاكم في مصر نتائج استطلاع، أجرته حول قدرة الأزهر، على مواجهة الأفكار المتطرفة، وأعلنت أن 79٪ من المشاركين في الاستطلاع تبنوا موقف أن الأزهر لن يتمكن من تجديد الخطاب الديني أو مواجهة الأفكار المتطرفة. وكان المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين المعبر عن تيار «التغيير» داخل الجماعة أو ما يعرف بـ «الكماليين» نسبة لمحمد كمال القيادي الإخواني الذي قتل على يد قوات الأمن المصرية، أصدر بيانا انتقد فيه الإجراءات التي أعلنها السيسي، واعتبرها تمثل محاولة للإساءة للدين الإسلامي والأزهر الشريف.

مشروع قانون يهدف
للإطاحة بشيخ الأزهر

تقدم النائب محمد أبو حامد لمجلس النواب المصري بمشروع تعديل قانون تنظيم الأزهر رقم 103 لسنة 1961.
وأوضح أبو حامد، الذي يشغل منصب وكيل لجنة التضامن الاجتماعي في مجلس النواب، لـ»القدس العربي» أن «مشروع القانون الذي قدمته يحمل عنوان حوكمة تشكيل هيئات الأزهر، ويتعلق بإجراءات اختيار هيئة كبار العلماء ومجلس مجمع البحوث الإسلامية وكل المؤسسات التابعة للأزهر، وصولاً لشيخ الأزهر نفسه».
وأضاف: «ينص مشروع القانون على أن يكون تعيين أعضاء هيئة كبار العلماء عن طريق الرئاسة وليس شيخ الأزهر، إضافة إلى توسيع دائرة الأعضاء لتشمل عددا أكبر بحيث ينضم إليها علماء ومتخصصون في أمور أخرى ليسوا في الدين فقط كعلماء النفس والاجتماع والطب والاقتصاد، وألا يقل سن العضو عن 45 عاماً وألا يزيد عن 80 سنة».
وتطرق أبو حامد، في مشروع القانون، إلى المؤسسات العلمية التابعة للأزهر، وقسم هذه المؤسسات إلى قسمين، الأول خاص بتدريس الدين كالمعاهد الدينية، بينما وزع المدارس التابعة للأزهر التي تقدم علوما ورياضيات وغيرها من المواد العلمية إلى وزارة التربية والتعليم، ونقل تابعية الجامعات إلى المجلس الأعلى للجامعات.

أقباط يهاجمون الأزهر

وهاجمت منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان «القبطية» عدة مؤسسات مصرية، على رأسها الأزهر والبرلمان، مؤكدة أن فكر التطرف لا يوجد فقط داخل تنظيمات إرهابية مسلحة وإنما أيضا داخل الكثير من مؤسسات الدولة.
وقال البيان الصادر عن مؤتمر «أنقذوا الأقباط من داعش الإرهابي»، الذي عقدته المنظمة بعد أحداث تهجير عشرات الأسر القبطية من العريش، إن «الخطاب الديني الذي تعهد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتنقيته ما زال غير مؤثر، وإن الأقباط لا يزالون يتلقون صدمات الخطب التي تبغض وجودهم وتنال من ديانتهم وتكفرهم من علماء أزهريين».
وشدد على أن «ما يتعرض له أقباط مصر من عمليات إجرامية وإرهابية على أيدي تنظيم داعش إنما الهدف منه محاولة النيل من وحدة الشعب المصري وصلابته، وأن ذلك نتاج فكر متطرف كاره للآخر ما زال منتشرا».
وأشار إلى أن «الأقباط لا يزالون يشعرون أن هناك تفرقة من القيادة السياسية حتى وإن كانت لا تألوا جهدا في اعتبار التأكيد على أن الأقباط هم مصريون وشركاء هذا الوطن ولهم كافة الحقوق وعليهم كافة الواجبات».
وهاجم المؤتمر مجلس النواب، معتبرا أنه ما زال قاصر النظر في أداء دوره التشريعي. كما طالب القضاء المصري بالنظر إلى قضايا ازدراء الدين المسيحي النظرة ذاتها التي ينظرها لقضايا ازدراء الدين الإسلامي.

الأزهر يرد على منتقديه: مناهجنا خرجت رواد النهضة المصرية

وردت هيئة علماء المسلمين على منتقدي الأزهر، وقالت في بيان أصدرته عقب اجتماعها يوم 18 نيسان/إبريل الجاري برئاسة شيخ الأزهر، إن مؤسسة الأزهر تقف إلى جانب الكنيسةِ المصرية في وجه كل من يعتدي عليها أو يَمسُّها بسوء.
وأكدت الهيئة أن الشعب المصري الأبي قادر بصمودِه مع مؤسسات الدولة المصريَّةِ على دحر قوى التطرفِ والإرهابِ التي فَشِلتْ كُلُّ مُخطَّطاتها الخبيثةِ في النَّيْلِ من صُمودِها، ومن وَحدَةِ نَسيجِهم الوطني.
وذكرت الهيئة أن ما وقَع من تفجيرات استهدفت مُواطِنين أبرياء ودورا للعبادةِ أمرٌ خارجٌ عن كُلِّ تعاليمِ الإسلامِ وشريعتِه التي حَرَّمت الاعتداءَ على النَّفسِ الإنسانيَّةِ أيا كانت دِيانتُها أو كان اعتقادُها، وحرَّمت أشَد التحريمِ استهدافَ دُورِ العبادةِ، وفرضت على المسلمين حِمايتَها، وأوجبت حُسنَ مُعامَلةِ غيرِ المسلمين ومودَّتَهم والبرَّ بهم، وقد أكَّد القُرآنُ الكريمُ على حُرمةِ دُور العبادةِ في نصٍّ صَرِيحٍ في القُرآنِ الكريم: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.
وقال إن الإسلامُ يحرم على المسلم تحريمًا قاطعًا تَفخِيخَ نفسِه وتفجيرَها في وسَطِ الأبرياء، وجعَل جَزاءَه الخلودَ في جهنَّم؛ فقال النبيُّ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَن قتَل نفسَه بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيامة»، واعتداءُ هؤلاء ا المجرمين البُغاةِ على الأبرياء هو إيذاءٌ لرسول الله نفسِه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث النبويِّ الشريف.
وأكدت الهيئة أنَّ مناهجَ التعليمِ في الأزهرِ الشريفِ في القَدِيمِ والحديثِ هي وحدَها الكفيلةُ بتعليمِ الفكرِ الإسلاميِّ الصحيح الذي يَنشُرُ السلامَ والاستقرارَ بينَ المسلمين أنفسهم، وبين المسلمين وغيرهم، تَشهَدُ على ذلك الملايين التي تخرَّجت في الأزهر من مصرَ والعالم، وكانوا ولا يزالون دُعاةَ سلامٍ وأمنٍ وحُسن جوار، ومن التدليس الفاضح وتزييف وعي الناس وخيانة الموروث تشويه مناهج الأزهر واتهامها بأنها تفرخ الإرهابيين.
وأضافت الهيئة قائلة: الحقيقة التي يَتنكَّرُ لها أعداء الأزهر بل أعداء الإسلام هي أن مناهج الأزهر اليوم هي نفسها مناهج الأمس التي خرجت رواد النهضة المصرية ونهضة العالم الإسلامي بدءا من حسن العطار ومرورا بمحمد عبده والمراغي والشعراوي والغزالي، وصولا إلى رجال الأزهر الشرفاء الأوفياء لدينهم وعلمهم وأزهرهم، والقائمين على رسالته في هذا الزمان.
وقالت إن على هؤلاء المنكرين ضوء الشمس في وضح النهار أن يلتفتوا إلى المنتشرين في جميع أنحاء العالم من أبناء الأزهر، ومنهم رؤساء دول وحُكومات ووزراء وعلماء ومفتون ومُفكرون وأدباء وقادة للرأي العام، ويتدبروا بعقولهم كيف كان هؤلاء صمام أمن وأمان لشعوبهم وأوطانهم، وكيف كان الأزهر بركةً على مصر وشعبها حين جعل منها قائدا للعالم الإسلامي بأسرِه وقبلة علمية لأبناء المسلمين في الشرق والغرب.
واختتمت الهيئة: ليَعلَمْ هؤلاء أنَّ العَبَثَ بالأزهر عَبَثٌ بحاضر مصر وتاريخها وريادتها، وخيانةً لضمير شعبها وضمير الأمة كلها.

«الطلاق الشفوي» أول المعارك

وكانت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي، القضية التي أخرجت الخلاف بين مؤسستي الرئاسة والأزهر للعلن. وقالت الهيئة عقب اجتماعها «بإجماع العلماء باختلاف مذاهبهم وتخصصاتهم انتهوا إلى وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانَه وشروطَه، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، وهو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحتى يوم الناس هذا، دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق، وأنه على المطلِّق أن يُبادر في توثيق هذا الطلاق فَوْرَ وقوعِه، حِفاظًا على حُقوقِ المطلَّقة وأبنائها، ومن حقِّ وليِّ الأمر شرعًا أن يَتَّخِذَ ما يلزمُ من إجراءاتٍ لسَنِّ تشريعٍ يَكفُل توقيع عقوبةً تعزيريَّةً رادعةً على مَن امتنع عن التوثيق أو ماطَل فيه، لأنَّ في ذلك إضرارًا بالمرأة وبحقوقها الشرعيَّة».
وناشدت الهيئة «جميعَ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الحذَر من الفتاوى الشاذَّة التي يُنادي بها البعض، حتى لو كان بعضُهم من المنتسِبين للأزهر، لأنَّ الأخذَ بهذه الفتاوى الشاذَّة يُوقِع المسلمين في الحُرمة».
وأضاف البيان: «تتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم».
وكان الرئيس السيسي، قد وجه في خطابه بمناسبة ذكرى عيد الشرطة في 24 كانون الثاني/يناير الماضي، بضرورة سن قانون يمنع وقوع الطلاق، لكن في حالة استيفاء الأوراق الرسمية وأمام مأذون شرعي. ويرى السيسي أن معدلات الطلاق في ازدياد مضطرد في مصر وأن الآثار الاجتماعية لذلك كبيرة جدا.
وقد اختتم الرئيس المصري، توجيهه بعبارة لفتت نظر السامعين والمتابعين للخطاب وقتها إذ قال موجها حديثه لشيخ الأزهر الذي كان في مقدمة الحضور «تعبتني يا فضيلة الإمام»، وهي العبارة التي وجدها الكثيرون وقتها تخص قضايا أخرى عالقة بين الرئاسة والأزهر.

تجديد الخطاب الديني معركة «الرئاسة والأزهر»

تامر هنداوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية