تجديد الخطاب الديني واشكالية الحكم

حجم الخط
0

تحتاج الإحاطة بكتاب «رسالة في اللاهوت والسياسة» للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632- 1677) إلى الكثير من التأمل كما البحث. أولاً لقيمة هـذَا الكتاب، وأثره على الفلسفة والثقافة، لا سيما نهجها العقلاني حيث كان لسبينوزا الدور الأكبر في تكريس هذا النسق، وثانياً، لتقديم الإطار العلمي لمناقشة الأثر الغيبي للنص، وملحقات الخرافة، وتبعاتها التي شكلت مسلكاً للسلطة والحكومات في تقييدها للتفكير، ولتكرّيس نمط من الهيمنة القائمة على التعالي الحرفي للنصوص، ولاسيما في الثقافة الأوروبية. ومن هنا تكمن قيمة الكتاب الذي مثّل لاسبينوزا مرحلة حرجة في حياته، نتيجة الدعوات والمقاربات التي دعا اليها.
لا عجب أن يذكر في مقدمة كتابه توضيحاً لمسلكه، وبياناً بنواياه ومقاصده، حيث قال: «كما سأعلن أيضاً في نهاية الرسالة إني أضع عن طيب خاطر كل ما كتبت أمام السلطات العليا في وطني لكي تفحصه، وتصدر حكمها عليه، فإذا رأت أنني قلت شيئاً مناقضاً لقوانين وطني أو للمصلحة العامة فإني أسحب ما قلته». ولكن قبل اكتناه القيم الفكرية لهذا الكتاب، الذي ترجمه وعرّبه حسن حنفي، ونشرته «دار جداول»، لا بد من الإشارة إلى النهج والتكوين الخطابي لسبينوزا الذي اعتمد على توجّهات تداولية تذهب إلى الفكرة، وتناقشها عبر تبني نموذج لغوي مفارق للخطابات الفلسفية الشائعة، حيث كان هذا الفيلسوف حريصاً كل الحرص على أن يأتي كتابه في قالب كلي وشمولي، ولكن الأهم أن يكون قادرًا على مخاطبة العقل، وإضاءة مساحات من الانغلاق العقلاني الذي ميّز أوروبا في ذلك الزمن. ومع أن الكتاب ينهض على بيان الانحرافات التي شابت التّلقي الديني للنص عبر تحديد نموذج يلتزم بالفروقات التي تتيح هيمنة الفهم القائم على التفسير لبعض القضايا التي حولت إشكالية الفهم تجاه قضية الإيمان، بوصفه مجالاً منوطا بالتفسير الخاص بالطبقة الدينية، ورجالاتها التي استحوذت على المقدرات المعرفية والأخلاقية للنصوص الدينية، ولهذا، فلا جرم أن يقيم سبينوزا فهمًا مغايراً للخطاب الديني، وتمركز سلطة الدولة التي أفادت من القصور الإنساني، وخوفه الكامن، والملازم، علاوة على عدم القدرة على تجاوز الاتجاه الذي فرضته سلطة التفسير الخاص بالنصوص الدينية.
في مقدمة الكتاب يضع أو يوضّح سبينوزا منهجه القائم بشكل جوهري على الأساس العقلاني، من خلال خطابه الشّارح، وبعبارة أخرى التّوجهات التي يرتضيها لتقويض الفهم الضيق لمعنى الدين، ومدى انحساره في أروقة السّلطة، والدولة، والطبقة المستفيدة من رجال الدين، حيث نستشعر نقداً شديد اللهجة لهذه الهيمنة القائمة على معنى النص، في حين أن الأديان تتسم بتكوينها البسيط القائم على الممارسة الأخلاقية، والتعاملات، وهذا ما يقترب من النهج الإسلامي الذي تعرض لبعض الانحرافات نتيجة بعض الفئات التي مارست سلطة الهيمنة على العقل، وتقييد الممارسات القائمة على التعامل، واستبدالها بخطابات متعالية تهدف إلى تقرير نموذج مخصص لغايات محددة.
تتحدد محاور الكتاب على عناوين عقلانية ينطلق منها سبينوزا، حيث يشير إلى أن الخرافة تعدّ أسهل الطرق، وأكثرها فاعلية لحكم العامة، وبوجه خاص حين ينتابهم الخوف، حيث يسارعون للبحث عن الأوهام؛ ولهذا فإنه يسهّل دفع العامة إلى التعلق، وعبادة رموز السلطة التي تسعى إلى تجميل الدين بالشعائر، وإغلاق الاحتكام إلى العقل.
ولعل هذا التحليل تتساوى فيه جميع الديانات كما يقول سبينوزا ، فالسلطات سواء الدينية أو الدولة تلجأ إلى محاكمة الناس على التأمل والتفكر، لا على الأفعال فحسب، وكما يشرح سبينوزا قائلاً: « بأن الأفعال وحدها هي التي تخضع للقانون، أما الأقوال فلا تخضع مطلقاً للعقاب»، فلا جرم أن تنبعث هذه الفتن المهددة للمجتمع الإنساني، فالإشكالية التي تحكم الاختلاف الديني كما يقول سبينوزا لا تتأتى فعلياً إلا بالظاهر، أو بالمظاهر، فلم يبق من الأديان سوى الممارسات الظاهرية أو العبادات الخارجية لا السلوك، وهذا من شأنه أن يهدف إلى إضفاء المزيد من التكريم والقداسة على من يمتلكون تفسير الدين، وتشكيل مظاهره، وهذا يتضح بأشد ما يكون إبان هيمنة الكنيسة على الحياة في أوروبا، وهكذا نجد أن ثمة نسقاً قائماً، ولكن الملاحظ أنه يعاد إنتاج هذا النهج في هذه الأيام، حيث بات رفض الآخر ومصادرة تفكيره مسلكاً واضحاً ومنتشراً في الثقافة العربية المأزومة، وبوجه خاص في تعريف ذاتها، فاكتناه النصوص لا يخضع إلا لسلطة واحدة، ومن هنا فقد رأى سبينوزا أهمية البحث عن قراءة نقدية للكتاب المقدس، حيث أصبح الخضوع الأعمى للكتاب أو « التفسير الخاص» أفضل من الإيمان، ومن أجل تجنب المزيد من الفتن والقتل باسم الدين يذهب سبينوزا للبحث أو للإعلان عن منهجه الجديد القائم على إعادة فحص الكتاب المقدس، ولكن بلا ادعاء، وبحرية ذهنية كاملة بهدف التخلص من الرعاية والوصاية على الدين، ولتجنب أفعال النبذ والإقصاء أيضاً.
ومن أجل تطبيق هذا النهج، ينطلق سبينوزا من تحديد مفهوم النبوة التي تنحصر في دور محدد أي فعل الإخبار والهداية، ومن هنا، فإنه ينتقل إلى تحليل هذا النهج من خلال تقويض مقولة اليهود شعب الله المختار، فما الشرائع التي أوصى بها سوى قانون دولة للعبرانيين فقط، وبذلك فلا يمكن فرضها على أي شعب آخر، ولعل هذا يقود سبينوزا إلى تحليل مفهوم الدين الشّامل الذي يرى فيه نموذجا فطرياً تتشاركه الشعوب، بل إنه يذهب إلى أنه لا يوجد في المعجزات ما يتناقض مع الكتب المقدسة كافة، التي تنهض على الاحتكام إلى العقل، بل إنه يترك للعقل حريته الكاملة من أجل الوصول إلى أقصى درجات الإيمان، وكي يستقيم هذا النهج، يلجأ سبينوزا إلى تحديد مفهوم تفسير الكتاب المقدس، حيث يكون الوجه الخاص بالتعاليم الدينية الروحية منوطاً بالكتاب المقدس، لا بالنور الفطري، ومن هنا تنبثق المشكلة، فالعامة أصبحوا يعبدون الأسفار المقدسة بدلاً من تقديس كلام الله، فالإيمان من وجهة نظر سبينوزا يتجلى بأوضح صوره من خلال الممارسة التي تنهض على العدل والإحسان، وهذا يستقيم في جانب منه مع ما ينص عليه الدين الإسلامي من حيث وجوب المعاملة، فسبينوزا يرى أن الكتب المقدسة تخاطب كافة العقول، التي تتفاوت في الفهم والتلقي، وهذا المسلك يبرر من أجل أن يضمن إيمان الجميع أو على قدر أفهام العامة، أو كل واحد منهم؛ ولهذا ينصح سبينوزا بأن تكون الأعمال وحدها مقياس الإيمان، من منطلق أن الفهم وتفسير الإيمان يجب أن يترك لكل فرد بحيث لا يتناقض هذا من الحق الطبيعي للفرد بأن يعيش على هواه، لا هوى الشخص الآخر، وهذا حق لا يمكن تفويضه لشخص آخر كما يقول، ومع أن الدولة هي الضامنة والمخولة بوصفها السلطة العليا للحكم، غير أنها لا تملك أن تصادر حقوق الفرد؛ إذ ينبغي أن يتم التوصل إلى صيغة توافقية بين الفرد والسلطة. وفي فصل آخر يتناول سبينوزا جمهورية العبرانيين، إذ يرى فيها نموذجا للدين الذي أخذ بالقوة، فالخطاب والمنح والوعد بالسعادة يشمل الجميع أو الشعوب كافة، لا اليهود فحسب، غير أن الشرائع كانت ذات مقصد محدد، وذلك بهدف الممارسة على مستوى الدولة، وهي أسباب خارجية لا تتصل بتفضيل اليهود على غيرهم من الأمم، وبذلك فإن تطور الأمم يجب أن يحتكم إلى النظام الاجتماعي والقوانين.
يمضي سبينوزا في تطبيق منهجه القائم على اكتناه الأسفار واحداً تلو الآخر عبر الكشف عن المساحات القلقة في هذه الأسفار التي تنطوي على جملة من التناقضات والتعارضات اللغوية والعقلية، فتفسير الكتاب المقدس انطلق من رغبة البعض بجعل الآخرين يفكرون مثلهم كما يقول سبينوزا، ومن هنا فقد تعالت نزعات الاستحواذ على المعنى، ما يعني تبعية مظهرها للكتاب، وباطنها سدنة التفسير، غير أن سبينوزا يوضح منهجه في تفسير الكتاب المقدس من خلال اللجوء إلى المعرفة التاريخية المضبوطة، أو الدقيقة من أجل أن نتمكن من التوصل إلى المعرفة اليقينية، ومن ثم الوصول إلى الاستنتاج الحقيقي. يمضي سبينوزا في باقي الفصول في البحث في طبيعة هذه الأسفار، وسياقات نشوئها وتكونها، بل وفحصها ضمن رؤية عقلية تستند إلى التخلص من كافة المرجعيات التي تمارس تضليلاً في فهم الكتاب المقدس، وتفسيرها، وما يكمن خلف ذلك من سلطات تُستغل من قبل البعض، ولكن باسم اللاهوت، غير أن هنالك الكثير من التحريف الذي طال هذه العملية، حيث يأتي عليها سبينوزا في الفصول من الثامن حتى الثالث عشر، في حين أنه يترك باقي الفصول لمناقشة قضايا الإيمان، وشروطه، ولعل أهمها الأعمال، لا المبدأ القائم على من يقدم أفضل الحجج.
وفي محور آخر يناقش التعالق الحاصل بين الإيمان والفلسفة، حيث ينفي أي اتصال بينهما، فلكل منهما غايته، فغاية الفلسفة الحق وحده، في حين أن غاية الإيمان الطاعة والتقوى وحدها، بل إن مصدر كل واحد من هذين المبحثين مختلف، فمصدر الفلسفة الأفكار المشتركة، في حين أن الإيمان مصدره التاريخ، وفقه اللغة، أو الكتاب المقدس والوحي.
يصل سبينوزا في الفصول الأخيرة من الكتاب إلى موقع السلطة من الحكم، وحدود الفرد، وحريته التي ينبغي أن تصان من قبل الدولة الحرة، التي تعدّ هذه مسؤوليتها الأهم، وفي هذا المجال يجب أن تحرص الدولة على هذا الحق، كون الأفراد أو المجتمع قد فوضوها أمرهم، ومن هنا فإنه يشير إلى أهمية النظام الديمقراطي من أجل تلافي أي أخطاء، أو تجاوزات، يمكن أن تنتج نتيجة استفراد فئة ما بالحكم، سواء أكانت سلطات دينية أو سياسية ديكتاتورية، مع أهمية التخلص من «عبودية الأذهان» كما ينعتها سبينوزا، الذي يقدم نموذجاً في تحديد أهم مبادئ الحياة، ومنطق الحكم بين الحياة والدين.

٭ كاتب فلسطيني أردني

تجديد الخطاب الديني واشكالية الحكم
«رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا
رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية