تجربة فكرية وتناص تراثي يستحقان الدرس… في حفل توقيع «موتى بلا سقوف» للأردني محمد الحوراني

حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: «يبحثُ الشاعر الأردني محمد الحوراني عن القصيدةِ البكرِ التي هي نَسخةٌ طبقُ الأصْلِ عن طفولتهِ لا عن فحولِتِه، وعن بساطتِهِ لا عن خبرتِه، فالخبرةُ تزيفُ النصَّ وتُثقلُه بالصنعةِ والزينةِ الصناعيّة، وحين يفهمُ القارئُ هذه الرؤيةَ فإنه سيتفهمُ آلياتِ الكتابةِ الشعريةِ عنده، وسيعذرُه عن السذاجة والسطحية أحيانا». بهذه الكلمات بدأ الشاعر ناصر شبانة حديثه في حفل توقيع المجموعة الشعرية «موتى بلا سقوف» للشاعر الحوراني في رابطة الكتاب الأردنيين في العاصمة الأردنية عمان.
ويرى شبانة في الحفل الذي أداره عطا الله الحجايا، أن «موتى بلا سقوف» شاهدٌ على الفلسفةِ التي يظهرُ الشاعرُ من خلالها طفلا يَحملُ ألوانَهُ الزاهية، ويرسُمُ خطوطًا تتقاطعُ بكلِّ الاتجاهات، لكنّها في نهايةِ الأمرِ ترسُمُ لوحةً كبرى لها فلسفتُها ونهجُها الفنّي، وما قد نظنُّهُ ضربًا من الفوضى ما هو في الحقيقةِ إلا نظامٌ أو نسقٌ بنيويٌّ، له دلالاتُه وامتداداتُه في الرؤيةِ النصية.
وتناول شبانة في حديثه عدة محاور عن المجموعة، أولها العنوان الذي لم يأت من إحدى قصائد الديوان، بل من رؤية الشاعر وكأنه يمارسُ عملا نقديًا، موضحا «يمكنُ أنْ نستخلصَ من عنوانِ المجموعةِ عدّةَ ملاحظات منها: طغيانُ صيغةِ الجمْع على العنوان «موتى، سقوف»، يتوسّطهما «لا» النافية التي تأتي بمعنى غيرِ أو دون، وهذا يفضي بالقارئ إلى أن يستنتجَ طغيانَ الهمِّ الجماعيِّ المرتبط بالجموع على الهم الشخصي، إلا ما تقاطع معه، وتبدو كلمة موتى حاملة للمعنى المجازي للموت، لأن الموتى بلا سقوف، أي أنهم بلا قبور، فهم موتى الأحياء الذين يومئ بهم الشاعر إلى الأمة العربية التي فقدت كبرياءها وقوتها ففقدت حياتها وباتت غثاء كغثاء الموتى».
كما أشار شبانة إلى بنية السؤال المتكرر، حيث انعكست الحيرة والتشتت على مساحات النصوص الشعرية، على هيئة بنى استفهامية انتشرت بطريقة كثيفة على أرضية النص، وقد تصدرت أداة الاستفهام «أي» أدوات الاستفهام التي تتكرر في مثل هذه الحالات لتعبر عن الارتباك والحيرة، وحالات من الضياع والضلال يصعب معها تحديد الطريق، وبيان الاتجاه.
كما قدم الشاعر عبد الرحيم جداية شهادة إبداعية بعنوان «المعاندة والمطاوعة في ديوان «موتى بلا سقوف»، تناول فيها التراكيب والصور الفنية التي تمثل هاتين الحالتين في ديوان الحوراني، ومن هذه التعابير المعاندة جمل وتراكيب وصور فنية وأفعال أوردها الشاعر محمد الحوراني في قصيدة «الظل» وقصائد أخرى بفنية عالية، ومن هذه التعابير قوله: «عزفت على الرجوع المرّ … حين رأيت أن المدَّ متصلُ». والمعروف للعلماء وأهل البحر والصيادين، أن البحر يعيش حالة فيزيائية بين مد وجزر مرتبطة علميا باتجاهات الرياح وحركة الأمواج بالجاذبية الأرضية وجاذبية القمر، ليبقى البحر بين مد وجزر، لكن الشاعر في قصيدة « الظل» في سطره الشعري عطل مبادئ الفيزياء الكونية، ليقدم لنا صورة فنية يظهر فيها تواصل المد، مما يشكل امتلاءً من جهة يقف عندها الشاعر وينظر إليها ويعيشها نفسيا.
بينما على صعيد التعابير المطاوعة، قال جداية، في المقابل يكمل الشاعر في قصيدة «الظل» أن الوصل لا يصل» وعندما ندرس الوصل نجده علاقة إنسانية بن اثنين أو أكثر، ونجد علاقة الوصل علاقة نفسية روحية فيها القبول وفيها الرفض، وعند القبول تكون هناك مطاوعة للحالة البشرية وكذلك عند الرفض تكون حالة أخرى من المطاوعة البشرية، لهذا جاءت عبارته إن الوصل لا يصل عبارة مطواعة لمتغيرات الطبيعة البشرية، التي تحتمل الانسجام والتناقض إضافة إلى القبول والرفض، لهذا فمن المطاوعة ألا يصل الوصل إلى المحبوب لأي سبب كان، نعرفه أو لا نعرفه، نصمت عنه أو ننطقه، ليبقى الوصل البشري مطواعا.
«موتى بلا سقوف»، بحسب جداية، رؤية شعرية جمالية وفنية قدم فيها الحوراني تجربة فكرية وذوقية وشعرية وصورا فنية وتناصا تراثيا يستحق الدرس، كما لغته وتراكيبه التي تستحق الدرس أيضا. والباحث في هذه المجموعة الشعرية يجد كثيرا من المفاهيم التي تستحق الدراسة مثل مفهوم الموت، والوقت والريح والزمن والجدار والروح وغيرها من المفاهيم المنتشرة في صفحات الديوان، لكن أبرز ما لفت نظر الباحث إضافة إلى الصورة الجمالية الفنية، تلك الحرية والمعاندة للخروج من توليفات مشكلة على القياس ليعيد تشكيلها شعرا بقياسات تناسب ذوقه الشعري.
وفي نهاية الحفل قرأ الشاعر مجموعة من قصائده، وتحدث القاص جعفر العقيلي، ناشر الكتاب عن المجموعة الصادرة عن دار «الآن».

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية